نزلتُ برفقة كايرو من الطابق الثالث إلى الثاني، نتقدّم بخطوات ثابتة، لكن في داخلي كانت كل خطوة تحمل شيئًا من التوتر، وكأنها تقرّبني من مواجهة غير مضمونة النتائج.
كان الصمت مسيطرًا علينا، لا أحد فينا حاول الحديث، وكأن كُلاً منا يعرف جيدًا ثقل ما سنقوله.
وصلنا إلى باب غرفة النبيل فاليس، وتوقّفت لحظة قبل أن أمدّ يدي وأطرق الباب ثلاث طرقات متتالية.
“طق…طق…طق.”
مرّت ثوانٍ بدت أطول مما هي عليه، ثم فُتح الباب ببطء، ليظهر خلفه النبيل فاليس بهيبته المعهودة، يقف بنظراته الحادة وثيابه المعتنى بها بعناية لا تخطئها العين.
قال بنبرة جادة دون أن يفسح لنا الطريق:
“ما الأمر؟ لماذا طرقتم الباب؟”
تقدّم كايرو قليلًا وأجاب بصوته الهادئ:
“هناك أمرٌ مهم… يجب علينا إخبارك به.”
رفع النبيل حاجبًا، وكأنّه لم يتوقّع هذا الافتتاح، ثم قال:
“وما هو هذا الأمر؟”
نظرت إليه مباشرة، أحاول أن أختار كلماتي بعناية، لكنّ الارتباك تسلل إلى نبرتي رغم كل محاولتي للتماسك:
“أنا… لا أعلم كيف أشرح لك الأمر تحديدًا… لكن، هل تتذكّر أنك اشتريت دمية من مزاد ما مؤخرًا؟”
تغيرت ملامحه قليلًا، وكأن ذهنه عاد إلى لحظة بعيدة، ثم قال بعد لحظة تفكير قصيرة:
“آه، تقصد تلك الدمية التي اشتريتها لابنة أختي… روشين، أليس كذلك؟”
أومأت برأسي مؤكدًا:
“نعم، تلك الدمية تحديدًا.”
ضيّق عينيه قليلًا ثم سأل بفضول مستتر:
“ولكن… كيف علمت أنني اشتريتها من المزاد؟”
هنا بدأ قلبي يخفق بسرعة.
لم أتوقّع هذا السؤال، ولم أجهز له إجابة مُقنعة.
ابتلعت ريقي وأجبت بتوتر واضح:
“إبنة أختك… روشين، أخبرتني بذلك.”
ظلّ يحدق فينا بصمت لبضع ثوانٍ، ثم قال أخيرًا، بنبرة ثقيلة:
“هكذا إذن… حسنًا، ولماذا تسأل عن هذا الأمر؟”
شعرت أن لحظة الحقيقة قد حانت، ولم يعد هناك مفرّ من قولها كما هي:
“ربما يكون ما سأقوله صادمًا بعض الشيء… ولكن، تلك الدمية تستطيع التحرك… والتكلم.”
سكنت الغرفة فجأة.
لم يصدر منه أي رد فعل، لم يبدُ عليه الذهول، أو حتى أدنى تعبيرٍ يوحي بعدم التصديق أو السخرية… لقد اكتفى بالصمت، كأنما كان ينتظر أن يسمع شيئًا كهذا.
ثم قال أخيرًا، بنبرة باردة حادة:
“إذاً… هل تتوقّع مني أن أصدقك؟”
وما إن هممت بالرد حتى تابع، بنبرة أقل هدوءًا، اختلط فيها الغضب بالشك:
“هل أرسلتك روشين لتخبرني بهذه القصة السخيفة، لكي أتخلص من الدمية؟”
قلتُ على الفور، رافعًا صوتي قليلًا، مدفوعًا بإحساس داخلي بضرورة الدفاع عن الحقيقة:
“لا! الأمر ليس كذلك! أنا لا أكذب، الدمية فعلاً تتحرك وتتحدث! لقد رأيتها بعينيّ الليلة الماضية، تحرّكت وتكلّمت أمامي! بل وكايرو، الحارس الذي بجانبي، كان معي ويشهد على ذلك!”
توجهت أنظاره إلى كايرو، الذي أومأ برأسه مؤكدًا، ثم أعاد نظره إليّ، وقال ببطء وكأنه يجمع الأدلة:
“أنت… وكايرو… وروشين… جميعكم تقولون إن هذه الدمية تتحرّك وتتكلم.”
توقّف لبرهة، ثم أضاف، وقد بدت عليه ملامح الحيرة:
“لكنني لم أرَ أي علامة تشير إلى أن هذه الدمية قادرة على التحرك أو الكلام… لا شيء من هذا منذ أن أحضرتها من المزاد.”
اتكأ بظهره على حافة الباب، ثم تابع بنبرة أكثر هدوءًا:
“في الواقع، كنت دائمًا أجدها في مكانها، دون أي تغيير… جامدة كأي لعبة، لا صوت ولا حركة.”
أطرق برأسه قليلاً كأنه يتأمل شيئًا ما، ثم أردف:
“أنا لا أعلم لماذا تُصرّ روشين على التخلص من الدمية… لكنها كانت تخاف منها منذ اليوم الأول.”
تقدّمت خطوة وقلت بإلحاح:
“لكن كل ما أخبرتك به حقيقي! لقد عشنا تلك اللحظة معًا. هي ليست مجرد لعبة عادية!”
هزّ رأسه ببطء، وقال:
“حسنًا… أمام شهادتكم الثلاثة، لا يمكنني تجاهل الأمر ببساطة.”
ابتسمت بخفة، ارتياحٌ غريب بدأ ينساب داخلي… لقد صدّقنا.
لكن قبل أن أُكمل ذلك الشعور، قال النبيل فاليس بلهجة حاسمة:
“أظن أنه من الأفضل أن أبيع الدمية.”
تجمّدت في مكاني.
مهلاً…ماذا؟!
…
هو… يريد بيعها؟! لا… لا، هذا مستحيل!
رفعت رأسي ببطء نحوه، وكأنني لم أسمع جيدًا، ثم سألته بصوت حاولت أن أُخفي ارتجافه:
“أمم… ولماذا تريد بيعها؟”
نظر إليّ النبيل فاليس باستغراب، وكأن سؤالي كان بديهيًا للغاية، ثم قال بهدوء وكأنه يشرح لطفل صغير:
“حسنًا… سعرها يبلغ خمسمئة ألف دولار وهي أثر نادر. سيكون من الغباء أن أرميها فحسب.”
خ…خ…خـمسمئة… أ…ألف… د…دولار؟!!
أثر نادر؟!!!
كادت عيناي تخرجان من محجريهما.
ذلك الكائن المرعب… تلك الدمية التي كادت تقتلنا من شدة الرعب… سعرها يساوي ثروة؟!
جسدي تجمّد تمامًا، وبدأت حساباتي تنهار في رأسي.
خمسمئة ألف دولار؟! ذلك المبلغ وحده يكفي لأن أعيش حياة مريحة دون أن أضطر للعمل ثانيةً لبقية عمري!
شعرت أن الأرض بدأت تميل من تحتي، وأنا أفكر: تبًّا… تبًّا… تبًّا! نحن في ورطة حقيقية!
فالدمية ليست في القلعة الآن… لقد اختفت تمامًا بعد حادثة المستودع، ولم نعرف إلى أين ذهبت.
لقد اختفت بلا أثر، ولا أحد يملك أدنى فكرة عن مكانها!
ماذا ستكون ردة فعله عندما يعلم ذلك؟ هل سيغضب؟ هل سيتهمنا بالإهمال؟ هل هذه هي نهايتي؟ نهايتي رغم أنني لم أرتكب أي خطأ؟!
نظرت يائسًا نحو كايرو، متمنّيًا أن أجد في عينيه بصيص أمل، حلاً خارقاً ينقذ الموقف… لكنّه كان هو الآخر غارقًا في التوتر، وجهه شاحب، ونظراته زائغة.
آغغغه… تبًّا!
بدأ قلبي يضرب بعنف في صدري، بينما حاولت أن أبدو طبيعيًا.
مسحت جبيني بظهر يدي، ثم قلت بصوتٍ متصنّع، محاولًا التخفيف من توتري:
“هاهاها… الجو حارٌ جدًا اليوم. لا أعلم لماذا أتعرّق لهذه الدرجة!”
نظرت نحو كايرو محاولاً إشراكه في التمثيلية، فالتقط الإشارة بسرعة وقال وهو يضحك بتوتر:
“هاها… ن-نعم، أنت محق! الجو… حارٌّ جدًا!”
ابتسمت ابتسامة باهتة ثم التفتُّ إلى النبيل فاليس وسألته، محاولًا توجيه الحديث بعيدًا عن المال:
“أيّها النبيل فاليس… ألا ترى أن بيع الدمية قد يكون أمرًا خطيرًا؟”
رفع حاجبه مستغربًا وقال:
“بيعها… خطير؟”
تلعثمت قليلاً، لم أكن قد فكرت بإجابة بعد، كنت أحاول فقط أن أشتري بعض الوقت.
“نعم… وذلك لأن…”
(لأن ماذا؟!) تجمد عقلي، لم يكن هناك أي جملة جاهزة.
ارتبكت وتلعثمت.
ما هذا؟ أين اختفت كل الكلمات عندما احتجتها؟!
لكن صوت كايرو أنقذني من الغرق، إذ قال فجأة، محاولًا تدارك الموقف:
“ذ…ذلك لأنها قد تُلحق الأذى بالناس. أقصد، من الممكن أن تدمّر حياتهم… أليس من أخلاق النبلاء أن يحاولوا حماية الناس… لا تعريضهم للخطر؟”
سكت النبيل فجأة.
نظرت إلى كايرو مصعوقًا.
ما الذي يقوله؟! هل فقد عقله؟! منذ متى كان النبلاء يهتمّون بحماية الناس؟!
رمقته بنظرة فيها ألف سؤال، وكأنني أقول له بعيني: “هل تمزح؟ من أين جئت بهذا؟!”
فنظر إليّ كايرو وردّ علي بنظراته: “لا أعلم! رأيت هذا في أحد الأنميات! على الأقل حاولت إنقاذك بعد أن علقت وتركتني أرتجل!”
قبل أن أردّ عليه بعيني، قاطعنا صوت النبيل فاليس:
“…أنت محق.”
تجمّدنا أنا وكايرو في أماكننا.
ماذا؟!
هل قال… إنه محق؟!
نظر إلينا النبيل فاليس ثم أضاف، بصوت أكثر جدية:
“لم أفكر بالأمر من هذه الزاوية. إن كانت الدمية فعلاً قادرة على التسبب بالأذى… فربما بيعها سيكون مخاطرة.”
لم أصدق ما أسمعه.
هل فعلاً اقتنع؟!
ثم أكمل:
“إذًا… أظن أن الأفضل هو التخلص منها تمامًا.”
ابتسمت بارتياح، لكنّه ما لبث أن أنهى الجملة بما لم نكن مستعدين له:
“سأوكل مهمة التخلص منها إليكما، بما أنكما الشاهدان الوحيدان على ما يمكنها فعله.”
التعليقات لهذا الفصل " 83"