وقفنا نحن الاثنين في الغرفة، لا نعلم إلى أين نسير بهذه الكذبة، ولا إلى متى يمكن لها أن تصمد.
ومع ذلك، لم يكن أمامنا خيارٌ سوى المضيّ قدمًا في تمثيلنا… أو بالأحرى، في محاولتنا البائسة لإنقاذ حياتنا.
قال كايرو، وهو يميل برأسه إليّ وقد بدا القلق واضحًا في نبرته:
“إذاً… ما الذي علينا فعله الآن؟”
صمتُّ لحظة، محاولًا أن أرتّب أفكاري المتضاربة، ثم قلت أخيرًا:
“يجب علينا أن نذهب إلى المستودع… ونتظاهر بأننا أمسكنا بالدمية وتخلّصنا منها.”
رفع حاجبيه باستغراب، وردّ بنبرةٍ تميل للسخرية:
“ولماذا نفعل ذلك؟ أليس هذا مجرد مضيعة للوقت؟”
نظرت إليه بجدية وقلت:
“وماذا لو خرج النبيل فاليس فجأة؟ ماذا لو أراد أن يتحقّق بنفسه؟ هل تعتقد أنه سيُصدّق أننا استطعنا التخلص من دمية تستطيع الحركة والتكلم في غضون دقائق؟!”
تنهّد كايرو، ومرّر يده في شعره بتوتر، ثم قال:
“أظنك محقًّا… حسنًا، لنذهب إلى المستودع. ولكن… كيف سنتظاهر أننا تخلّصنا منها؟ ما خطتك بالضبط؟”
هززت رأسي ببطء وقلت، مع ابتسامة مرتبكة:
“حسنًا… في الواقع لم أفكر بذلك بعد.”
أطلق كايرو تنهيدة طويلة، ثم قال وقد بدأ نفاد صبره:
“إذاً… أنت تتفوه بأفكار دون أن تملك خطة لتنفيذها!”
تمتمت وأنا أحاول أن أبدو واثقًا:
“على أيّة حال، لنفكّر في حلٍّ ما… لا يزال لدينا وقت.”
جلسنا على الكرسيَّين من جديد، وغرقنا في صمتٍ ثقيل.
كانت الأفكار تدور في رأسي كعاصفة.
كيف يمكن أن نخدع نبيلًا ذكيًا وبارد الأعصاب دون أن يكتشف خدعتنا؟ كيف نخترع واقعة لم تحدث، ونقنعه بأننا قمنا بها؟ بدا الأمر مستحيلًا، ولكن…
فجأة، خطرت لي فكرة.
نهضت من مكاني فجأة وقلت بحماس:
“كايرو! لديّ خطة!”
رفع رأسه بسرعة وقال:
“حقًا؟ ما هي؟”
قلت، وأنا أحاول أن أخفي ارتباكي:
“إنها خطة معقّدة بعض الشيء… لكن قد تنجح.”
ثم بدأت أشرح له:
“أنا وأنت سنذهب إلى المستودع، ونأخذ معنا بطّانية صغيرة. سنبقى هناك لمدّة عشر دقائق، نتحرّك قليلًا، نحدث بعض الضجّة لنُشعر من بالخارج أننا نقوم بعملية بحث أو مطاردة. وإذا جاء النبيل فاليس فجأة وتفقّد المكان، سنقول له إننا ما زلنا نبحث عن الدمية.”
أومأ كايرو رأسه بتفكير، ثم قال:
“حسنًا… ولكن ما فائدة البطّانية؟”
ابتسمت بخفّة وأجبت:
“سنأخذها معنا حتى نتظاهر لاحقًا بأننا أمسكنا بالدمية، ونقوم بلفّها داخلها. وبهذا، إن صادفنا النبيل فاليس عند خروجنا من المستودع وسأل: أين الدمية؟ نقول إنها داخل البطّانية. الأمر بسيط، لكنّه قابل للتصديق.”
ضحك كايرو بهدوء، ثم قال:
“رائع… لكنها ليست محكمة بالكامل. ألا تظن أن بها عيبًا واضحًا؟”
شعرت بشيء من التوتر، فسألته:
“هاه؟ ماذا تعني؟”
قال وهو ينظر إليّ مباشرة:
“أعني، ماذا لو أمرنا النبيل فاليس بفتح البطّانية ليرى الدمية؟”
تجمّدت لوهلة.
لم أفكّر في هذا السيناريو.
تنحنحت وأجبت بصوتٍ خافت:
“في الحقيقة… لم أفكّر في ذلك.”
أطلق ضحكة خفيفة وقال:
“ها أنا ذا أخبرك. والآن… فكّر في حلّ.”
حدّقت في الفراغ لبضع ثوانٍ، ثم قلت بثقة مصطنعة:
“ولكن من المستحيل أن يأمرنا النبيل فاليس بفتح البطّانية.”
نظر إليّ باستغراب وقال:
“ولِمَ لا؟!”
ابتسمت وقلت، كأنّي أشرح أمرًا بديهيًا:
“هيا يا كايرو… هذا واقع. أتظن أن النبيل فاليس سيتقدّم نحونا فجأة ويطلب منا أن نفتح البطّانية ليكشف بنفسه ما إن كانت الدمية بداخلها؟! مثل تلك اللحظات المتوترة التي تحدث فقط في القصص والأنمي؟! هاهاها، هذا مستحيل.”
ضحك كايرو وهو يهزّ رأسه قائلاً:
“هاهاها، معك حق… لماذا أُقلِق نفسي بأشياء احتمالية حدوثها منخفضة جدًا؟! أعني، نحن حتى لسنا أبطالًا في قصة ما.”
ضحكت بدوري، ولكن ضحكتي كانت مشوبة بسخرية مُرّة:
“هاهاها، أليس كذلك؟ لسنا أبطالًا… فقط شخصان يحاولان النجاة من مأزق لم يكن جزءًا من اختيارهما.”
سادت لحظة من الصمت بعد ضحكتنا الصغيرة.
كان الضحك مجرّد غطاء هشّ على واقعٍ ثقيل.
ثم نهضت من مكاني وربتُّ على كتف كايرو:
“هيا… لنذهب إلى المستودع. ما دمنا قرّرنا أن نكذب، فلنكذب بشكلٍ مُتقن.”
ردّ بابتسامة باهتة:
“لنكذب… من أجل أن نبقى أحياء.”
وتحركنا نحو باب الغرفة بخطوات حذرة، نعلم تمامًا أننا لا نملك سوى حيلة البطّانية، وخوفنا المتصاعد من أن يكون الواقع أقسى بكثير من كذبتنا الصغيرة.
لكننا مضينا قدمًا، على أمل أن لا يفتح أحد تلك البطّانية.
ليس الآن… وليس أبدًا.
—
ولكن قبل أن أغادر الغرفة وقفتُ أمام خزانة قديمة خشبية في زاوية غرفة الحُرّاس، كانت مكسوّة بطبقة خفيفة من الغبار، لم تُفتح منذ زمن.
فتحت بابها ببطء، صرير المفصلات زاد توتّري، ثم أخذت بطّانية صغيرة رمادية اللون كانت معلّقة داخلها.
كانت نظيفة نوعًا ما، لعلّ أحدهم وضعها هناك في يومٍ بارد ونسي أمرها.
نظرت إلى كايرو الذي كان واقفًا عند الباب ينتظرني، أومأت إليه بخفّة، فخرجنا معًا من الغرفة دون أن ننطق بكلمة.
اتّجهنا نحو الدرج المؤدي إلى الطابق الثاني.
كلّما ارتفعت خطوة، شعرت بثقل الكذبة التي نحملها على أكتافنا.
خطواتنا كانت بطيئة ومتحفظة، وكأننا نمشي نحو فخٍ صنعناه بأنفسنا.
وصلنا أخيرًا إلى باب المستودع.
وقفت أمامه، وتنفست بعمق.
هذا هو… عدتُ مجددًا لهذا المكان، هذا المكان الذي شهد البارحة لحظات غريبة ومخيفة، كنت فيه مع كايرو… ومع الدمية.
لكن اليوم، عدنا وحدنا.
الشعور بالفراغ الذي خلفه غياب الدمية كان أقسى مما توقّعت.
المكان بدا أكثر برودة، وأكثر صمتًا… وكأنّ جدرانه تتذكّر كل ما حدث فيه.
فتحت الباب، وخرجت منه رياح خفيفة محمّلة بغبارٍ باهت.
دخلنا، ثم أغلق كايرو الباب خلفنا.
حدّقتُ حولي برهة.
كل شيء في مكانه كما تركناه الليلة الماضية، ولكن الجو… الجو بدا مختلفًا، أكثر كآبة.
قاطع كايرو أفكاري قائلاً:
“حسنًا… لنبدأ التمثيلية.”
هززت رأسي إيجابًا، وقلت بهدوء:
“نعم، لنبدأ.”
بدأنا نتحرك داخل المستودع بخطوات مصطنعة.
نفتح بعض الصناديق، نرفع بعض الأغطية، نحرك بعض الأغراض القديمة لنُحدث بعض الضجيج.
أردنا أن يبدو الأمر حقيقيًا قدر الإمكان، فربما يكون النبيل فاليس بالقرب، متخفيًا، يراقبنا دون أن ندري.
مرت الدقائق ببطءٍ قاتل.
شعرت أن كل ثانية تمضي تُقرّبنا من انكشاف الكذبة.
نظرت إلى الساعة المعلقة على الحائط الخشبي، كانت العقارب تشير إلى مرور عشر دقائق كاملة.
قلت لكايرو بصوت منخفض:
“أظن أن هذه المدة كافية لإقناع النبيل فاليس أننا أمسكنا بالدمية.”
أخذت البطّانية، ومددتها على الأرض، ثم بدأت أُشكّلها كما لو كنت ألفّ شيئًا داخلها.
لم أكن بارعًا في ذلك، لكني بذلت جهدي لجعلها تبدو وكأنها تحتوي على شيء صغير الحجم.
نظرت إلى كايرو، الذي كان يراقبني بصمت، ثم قلت:
“هيا، لنخرج الآن.”
تقدّمت نحو الباب بحذر، وفتحته ببطء، أطللت برأسي لأتفقد الممر.
“لا يوجد أحد…” همست.
عدت إلى كايرو وقلت:
“الوضع آمن، هيا بنا.”
خرجنا من المستودع بخطواتٍ مترددة، أحكمت لفّ البطانية بين ذراعيّ وكأنني أحمل شيئًا ثمينًا… أو خطيرًا.
كان كايرو يسير بجانبي بصمت، نظراتنا لا تتقاطع، ولكن توترنا كان مشتركًا.
نزلنا إلى الطابق الأول.
شعرت بشيء من الراحة، كأن عبورنا من الطابق الثاني كان اختبارًا ونجونا منه.
ولكن… فجأة، صوتٌ من خلفنا قطع لحظات الاطمئنان:
“هاي، أنتما… ما الذي تفعلانه؟”
تجمّدت في مكاني، التفت ببطء، لأرى من الذي ينادينا.
إنه سيريون.
كان يقف في نهاية الممر، ووجهه يحمل مزيجًا من الفضول والحذر.
اقترب منا بخطوات هادئة، وعيناه تنتقلان بين وجوهنا والبطانية الملفوفة بين ذراعي.
قال وهو يحدق في ما أحمله:
“ما هذا الشيء الذي تحملانه؟”
شعرت بالعرق يتجمّع على جبهتي.
ماذا أقول؟ كيف أبرّر هذا الموقف؟ عقلي توقف لثوانٍ.
تمتمت متلعثمًا:
“أممم… أ… الأمر وما فيه… ن… نحن فقط…”
لكن كايرو قاطعني بتوتر وهو يقول:
“نحن فقط… نرمي بطّانية قديمة مهترئة.”
أومأت برأسي سريعًا موافقًا، وقلت:
“نعم، هو محق… بطانية قديمة فقط، لا شيء مهم.”
نظر إلينا سيريون بريبة، ثم دقق النظر في البطانية.
“لكنني لا أرى سوى بطانية نظيفة…” قالها بنبرة باردة.
رددت بسرعة، محاولًا تفادي المأزق:
“ذ… ذلك لأن النبيل فاليس معاييره عالية جدًا! وهو… يحب البطانيات التي تلمع!”
نظر إليّ كايرو بدهشة، وكأنّه يقول بعينيه: بطانية تلمع؟! أأنت جاد؟!
نظرت إليه بنظرة فيها استجداء: هذا أفضل ما خطر في بالي الآن! تعاون معي!
ظلّ سيريون يحدّق بنا، ثم قال:
“هممم… إذاً أنت تقول إن النبيل فاليس يحب البطانيات التي… تلمع؟”
كتمت أنفاسي.
رجاءً صدّق ذلك… فقط صدّق.
قال سيريون، وهو يضع يده على ذقنه بتفكير:
“هممم… هذه أول مرة أسمع فيها معلومة كهذه… ولكن، بما أن النبيل فاليس رجل غريب الأطوار وثري جدًا، فلا شيء مستبعد.”
ابتسمت بتوتر، وقلت:
“نعم، بالضبط! هو شخص… غير تقليدي.”
قال سيريون:
“حسنًا، لتُكملا طريقكما. أراكما لاحقًا.”
ثم استدار ومشى مبتعدًا.
ظللت أنظر إليه حتى اختفى من الممر، ثم أطلقت زفرة ارتياح طويلة:
“فيوه… جيد أنه لم يُمسك بنا.”
نظرت إلى كايرو وقلت بابتسامة باهتة:
“أليس كذلك، كايرو؟”
لكنه لم يجب.
كان واقفًا في مكانه، عينيه ثابتتان، وجهه جامد.
“هاي، كايرو… نحن في أمان الآن، عُد إلى وعيك.”
فجأة، تنفّس بعمق، ثم انفجر ضاحكًا:
“هاهاها… خطتك جنونية! لا أعلم حتى كيف وافقتُ عليها!”
ضحكتُ أنا أيضًا، ولكن ضحكتنا لم تكن سوى محاولة للهروب من حقيقة واحدة…
نحن نغوص أكثر فأكثر في شبكة من الأكاذيب.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 85"