ساد صمت قصير بيني وبين كايرو، لم يكن صمتًا مريحًا، بل كأن شيئًا ما يثقل كاهله، يحاول أن ينتزعه من داخله. ثم قال أخيرًا، بصوت خافت متردد:
“ق… قدرتي الفريدة… هي الدرع المرئي.”
رفعت حاجبيّ بدهشة، غير مصدق لما سمعته للتو، فقلت متحمسًا:
“حقًا؟! إنها قدرة رائعة! كيف تعمل؟!”
لكن كايرو لم يبدُ متحمسًا كما كنت أنا، بل أجاب بصوت مائل إلى الخجل:
“إنها ليست بتلك الروعة، ليست مثل قدرات لوكسيان أو نوكس المذهلة… فكل ما يمكنني فعله بها هو الدفاع، لا أكثر. لا يمكنني استخدامها للهجوم أو التأثير المباشر على العدو.”
ثم تنهد وتابع شارحًا:
“قدرتي تتيح لي إنشاء درعٍ مرئي، يمكنني من خلاله حماية خمسة أشخاص فقط في اليوم، لا أكثر، وتستمر الحماية لمدة خمس ساعات كحد أقصى.”
صمت قليلًا، وكأنه يقيّم في داخله ما إذا كان يجب أن يُكمل، ثم قال بنبرة أقل ترددًا:
“لكن لها قيود. إذا استخدمتها على خمسة أشخاص دفعة واحدة، فلا أستطيع تفعيلها في اليوم التالي إطلاقًا. إنها بحاجة إلى فترة تهدئة كاملة.”
استمعت إليه باهتمام، كلماتُه أيقظت في ذهني أسئلة جديدة، فقلت:
“لكنها قدرة رائعة حقًا، تستطيع حماية من حولك بها، وهذه ميزة كبيرة! في مواقف كثيرة، قد يكون الدفاع أهم من الهجوم.”
ثم أضفت بسؤال لم أستطع كبحه:
“هل تعمل هذه القدرة عليك أيضًا؟ أعني… هل يمكنك تفعيل الدرع على نفسك؟”
أومأ كايرو برأسه وقال:
“نعم، أستطيع تفعيل الدرع على نفسي، وقد فعلت ذلك عدة مرات… خاصة في المرات التي كنت أشعر فيها أنني لن أخرج سالمًا من موقف معين.”
هززت رأسي، ثم قلت بعدما خطرت لي فكرة:
“ولكن… هناك جزء لم أفهمه.”
نظر إليّ مستفسرًا:
“وما هو؟”
قلت وأنا أستعيد ما قاله في ذهني:
“أنت قلت إنك تستطيع استخدام الدرع على خمسة أشخاص في اليوم، وأنك إن فعلت ذلك، فلن تتمكن من استخدامه في اليوم التالي… لكن ماذا لو استخدمته فقط على شخص أو اثنين؟ هل لن تستطيع إستخدامها في اليوم التالي؟”
ابتسم كايرو هذه المرة، وكأنه كان يتوقع هذا السؤال، وأجاب بثقة أكبر:
“لا، الأمر ليس بهذه الصرامة. إذا استخدمت الدرع على شخص أو اثنين، أو حتى ثلاثة، فلن يؤثر ذلك على قدرتي في اليوم التالي. سأظل قادرًا على استخدام الدرع على خمسة أشخاص مجددًا في اليوم الذي يليه.”
ثم أضاف:
“لكن إذا وصلت إلى الحد الأقصى، أربعة أو خمسة، فحينها فقط يبدأ العداد، وأحتاج إلى يوم كامل كي تستعيد قدرتي نشاطها.”
أومأت برأسي وأنا أستوعب المعلومات.
نظرت إلى كايرو، وقد بدأتُ أرى قدرته من زاوية مختلفة، فسألته بفضول حقيقي:
“إذاً، كم تبلغ قوة درعك؟ أعني… هل هو قوي حقًا؟ هل سبق أن تحطم أو تعرض للضرر؟”
أجابني بنبرة صادقة، دون تكلّف:
“أنا لا أعلم… في كل المرات التي استخدمته فيها، لم يُكسر الدرع أبدًا، ولم يتصدّع أو يحدث له شيء يُذكر.”
اتسعت عيناي بدهشة، لم أستطع كتمها:
“حقًا؟! لم يحدث له أي ضرر؟ ولو بسيط؟!”
أومأ برأسه، ثم خفض نظره قليلًا وقال بخجل:
“نعم… لم يحدث لدرعي أي شيء حتى الآن.”
كلماته غرست في داخلي شيئًا غريبًا.
لم يكن الحسد القاتل، لكنه كان أقرب إلى الغيرة المشوبة بشيء آخر… شيء لا أعلمه… كم أود لو كانت لديّ قدرة بهذه الفائدة، بهذه الصلابة، بهذه البساطة التي تنقذك في لحظات الخطر.
أنا… ماذا أملك؟
مهارة “سرعة الحركات البسيطة”، واستجابة لا تفعل إلا في لحظات الموت، وتنفس منعش لا أعلم متى يظهر ومتى يختفي…
لا، لا! لا يجب أن أسمح لتلك الأفكار بالتسلل إليّ.
عليّ أن أكون متفائلًا، فكل شخص يمتلك شيئًا يميّزه… ربما سأحصل على مهارة رائعة يوماً ما.
أبعدت تلك الخواطر، ونظرت إليه مجددًا، ثم سألته بنبرة حاولت أن تكون هادئة:
“لكن، إن كانت لديك قدرة بهذه القوة… لمَ لم تستخدمها البارحة عندما حُبِسنا في المستودع؟ لو أنك استخدمتها، لربما كنا تمكّنا من تجنّب كل ما حصل، ولم نكن سنضطر إلى اللعب مع الدمية.”
ساد صمت خفيف، طغى عليه صوت الريح المتسلل من نوافذ الطابق، ثم ردّ كايرو بنبرة نادمة:
“أعلم… أعلم ذلك… لكن كما قلت لك سابقًا… لقد نسيت.”
كان صوته مشبعًا بالأسف، وأدركت أن تأنيبي لم يكن ضروريًا… فما فائدة اللوم الآن؟ مررنا بما مررنا به، لكن المهم أننا خرجنا أحياء.
تنهدت ببطء، ثم قلت له بنبرة أكثر لينًا:
“حسنًا، حسنًا… لا بأس. فلنأخذ قسطًا من الراحة الآن. سنتقابل لاحقًا… على الساعة الرابعة.”
نظر إليّ باستغراب، كأنه نسي شيئًا ما، وسأل:
“ولماذا سنلتقي؟”
ابتسمت قليلًا وأنا أرفع حاجبيّ:
“ألستَ من قال إن علينا إبلاغ النبيل فاليس بما حدث البارحة؟ عن الدمية وكل ما جرى؟”
ضحكتُ في داخلي، فهو ينسى أشياء كثيرة كما يبدو… قدرته، وحتى حديثه هو نفسه!
ودعنا بعضنا البعض بعدها، ومضى كايرو صاعدًا إلى الطابق الثاني.
على الأرجح أنه توجه إلى المطبخ مباشرة، إذ سمعت صوت معدته بوضوح، تزأر وكأنها لم تذق طعامًا منذ يومين.
أما أنا، فقد اتجهتُ إلى غرفة الحراس لأستريح قليلاً.
كنت بحاجة إلى بعض الهدوء، إلى أن أستلقي دون تفكير، دون حركة، فقط أغمض عينيّ وأدع التعب ينسحب من أطرافي.
خطواتي نحو الغرفة كانت بطيئة، كأنني أجرّ جسدي معي، وما إن دخلت حتى ألقيتُ بنفسي على الفراش المهترئ الذي صار مألوفًا لي أكثر مما ينبغي.
أغلقت عينيّ، وغرقت في صمت الغرفة، فيما لازالت صورة الدمية تلوح في ذهني بين الحين والآخر… هل كانت حقًا لعبة عابرة؟ أنا لا أعلم…
…
استيقظتُ على صوت خافتٍ لطالما أحببته… صوت العصافير وهي تزقزق خلف النافذة.
كانت نغمتها رقيقة، تتسلّل إلى أذني برفق، وتبعث في النفس شيئًا من الطمأنينة… وكأن العالم لم يشهد ما شهدناه الليلة الماضية.
فتحت عينيّ ببطء، ثم حدّقت نحو النافذة محاولًا تقدير الوقت من لون السماء، لكنها كانت صافية تمامًا… لا غيم فيها، ولا شمس واضحة توحي بقرب المغيب أو الشروق.
الغرفة كانت فارغة تمامًا، لا أحد فيها سواي، وهذا ما جعلني أنهض من مكاني وأخرج لأتأكد من الوقت.
ما إن فتحت باب الغرفة حتى لمحت سيريون واقفًا كعادته، يحرس الجانب الأيسر من الطابق الأول، ثابتًا لا يتحرك، كتمثال حيّ يراقب كل شيء دون أن يتدخل.
حييته بإيماءة سريعة، فبادلني التحية بنظرة صامتة، ثم سألته:
“عذرًا… كم الساعة الآن؟”
ردّ دون أن يشيح ببصره عن الممر:
“الساعة الآن الثالثة والنصف.”
شكرته بصوت خافت، ثم ابتعدت عنه بخطوات سريعة.
لم يتبقَ الكثير حتى الرابعة، وكنت قد اتفقت مع كايرو أن نلتقي في هذا الوقت لنذهب معًا لإخبار النبيل فاليس بكل ما جرى… كان عليّ أن أجده.
بدأت البحث عنه في الطابق الأول.
مررت بالممرات، ألقيت نظراتي داخل كل غرفة، تفقدت الزوايا التي اعتاد أن يجلس فيها أو يتكئ على جدرانها، لكن لا أثر له.
صعدت بعدها إلى الطابق الثاني، وأعدت المحاولة، ولكن النتيجة كانت ذاتها… لا كايرو هنا أيضًا.
لم يتبقَ سوى الطابق الثالث.
صعدت درجات السلم بهدوء، وأحسست بشيء من القلق يتسلل إليّ.
دفعت باب الطابق الثالث ببطء، وما إن فتحته حتى وقعت عيني على كايرو واقفًا في إحدى الزوايا، يتحدث مع ماركوس ونوكس.
بدا الثلاثة منشغلين في حديثٍ ما، وجوههم جدية، والحديث يبدو هامًا.
اقتربت منهم، وسألت:
“هاي… ما الذي يجري هنا؟”
التفت إليّ ماركوس أولًا، وعلامات الارتياح على وجهه، ثم قال:
“أوه، أنت هنا! حسنًا… الأمر ببساطة أن كايرو أخبرنا بما حدث لكما البارحة، عن الدمية، وعن كل ما جرى داخل المستودع.”
أصابتني الدهشة لوهلة.
لم أكن أتوقع أن يخبرهم كايرو بما حدث، خصوصًا أنني أخبرته بوضوح أننا لا نحتاج لإشراك الآخرين في الأمر.
نظرت إليهما وسألت بتردد:
“إذاً… هل تصدقان القصة؟”
أجاب نوكس أولًا:
“ولِمَ لا نصدقها؟ هذا عالم خيالي على أية حال… كل شيء فيه ممكن.”
أكمل ماركوس:
“نعم، كل شيء ممكن في هذا العالم، إضافة إلى أننا أصدقاء… ولا يوجد أي سبب يجعلكما تكذبان علينا.”
شعرت بشيء من الراحة يتسلل إلى صدري، وتنهدت بهدوء وأنا أقول:
“شكرًا لكما… أشعر بالامتنان لأنكما صدقتما القصة.”
ضحك ماركوس قليلًا وهز رأسه:
“لا حاجة للشكر.”
وأردف نوكس:
“بالضبط، لسنا بحاجة إلى أن نشكك في بعضنا البعض.”
في تلك اللحظة، قاطعنا كايرو قائلًا:
“لقد أخبرتهما لأنك قلت في المستودع أننا حراس، ومن واجبنا أن نُعلم الآخرين بما يجري… لذا أخبرتهم.”
ضحكت قليلًا وقلت مازحًا:
“هاهاها، لم أظن أنك ستأخذ كلامي على محمل الجد… إذاً، هل أخبرت الجميع بما حصل؟”
أومأ برأسه وأجاب:
“نعم، أخبرتهم جميعًا… لوكسيان، تيروس، وزايروس سخروا قليلًا مما قلته، لكنهم رغم ذلك صدقوني. أما كالستير… فلم يقتنع تمامًا. أما سيريون… لم يُظهر أي اهتمام.”
ابتسمت وأنا أقول:
“حسنًا… إنها نتيجة لا بأس بها، على الأقل لم نُتهم بالجنون.”
نظرت إلى الساعة التي في نهاية الممر، كانت تقترب من الرابعة.
“على أية حال، لقد شارفت الساعة على أن تصبح الرابعة… لنذهب ونبحث عن النبيل فاليس. حان وقت إخباره بما حدث.”
أومأ كايرو موافقًا، ثم التفتنا إلى ماركوس ونوكس وودعناهما.
لم يقولوا سوى كلمات مشجعة قصيرة قبل أن نبتعد عنهم.
وهكذا… بدأنا السير سويًا، نخطو بثبات نحو لحظة أخرى من الحقيقة.
التعليقات لهذا الفصل " 82"