غادرنا أنا وكايرو غرفة الحراس معًا، خطواتنا تتردد بهدوء في ممر الطابق الأول الذي يكسوه سكونٌ غامض.
بينما نمشي، التفت إليّ كايرو بنظرة متسائلة وقال:
“إذاً… مَن يجب أن نخبره بما حدث البارحة؟”
وقفتُ للحظة أفكر، أتمعّن في الموقف، ثم أجبت:
“لنخبر صاحب العمل، فهو المسؤول عن كل ما يجري هنا.”
أومأ برأسه، ثم سأل بقلق:
“هل تعرف أين نجده الآن؟”
قلت له:
“أظن أنه في هذا الطابق، لأن مناوبته تبدأ في النهار، ربما يكون في مكان قريب.”
أضفت وأنا أنظر حولنا باحثًا:
“دعنا نبحث عنه فورًا.”
تنهد كايرو وقال مترددًا:
“وماذا لو لم يصدقنا؟”
أجبته وأنا أحاول تهدئته:
“لم نبلغه بعد، لنعطه فرصة أن يسمع ما حدث، وإن لم يصدقنا، سنتحرى سويًا عن الحل.”
بدأنا نتجول في أرجاء الطابق الأول، نمر بين الممرات والزوايا، حتى لمحنا صاحب العمل يقف في جانب الطابق الأيمن، يحرس المكان بعينين يقظتين، يتفقد الأوضاع بتأنٍ ومسؤولية.
اقتربنا منه، وقدّمنا له التحية.
ومن ثم قال:
“ما هو الأمر؟”
نظرت إلى كايرو مستجديًا دعمًا، ثم التفت مجددًا إليه وقلت:
“الليلة الماضية، حدث شيء غريب.”
تابعني بعيون مفتوحة متسائلة:
“ماذا حصل؟ أكمل.”
بدأت أسرد له القصة بكل تفاصيلها، كيف كنت أحرس الطابق الثاني كعادتي، ثم ما وقع من ظهور الدمية الغامضة وتصرفاتها المخيفة، وكيف اضطررنا لمواجهتها حتى غادرت المكان.
تحدثت عن كل لحظة، عن الخوف الذي دب في قلبي، وعدم الحركة التي أُجبِرنا عليها، والهدوء الذي أعقب العاصفة.
كان كايرو يقف بجانبي، يشهد على كل كلمة وكل تفصيل.
بعد أن أنهيت، نظر إليّ صاحب العمل بعينين تملؤهما الشك، وقال:
“هل تتوقع مني أن أصدق هذه القصة؟”
فقلت رغم ثقل الموقف:
“أعلم أن الأمر قد يبدو غير معقول، لكن هذه هي الحقيقة. وكايرو كان معي، هو شاهد على ما حدث.”
التفتُ إلى كايرو قائلاً:
“أليس كذلك، كايرو؟”
هز كايرو رأسه بتردد وقال بصوت خافت:
“نعم… إنه محق، أنا شاهد على كل شيء.”
صمت صاحب العمل للحظة، وعيناه تثاقلتا بالحيرة، ثم قال بصوت منخفض لكن حازم:
“هل هناك شاهد آخر شهد على ما حدث؟”
وقفتُ أفكر قليلاً، أرتب أفكاري وأحاول أن أستجمع كل ما أعرفه، ثم أجبت ببطء:
“الليلة الماضية، لم يكن هناك شاهد سوانا أنا وكايرو فقط… لكن، هناك شخص آخر حدث له أمر مشابه.”
توجهت بنظري نحو صاحب العمل، وأكملت قائلاً:
“إنها ابنة أخت النبيل فاليس، أخبرتني أن الدمية تستطيع أن تتحرك وتتحدث.”
صمت صاحب العمل مرة أخرى، ثم رفع حاجبيه وقال بتشكك:
“هل أنت متأكد أنك لم تتوهم؟”
قلتُ له بإصرار، صوتي يحمل يقينًا غير قابل للشك:
“أنا لم أتوهم، بكل تأكيد.”
تنهد صاحب العمل ببطء، وأكمل متسائلًا:
“حسنًا… لنفترض أن الدمية بالفعل تستطيع التكلم والتحرك، إذن لماذا لم تستخدما قدرتكما الفريدة؟ أو على الأقل، لماذا لم تصرخا طلبًا للمساعدة؟”
تركت الكلام يمر في رأسي…
قدرتي الخارقة… ليس وكأنني لم أفكر بالأمر.
لم أتجاهل استخدامها، ولكن مهارة سرعة الحركات البسيطة بلا فائدة، والاستجابة السريعة تُفعَّل فقط عند حافة الموت، أما التنفس المنعش، فقد فعل نفسه بشكل لا إرادي أثناء الموقف.
قلتُ لصاحب العمل بتردد:
“ليس لديّ ما أقوله…”
فقال صاحب العمل:
“إذاً، ماذا عنك يا كايرو؟ لماذا لم تستخدم قدرتك الفريدة؟”
تذكرتُ فجأة أن لكايرو قدرة فريدة أيضًا!
صحيح؟ لماذا لم يستخدمها؟
صمت كايرو للحظة، ثم أجاب مترددًا:
“لقد…”
نعم، لقد ماذا؟
ثم أكمل كايرو بصوت خافت، كما لو أنه يحاول تبرير نفسه:
“لقد… نسيت.”
…
ماذا؟
لقد… نسي؟
ظلّت تلك الكلمة تتردد في رأسي كصدى في ممرّ فارغ، كيف له أن ينسى استخدام قدرته في موقف كهذا؟ الأمر لا يُصدّق… أو بالأحرى، لا يُفسّر.
كنت على وشك أن أطرح هذا السؤال عليه، لكن صوت صاحب العمل قاطع أفكاري وهو يقول بنبرة حازمة:
“إذاً… لماذا لم تصرخا؟”
ترددت، فقد بدا السؤال بسيطًا في ظاهره، لكنه غاص عميقًا في قلب الموقف الذي عشنا لحظاته بتوتر لا يوصف.
قلت بتلعثم:
“ح… حسناً، لو أننا صرخنا… فربما كانت الدمية ستنهي أمرنا فورًا.”
رمقني صاحب العمل بنظرة متمعّنة، ثم تنهد طويلاً، وصمت للحظة وكأنه يغوص في تفكير عميق، ثم قال:
“حسنًا… سأفكر بالأمر، يمكنكما الذهاب الآن.”
أومأنا برأسينا، وودعناه باحترام، ثم بدأنا نبتعد عنه بخطى هادئة نحو نهاية الممر.
لكن خطوات كايرو لم تكن هادئة، إذ التفت إليّ فجأة، واقترب بانفعال وقال:
“أرأيت؟! لقد قلت لك أنه لن يصدقنا!”
نظرت إليه بنظرة ثابتة، ثم قلت:
“لقد قال صاحب العمل أنه سيفكر في الأمر، وهذا أفضل من أن يرفضه كليًا.”
تنهّد كايرو، وزفر أنفاسه بقوة وكأن شيئًا ما كان يثقل على صدره، ثم قال:
“إذاً… هل نخبر الآخرين أم لا؟”
أجبت بهدوء:
“لنترك الأمر كما هو. لقد أخبرنا صاحب العمل، وهذا يكفي في الوقت الحالي. فلننتظر ردّه.”
لم يقتنع كايرو تمامًا، بدا ذلك في عينيه، لكنه سأل مجددًا:
“ولكن… ماذا عن النبيل فاليس؟ هل نخبره بشأن الدمية؟”
أضاف وهو يحدّق بي:
“أنت رأيتها بنفسك، كانت تغادر من النافذة حتى اختفت تمامًا! لا يمكن تجاهل هذا!”
أجبته بنبرة أقرب إلى التبرير:
“الذنب ليس ذنبنا… الدمية غادرت من تلقاء نفسها.”
صمت كايرو للحظة، ثم قال بصوت منخفض، لكنه محمّل بالقلق:
“وماذا لو اتّهمنا النبيل فاليس بسرقتها؟”
رفعت حاجبيّ بدهشة، وقلت:
“نحن لم نسرقها، وحتى إن اتّهمنا، فليس لديه دليل واحد ضدنا.”
لكن كايرو قاطعني وهو يلوّح بيده وكأن الكلمات وحدها لا تكفي:
“أتظن أن الدليل هو المشكلة؟! نحن انتقلنا إلى عالم خيالي، عالم فيه قوى خارقة وأمور لا تُصدق. لا أحد سيبحث عنّا إن اختفينا! ألا تدرك ذلك؟!”
ثم أضاف، بصوت منخفض لكنه مرعوب:
“ماذا لو أرسل مغتالين ليغتالونا كنوع من الانتقام؟!”
شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.
مغتالين؟! لا، لا… لا يمكن.
حاولت تهدئة نفسي، كانت ضربات قلبي أسرع من المعتاد.
تحدثت إلى نفسي في صمت: من المستحيل أن يحدث ذلك، صحيح؟
هدأتُ قليلًا، ثم نظرت إلى كايرو وقلت بثبات:
“اهدأ، كايرو… نحن لم نرتكب أي خطأ، ولم نسرق شيئًا. وحتى لو ظن النبيل فاليس أننا فعلنا، هل تظن أنه سيُرسل مغتالين لأجل… دمية؟”
رد كايرو بسرعة، وكأن الفكرة كانت تخيفه حد الجنون:
“ماذا لو كانت ثمينة جدًا؟”
ابتسمت بسخرية، وقلت:
“كم تظن ثمنها؟ مئة ألف دولار؟ هاهاها…”
ثم هدأت قليلاً، وقلت بجدية:
“على أية حال، هناك أمر آخر. لماذا لم تستخدم قدرتك الفريدة ليلة البارحة؟ كنت معي حين ظهرت الدمية… لماذا لم تفعل شيئًا؟”
تردّد كايرو، ونظر إلى الأرض للحظة، ثم قال بصوت خافت:
“لقد قلت لك… لقد نسيت.”
تنهدت ببطء، أحسست بالخذلان، لكنني حاولت ألا أُظهر ذلك.
التعليقات لهذا الفصل " 81"