“ولِم لا؟ لماذا لا أعامل مَن هم أقل مني منزلة بتعالٍ؟ أنا أغنى منهم، وأجمل، وأعلى مكانة.”
قالتها وكأنها تنطق بحقائق كونية لا جدال فيها.
تنهّدت، وشعرت بثقلٍ في صدري، ثم قلت:
“أيتها الطفلة… الأمور لا تعمل بهذه الطريقة.”
أضفت بنبرة جادة:
“هل ستكونين سعيدة إن قام شخص أعلى منكِ مكانة بمعاملتك بنفس الغرور الذي تعاملين به الآخرين؟”
صمتت، لم تجب.
بل بدا على وجهها أنها لم تفكر في الأمر من قبل.
تابعت كلامي:
“معاملة الآخرين بتكبر واحتقار شيء سيء وخاطئ… هل أنتِ من الأشخاص السيئين؟”
صرخت فجأة:
“أنا لست شريرة!”
رفعت حاجبي وقلت:
“حقًا؟ إذًا لماذا تعاملين الآخرين بغرور؟ ألا تعلمين أن هذا شيء سيء؟”
قالت بعناد:
“ومَن قال لك أن هذا سيء؟! يجب على مَن يقابلونني أن يكونوا ممتنين لأنني تكرّمت وتحدثت معهم!”
رمقتها بدهشة.
كيف يمكن لطفلة بهذا العمر أن تفكر بتلك الطريقة؟
قلت بهدوء:
“لكن ذلك لا يغيّر الحقيقة. التكبر على الآخرين يبقى تصرفًا سيئًا.”
قالت بجدية طفولية:
“أنا فقط أُعاملهم حسب مكانتهم. ليس ذنبي أنهم أقل مني!”
هززت رأسي قليلاً وقلت:
“كما قلت، يجب أن نُعامل الجميع باحترام، حتى من هم دوننا مكانة. الاحترام لا يُشترى ولا يُفرض… بل يُمنح.”
نظرت إليّ نظرةً مشوشة، ثم قالت بتردد:
“أنت غريب… لماذا يجب عليّ احترامهم؟”
ابتسمت، ونظرت إلى عينيها وقلت:
“لأننا… كلنا بشر.”
أضفت بصوت خافت:
“ولأن كل إنسان، أيًّا كان، له كرامة ويستحق الاحترام… إلا بعض الاستثناءات القليلة، كما تعلمين.”
سكتت للحظات، ثم أدارت وجهها بعبوس واضح.
يبدو أنها لم تقتنع تمامًا، لكنها بدأت تفكر، وذلك يكفيني الآن.
تنهدت ثم ابتسمت مجددًا وسألتها:
“على أية حال… ما اسمكِ؟”
قالت وهي تعقد ذراعيها بتعالٍ:
“وما شأنك أنت باسمي؟”
كتمتُ أنفاسي للحظة، محاولاً ألا أغضب، وقلت بصوت هادئ:
“ألم نتحدث عن الأمر قبل قليل؟”
أدارت وجهها بتردد، ثم قالت بصوت خافت لكنه يحمل شيئًا من الغرور:
“ا…اسمي هو روشين. تذكره!”
ابتسمتُ وقلت لها بصدق:
“يا له من اسم جميل… يليق بطفلة مثلك.”
توردت وجنتاها خجلًا، وقالت بصوت أخفض:
“أليس كذلك؟ اسمي… جميل جدًا.”
هززت رأسي وأضفت:
“نعم، نعم. الأميرة الصغيرة تمتلك اسمًا جميلًا ومميزًا.”
ازدادت احمرارًا، وخفضت رأسها قليلاً ثم قالت:
“أنت فقط… تُكَبِّر الأمر.”
كبحت ضحكتي بصعوبة، فكانت تلك الطفلة رغم غرورها الواضح، تحمل براءة الطفولة الحقيقية خلف كلماتها المتعالية.
قلت بعدها بلطف:
“على أية حال، لماذا كنتِ واقفة أمام غرفة النبيل فاليس؟”
تبدلت ملامح وجهها فجأة إلى الجدّ، ثم صمتت للحظة طويلة.
كان الصمت طويلاً بما يكفي ليبدو أنه يخفي خلفه شيئًا أكثر من مجرد حرج عابر.
فقلت بلين:
“إن كان أمرًا لا ترغبين بالحديث عنه، فلا بأس. لستِ مضطرة للإجابة.”
ترددت، ثم همست بصوت منخفض بالكاد يُسمع:
“الأمر وما فيه… أنني خائفة.”
رفعت حاجبيّ في بإستغراب:
“خائفة؟ ممَ تخافين؟”
تنفست روشين بعمق وقالت:
“قبل أن نأتي إلى هذه القلعة، اشترى عمي دمية من مزاد نادر، كهدية لي. كنت سعيدة جدًا بها في البداية. كانت جميلة… شعرها أسود طويل، وعيناها حمراوان… بدت نادرة حقًا.”
صمتت للحظة، ثم تابعت بصوت متوتر:
“لكن في أحد الليالي، حين كنت نائمة، استيقظت على صوتٍ غريب… خطوات خفيفة، كأن أحدهم يمشي ببطء على الأرض الخشبية. خرجت من سريري لأتحقق… وتخيل ماذا رأيت؟”
حدّقت بعينيها في عينيّ، وأكملت:
“رأيت الدمية… كانت واقفة في منتصف الغرفة، بعيدة عن المكان الذي وضعتها فيه. وكانت تبتسم.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي، ليس من الخوف، بل من الذكريات.
الدمية مجددًا… رغم مغادرتها، ها هي أخبارها تتردد على لسان طفلة لم أعلم بوجودها إلا قبل دقائق.
قلت بصوت متوجس:
“هل تقصدين… الدمية التي وُضعت في المستودع؟”
نظرت إليّ بدهشة كبيرة وقالت:
“نعم! كيف عرفت؟!”
ترددت، ثم أجبتها بتأنٍ:
“أمم… لا تنصدمي، ولكن… تلك الدمية، كانت تستطيع التحرك والكلام.”
فتحت فمها بدهشة، ثم هزت رأسها بسرعة وقالت بفرحة مفاجئة:
“هذا ما كنت أريد قوله بالضبط!”
نظرت إليها متفاجئًا:
“أنتِ كنتِ تعلمين أنها تستطيع الكلام؟! لماذا لم تخبري النبيل فاليس؟”
أخفضت عينيها، وقالت بصوتٍ خافت:
“ليس وكأنني لم أحاول… فقط، هو لم يصدقني.”
أضافت بأسى:
“لكنه على الأقل وافق على وضعها في المستودع ليرضيني. لكنه لم يعتقد أنني كنت جادة. ظنني فقط… خائفة كباقي الأطفال.”
أكملت بصوت مكسور:
“لكنني لم أكن أتخيل. أنا متأكدة مما رأيت. وحتى بعد أن وُضعت في المستودع، ما زلت أشعر بأنها تراقبني… ما زالت تخيفني.”
شعرت بشيء من التعاطف معها.
الطفلة الصغيرة التي تتصنع الغرور ليست سوى غطاء هش لروح خائفة.
فقلت لها:
“حسنًا… هناك شيء قد يدهشك.”
نظرت إليّ بترقب، فأضفت:
“الدمية… لم تعد في القلعة.”
اتسعت عيناها دهشة:
“حقًا؟! كيف حصل ذلك؟ وكيف عرفت؟!”
تنهدتُ قليلاً وقلت:
“لقد حدثت بعض الأشياء الليلة الماضية، جعلت الدمية… تغادر.”
لم أكن مستعدًا لأن أخبرها بكل التفاصيل، فهناك أشياء لا تناسب طفلة في عمرها.
ولكن بدا أن كلامي قد أراحها، فابتسمت بارتياحٍ ظاهر، وإن ظلّ ظل القلق يلوح خلف تلك الابتسامة.
—
قالت وهي تلوّح بيدها الصغيرة:
“شكرًا لك أيها العم.”
عم؟! أنا؟!
حسناً…على الأقل لم تقل أنني عجوز هذه المرة.
أجبتها بلطف:
“عفوًا.”
تابعت هي، وقد بدت مترددة للحظة قبل أن تستدير:
“إذًا… سأغادر الآن. أراك لاحقًا.”
قلت لها وأنا أراقب خطواتها:
“نعم، إلى اللقاء.”
وغادرت صاعدةً إلى الطابق الثاني.
نظرتُ إليها وهي تختفي بين الدرجات، ثم ابتسمتُ ابتسامة هادئة.
رغم كل شيء، يبدو أن هذا العالم لا يزال يحتفظ ببعض البراءة.
تنفستُ بعمق، ثم توجهت إلى غرفة الحراس.
دفعتُ الباب ببطء، فوجدت كايرو مستيقظًا، جالسًا على كرسي، ينظر في النافذة.
اقتربت منه وقلت:
“كايرو، صباح الخير.”
ردّ عليّ بصوته الذي بدا مُتعَباً:
“صباح النور.”
قلت بعدها، بنبرة تحمل بعض التردد:
“إذًا… هل نذهب ونخبر الجميع بما حدث الليلة الماضية؟”
صمت لبرهة، كأنّه يسترجع ما جرى، ثم قال بتردد هو الآخر:
التعليقات لهذا الفصل " 80"