“لماذا لم تقل له الحقيقة كاملة؟! لماذا اكتفيت بقول إن الدمية تتحرّك وتتكلّم؟! لمَ لم تخبره أنها هربت؟! لماذا لم تخبره بما حدث في المستودع؟!”
حاولت فتح فمي، لكن الكلمات لم تخرج.
ثم تنفست بعمق، وقلت:
“كنت سأفعل… لكن… ألم تسمع كم يبلغ سعرها؟”
تردّدت نبرتي، وكان صوتي أقرب إلى همس مرتبك.
“نصف مليون دولار يا كايرو… أتتخيّل؟! نصف مليون!”
حدّق بي كايرو، مصدومًا من ردة فعلي، فتابعتُ بحنق:
“وتريدني أن أخبره أنها غادرت؟! هل تظن أنّه سيتفهّم؟! ربما سيفقد أعصابه! ربما سيتّهمنا بالكذب وخيانة ثقته! ربما… سيقضي علينا!!”
ارتبك كايرو للحظة، ثم قال:
“حسنًا… لنتجاوز تلك اللحظة، لكن لماذا لم تقل له الحقيقة بعد أن قال إنه يريد التخلّص منها؟! لقد كانت تلك فرصتك! لم يعد يريدها، فما الضرر لو أخبرته بالحقيقة؟!”
صمتُّ.
“كان يمكنك أن تخبره حينها! لو فعلت، لربما تفهّم الأمر! لكنك صمتّ! لم تقل شيئًا!”
نظرت إليه، ثم قلت، بنبرة أقرب إلى الدفاع عن النفس:
“أتظن أنه سيشكرنا إن علم أنها قد غادرت؟! بعد أن علمنا بقيمتها؟! سيظن أننا أخفينا الأمر لنطمع في المكافأة! لن يصدّقنا حتى لو قلنا الحقيقة!”
لم يرد كايرو مباشرة، فقط ظلّ ينظر إليّ بنظرة تحمل خليطًا من الإحباط والقلق، ثم سأل أخيرًا:
“…ولكن، ألسنا نخدعه الآن فعلاً؟”
ابتلعت ريقي، لم أجد ما أقوله.
“ألم تقل بنفسك أن الذنب ليس ذنبنا؟ أننا لم نكن نعلم أنها ستهرب؟”
أومأت برأسي ببطء، وقلت بصوت خافت:
“نعم… قلت ذلك.”
ثم أكملت، بصوتٍ أكثر ضعفًا:
“لكن الأوان… قد فات بالفعل.”
مشينا معًا في الممر، صامتين هذه المرة، ليس من ثقل الموقف فقط، بل من شعورٍ غريب بأننا دخلنا لعبة أكبر منا… لعبة لا نملك كل أوراقها، ولا حتى نعرف قواعدها بالكامل.
ورغم ذلك… كُلّ ما نعرفه الآن هو أننا عالقان في مأزقٍ لا مهرب منه.
…
هبطنا، أنا وكايرو، إلى الطابق الأول بخطى بطيئة، مثقلة بالحيرة والعجز.
لم يكن في ذهن أيٍّ منّا خطة واضحة لما ينبغي فعله.
كل شيء بدا ضبابيًا، مرعبًا، كأنّنا نسير داخل كابوس لا نهاية له.
عند وصولنا إلى غرفة الحرس، دفعني التعب الذهني أكثر من الجسدي إلى أن أفتح الباب وأتقدّم إلى الداخل، نظرت بسرعة في أرجاء الغرفة، فلم يكن هناك أحد.
بدا المكان خاليًا تمامًا، كأنه يعكس شعورنا الداخلي بالعزلة.
توجهت مباشرة نحو الكرسي الذي أمام النافذة، وجلست عليه بثقل، بينما جلس كايرو على الكرسي المجاور لي، بصمت لم نعتد عليه نحن الاثنان.
الهدوء كان خانقًا، كأنّ الغرفة نفسها قد قرّرت أن تصمت معنا، فلا صوت سوى همسات الريح التي تتسلل من نافذة شبه مفتوحة.
كنا نسمع بوضوح حفيف الأشجار البعيد، وكأنّ الطبيعة نفسها تسخر من حيرتنا.
مرّت بضع دقائق ونحن على هذه الحال، لا أحد فينا يملك الشجاعة ليبدأ الحديث… إلى أن كسره كايرو أخيرًا، بصوت خافت، لكنه مشحون بالعزم:
“هاي… لم يفت الأوان بعد”
قال دون أن ينظر إليّ، وكأنه يخاطب مخاوفه هو:
“لنعد إلى غرفة النبيل فاليس ونخبره الحقيقة… لنقل له إن الدمية قد غادرت القلعة بالفعل.”
نظرت إليه بصمت لثوانٍ، ثم قلت ببطء، نبرتي تنزف إحباطًا:
“أتظن أنّي لا أرغب بذلك؟… أنا أيضًا أريد إخباره الحقيقة، ولكن…”
توقّفت قليلًا، ثم تابعت وأنا أشدّ على الكلمات كمن يُخرِجها من بين فكيّ صراع داخلي:
“لكننا لا نعلم من هو النبيل فاليس بالضبط… لا نعرف ما نوع الرجل الذي نتعامل معه. قد يتفهم، وقد… قد يفعل ما لا يُحمد عقباه.”
كايرو أطلق تنهيدة طويلة، ملأ بها الغرفة للحظة، ثم قال، بصوتٍ منخفض، فيه شيء من الانكسار:
“إذاً… ماذا تقترح أن نفعل؟”
أخفضت رأسي، أفكّر، أبحث عن حلّ، ولو وهمي… ثم تمتمت بتردد:
“ل… لنتظاهر أنّنا تخلّصنا من الدمية.”
في اللحظة التالية، كأنما صعقته الكلمة، نهض فجأة من كرسيه، وصاح بصوتٍ خافت لكنه حاد:
“ماذا؟!! أَجُنِنْت؟!!”
شهقت بصوتٍ خافت، ونظرت حولي بسرعة، ثم أشرت له بأن يخفض صوته:
“ششش! أخفض صوتك، قد يسمعنا أحد!”
نظر إلي بحدة وقال، ما زال الغضب مرتسمًا على وجهه:
“هل تريدنا أن نخدعه؟! هذا… هذا جنون!”
ترددت قليلًا، ثم همست بإحباط:
“إنه ليس خداعًا… حسنًا، حسنًا، أنا أعترف، هو خداع… لكنه خداع اضطراري! لا يوجد أمامنا خيار آخر، كايرو! هذا هو الحل الوحيد الآن!”
ظلّ واقفًا، يحدّق بي بدهشة ممزوجة بالرفض، لكنني تابعت، أحاول أن أشرح وأُبرّر، حتى لو لن يقتنع:
“إن قلتُ له إن الدمية قد اختفت الآن، ماذا تتوقّع سيحدث؟ سيظن أنّنا كذبنا عليه… أننا خططنا لهذا كي نحصل على المكافأة… أو ربما أسوأ، قد يتهمنا بأننا بعناها سرًا. الرجل لا يبدو عاطفيًا، لا يبدو كمن يمنح فرصة ثانية. نحن لا نعرف حدوده.”
جلس كايرو ببطء، كأنّ جسده قد أدرك حجم المأزق.
تمتم بعد لحظة، كأنما يعاتب الواقع نفسه:
“ولكن… هذا خطأ.”
نظرت إليه، كنت أشعر بالألم نفسه، بصوتٍ أقرب إلى الهمس، قلت:
“أنا… أعلم. أعلم أن ما نفعله خطأ. لكن حياتنا على المحك يا كايرو… ليست حياتي وحدها، بل حياتك أيضًا.”
سكتنا للحظة.
لم يكن هناك ما يُقال.
الحقيقة أننا وقعنا في فخ لم نُخطط له، فخّ صنعته دمية… وكذبة صغيرة… وثمن خرافي.
أخيرًا، قال كايرو بعد أن أسند ظهره إلى الكرسي:
“ح… حسنًا، أظن أنه لا يوجد لدينا خيار آخر…”
ثم نظر إليّ بعينين مرهقتين، وأكمل:
“لنتظاهر أننا تخلّصنا من الدمية.”
وهكذا… كانت هذه هي اللحظة التي سقط فيها القرار، ليس لأننا أردنا، بل لأننا لم نملك ترف الرفض.
التعليقات لهذا الفصل " 84"