كانت جونها تعاود شدّ شعرها البريء دون ذنب، ثم تهوي جالسة القرفصاء على الأرض. عندها تقدّمت دان آه، التي لزمت الصمت حتى تلك اللحظة، فجلست بركبتيها إلى جوارها، وأخذت تلتقط برفق بضع خصلات شعر تساقطت على زيّها الطبي.
تنهد إن هو، الذي كان يراقب الموقف، قبل أن يتحدث مجددًا بنبرة هادئة:
“على كل حال، كفّوا عن هذا البؤس وادخلوا جميعًا. وكذلك أنت يا دكتور غو. نعلم أنك جئت قلق لكن لا داعي للقلق. كما قال الدكتور، الأمر انتهى بتخفيض الراتب فقط، وذلك في حد ذاته حُسن حظ.”
“أي حُسن حظ هذا! آااه!”
وما إن أنهى كلامه حتى دوّى صراخ جونها من جديد، فأفزع إن هو وأدار بصره نحوها.
جونها التي اعتادت أن تتجاوز أي أمر باستخفاف، بدا أن قرار منعها من الإجازة مئة يومٍ كاملة كان صدمة كبيرة لها.
‘هل عليّ أن أطلب من الأساتذة إعادة النظر في العقوبة…؟‘
تردّد إن هو في أمر لم يعتد عليه، ثم هزّ رأسه لينفض الفكرة، والتفت إلى جونها محاولًا التخفيف عنها:
“على الأقل نحن ذاهبون إلى بوسان بعد شهر. سنستنشق نسيم البحر، ونتناول الأسماك الطازجة، وسيكون الأمر أفضل.”
“بوسان؟ لماذا بوسان؟ ما هذا؟ هل ستذهبون للهو هناك وتتركونني؟!”
“للّهو؟! … إنه مؤتمر علمي، مؤتمر!”
أجابت جونها وهي تنهض من جلستها، يعلو صوتها بنبرة من الضيق، لكن ملامحها هدأت قليلًا عمّا كانت عليه. يبدو أن كلمات إن هو نجحت في تهدئتها بعض الشيء.
“مؤتمر علمي؟”
بمجرد سماع ذلك، التفت سوك وونغ بسرعة نحو دان آه. وكانت قد وقفت تتابع جونها، لكن عينيه المتسائلة والنافذة أجبرتها على الشرح:
“في بوسان سينعقد الـ EGR (الجولة الكبرى الطارئة: ملتقى يجتمع فيه أطباء كُثر ليعرضوا حالات طبية ويتناقشوا حولها). سيشارك فيه التشيف، ومعه جونها، والدكتور أوه، وأنا أيضًا. نحن الأربعة.”
“واااه، يا للحظ! بوسان! المُلْوَيْ (حساء المأكولات البحرية الباردة)! وحساء لحم الخنزير! والمعكرونة المثلجة!”
صرخ سوك وونغ وهو يلوّي جسده بحركات مبالغ فيها، كمن يموت غيرة. فأطلقت جونها ضحكة خفيفة وقد زال عنها الضيق.
كانت تظن أنها ستظل مئة يومٍ كاملة حبيسة العمل في المستشفى دون إجازة، لكن التفكير بأنها ستذهب إلى بوسان بعد شهر أنعش صدرها وأزال بعضًا من الاختناق.
“هيا، هيا! كفّوا الآن عن الثرثرة وادخلوا! لا تجعلوا هدوء المرضى يجعلكم تغفلون…”
صفّق إن هو مرتين ليستعيد زمام الأجواء، وفي تلك اللحظة تحديدًا توقفت سيارة سيدان سوداء أمام مدخل قسم الطوارئ حيث تجمعوا.
“لا يُسمح للمركبات الخاصة بالوقوف هنا.”
قطّب إن هو حاجبيه وهو يهمّ بالاقتراب من السيارة، لكن قبل أن يصل، فُتح باب السائق ونزل منه رجل في منتصف العمر.
في تلك اللحظة، اتسعت عينا دان آه وارتسم على وجهها الجمود.
“انتظر لحظة، يا تشيف…”
“…؟”
توقف إن هو ونظر إليها باستغراب، فرأى وجهها متصلبًا وهي تتمتم بصعوبة:
“…إنه جاء من أجلي.”
“تعرفينه؟ لعلّه أحد والديكِ؟”
خفض إن هو صوته وهو يلمح الرجل بنظرة جانبية. لم يكن أيٌّ منهم قد رأى والدي دان آه من قبل، فظنّوه أباها، واستعدّوا للترحيب به.
“لا، ليس والدي…”
“هل كنتِ بخير طوال هذه المدة، آنسة؟”
أنقذها الرجل من حيرتها بتقدمه وكلماته. لكن وصفه لها بـ”الآنسة” أثار الدهشة في وجوه الجميع.
قالت دان آه، وهي تتجنب نظرات زملائها المثبتة عليها: “ما الذي جاء بك إلى هنا، يا مدير يانغ؟”
كان الرجل هو مدير مكتب والدها، الذي خدمه سنوات طويلة، ليس في أعمال الشركة وحسب، بل في شتى الأمور الخفية والسرية أيضًا.
لكن… لماذا جاء الآن؟
أمسكت دان آه بهاتفها داخل جيبها بقوة، وتذكّرت المكالمات الفائتة الكثيرة التي لم تستطع الرد عليها لانشغالها بالمرضى.
“الرئيس يطلبكِ. عليكِ أن تأتي حالًا.”
“…والدي؟ ولماذا؟ لا… لا يمكن، فأنا في نوبة عملي الآن، الأمر غير ممكن.”
هو نفسه ذلك الأب الذي أعلن يومًا وبشكل قاطع أنه قطع كل صلة أبوّة معها. فكيف يطلب لقاءها الآن؟
لم يكن استدعاؤه لها إلا نذيرًا بأمر جلل، وليس خيرًا على الإطلاق.
لقد بلغَ إصرار الوالدين بالتبنّي حدًّا لم تُجدِ فيه عشرات المكالمات الفائتة، حتى دفعهما إلى إرسال مدير المكتب بنفسه. ذلك الإلحاح لم يُثر في نفس دان آه سوى نفورٍ أشدّ.
خطت خطوة إلى الوراء دون وعي، لكن مدير المكتب استأنف كلامه ببرود، وكأن ردة فعلها كانت متوقعة لديه منذ البدء:
“إن رفضتِ الذهاب، فلن يكون أمامنا سوى اصطحابكِ قسرًا، آنسة.”
“ماذا تقول؟! كيف تُجرؤ! من تظن نفسك لتتكلم عن أخذ الناس قسرًا؟!”
اندفعت جونها، ذات الطبع الحاد، غاضبة في وجهه. أما تشانغ هون وسوك وونغ فحاولا تهدئتها، وفي الوقت نفسه وقفا أمام دان آه، كجدار يحول بينها وبين أي محاولة لجرّها عنوة. كان ذلك إعلانًا صريحًا منهما أنهما لن يسمحا لأحد بمسّها بالقوة.
وحتى إن هو، وإن لم يتحرك جسدًا، ظل يراقب الموقف بعينيه المتحفزتين، يترقب كل حركة بين دان آه ومدير المكتب.
لكن الرجل لم يبالِ قط. فلو كان ممن يتراجعون أمام مثل هذه المقاومة، لما أبقاه والدها في خدمته طوال هذه السنين.
“ألستِ تكرهين الضجيج يا آنسة؟”
“…….”
ازدادت وجنتا دان آه شحوبًا حتى تلاشى ما تبقى من لونها. ورغم أن كلماته خرجت في صيغة مهذبة، فإن معناها كان تهديدًا صريحًا، أقرب إلى الابتزاز منه إلى الاحترام.
“دعني وشأني! أترى نفسك تُرهبنا الآن؟!”
صرخت جونها مجددًا وقد احمرّ وجهها غضبًا. في تلك اللحظة، أطبقت دان آه يديها معًا بإحكام، ونظرت بثبات إلى الرجل.
“……سأذهب.”
أومأ مدير المكتب كأنه كان يتوقع الجواب سلفًا، ثم استدار نحو السيارة. التفتت دان آه نحو إن هو وقالت بصوت خفيض:
“أعتذر يا تشيف… يبدو أن عليّ المرور بالبيت قليلًا. هل تسمح لي بنصف إجازة؟”
“بالطبع… لكن… هل ستكونين بخير يا دكتورة تشاي؟”
أجابها إن هو بإيماءة، وعيناه ممتلئتان بالقلق عليها.
“سأكون بخير. ليس سوى زيارة للوالدين. فقط… أشعر بالذنب لاضطراري لطلب نصف إجازة فجأة.”
ابتسمت دان آه ابتسامة مرسومة، اعتادت رسمها منذ صغرها. فمنذ نعومة أظافرها، لم يكن مسموحًا لها أن تبدو كخللٍ في صورة “العائلة الكاملة” التي ابتُليت بها. لقد وُلدت كـ”وصمة”، لذا لم يكن مسموحًا لها أن تكون “وصمة” ثانية.
ـــ
“لم يكن علينا أن نأخذ تلك الطفلة! لو أننا انتظرنا قليلًا لكان خيرًا!”
ارتجّ صوت أمها المتبنية في أذنيها، صاخبًا كما لو كان يُصرخ الآن. كاد الألم الحاد في رأسها أن يشوّه ملامحها، لكنها تمالكت نفسها ورفعت وجهها برباطة جأش.
قال إن هو وهو يلوّح بيده ليزيل ثقل الجو: “لا تشغلي بالكِ. حتى لو جاءنا سيل من المرضى الآن، فنحن قادرون على التعامل معهم. وإلا فما فائدة وجودنا هنا؟ أليس كذلك؟”
وافقه البقية بحماس، وهزّوا رؤوسهم مطمئنين، مودعين دان آه بابتسامات مشجعة. بدا في عيونهم أن الأمر لا يستدعي القلق؛ فهي فقط ذاهبة إلى والديها، وما الخطر في ذلك؟
كان ذلك ردّ الفعل الطبيعي… لو أنها عاشت مع والدين طبيعيين.
ابتسمت ابتسامة ساخرة في سرها، ثم أومأت برأسها، واستدارت مغادرة، تاركة أنظارهم وراءها.
“فلننطلق إذن.”
صعدت إلى المقعد الخلفي، ولما تأكد مدير المكتب من جلوسها، اتجه إلى مقعد السائق. وما إن همّ بتشغيل السيارة، حتى انفرجت شفتا دان آه المغلقتان:
” يا مدير.”
“نعم؟”
“هذا الموقف مخصص لسيارات الإسعاف فقط. المركبات الخاصة لا يحق لها الوقوف هنا.”
أردفت هامسة: “ليكن الأمر معلومًا لديك.” ثم أغمضت عينيها. ربما أحسّت بنظرات الدهشة والاستنكار مسلطة عليها، لكنها لم تعد تكترث.
ـــ
دخلت إلى البهو، وما كادت تتمّ تحية الاستقبال حتى دوّى صوته الغليظ:
“ها قد حضرتِ أخيرًا…!”
لكن ما تلاها لم يكن كلمة، بل صفعة قاسية، هوت بها أرضًا على الفور. لقد بادرها والدها بخطى غليظة، وضربها على وجهها دون أي رحمة.
ـــ
“يا لَسوء خُلقك ورداءتك! أما آن لهذه الفضيحة أن تنتهي؟! لقد جاوزتِ الحد في جلب العار! أبهذا تصبغين وجهي بالسواد؟!”
دوّى في أذنيها صفير حاد بيييييب… ربما كان أثر الصفعة التي تلقّتها حتى تزلزل سمعها. ومع ذلك، لم يَحُل الطنين دون أن يبلغها صراخ أبيها الجارف.
لم تجرؤ دان آه حتى على رفع يدها لتلمس وجنتها المتورمة من شدّة الألم، بل أرهقت ساقيها المرتعشتين بكل ما تبقى من قوة لتقف من جديد.
التعليقات لهذا الفصل " 36"