لا أعلم كم مرّ من الوقت…
هل مرت دقيقة؟ دقيقتان؟ ربما أكثر؟
أم أن الزمن نفسه قد قرر أن يتجمد، يسخر من قلقنا، ويُمدّد هذا العذاب بلا رحمة؟
كل ما كنت أعلمه أن جسدي قد بدأ يخذلني.
عينيّ تُثقلان، جفوني تحاول أن تُطبق رغماً عني.
النعاس يتسلل إليّ كعدو صامت، والتعب يتغلغل في عضلاتي كما لو كنت أركض منذ أيام بلا توقف.
لكني قاومت.
نعم، قاومت.
كيف لا، وأنا أعلم أن أي غفلة، أي حركة بسيطة… تعني الخسارة.
تعني أن تنتهي هذه اللعبة… بنهاية لا أرغب حتى بتخيلها.
بدأت أعد في داخلي، محاولة يائسة للسيطرة على نفسي، على الوقت، على كل شيء.
واحد… اثنان… ثلاثة… أربعة… خمسة… ستة… سبعة… ثمانية… تسعة-
وفجأة-
“تررررررررننن”
دوّى الصوت في الغرفة كالصاعقة.
كان صوتًا مألوفًا… صوت الدمية.
تجمد قلبي للحظة.
هل… هل انتهت اللعبة؟
هل يعني هذا أننا نجونا؟
هل فعلًا عبرنا الخطر؟
ترددت أنفاسي، متوجسًا مما ستقوله، إلى أن جاء صوتها الطفولي المألوف، وقد امتزج بنغمة عبثية:
“هيهيهي… لقد إنتهت اللعبة.”
ثم أضافت، بصوت أقل غرابة وأكثر وضوحًا:
“تستطيعون التحرك والكلام الآن.”
لثوانٍ، لم أصدق ما سمعته.
هل… هل أنا في حلم؟
هل انتهى هذا الكابوس حقًا؟
هل نحن… أحرار؟
نهضت ببطء، مترددًا، كمن يختبر الأرض من جديد.
تحركت أطرافي الثقيلة كأنها لم تنتمِ إليّ.
رفعت ذراعي، حركتهما… نعم، أستطيع التحرك.
أخيراً.
زفرت بقوة وأنا أتحرر من سجن الصمت والجُمود.
آه، كم كانت تلك الدقائق قاتلة.
جلست طويلًا دون أن أتحرك، والآن كل جزء من جسدي يصرخ بالتعب.
مددت ظهري، سمعت صوت طقطقة خفيفة من بين أضلعي.
لم أكن أعلم أن مجرد التمدد يمكن أن يكون شعورًا مريحًا إلى هذا الحد.
نظرت إلى كايرو، فوجدته يفعل الشيء ذاته.
كان وجهه شاحبًا قليلًا، لكنه تنفّس براحة كما فعلت.
تحرّرنا… أخيرًا.
نظرت نحو الظلام، حيث لا أزال أجهل مكان الدمية بالضبط، لكنني كنت أعرف أنها تراقبنا… دائمًا تراقبنا.
ترددت لوهلة، ثم سألت بصوت خافت قليلاً:
“أمم… عذرًا، لكن… هل هذا يعني أننا فزنا؟”
لم يأتِ الرد مباشرة.
مرّت ثوانٍ كأنها دهر، قبل أن ينبثق صوتها:
“نعم، لقد فزتما… وأنا خسرت.”
أحسست بتيار دافئ يسري في عروقي.
كلماتها لم تكن مجرد إعلان، بل تأكيد على أن ما عشناه للتو لم يكن مجرد تجربة مؤقتة.
لقد فزنا حقاً.
لا، ليست أوهامًا من عقلي المرهق.
ليست رغبة في الانتصار تُقنعني بما لا يحدث.
نحن فزنا… حقاً.
وشعرت حينها أن الهواء من حولي أصبح أخف، وأن السواد في الغرفة لم يعد يُرعبني كما كان قبل دقائق.
لكن رغم الفرح… لم أستطع أن أتجاهل صوتًا صغيرًا في عقلي، يسألني:
هل هذا هو كل شيء؟
هل انتهت اللعبة فعلاً… أم أن هناك جولة أخرى؟
وماذا بعد “الفوز”؟
لكن، في تلك اللحظة… لم أردّ على ذلك الصوت.
كل ما أردته هو أن أستمتع بلحظة الهدوء.
بلحظة النجاة.
ولو لثوانٍ قليلة.
—
كنا قد بدأنا نستوعب حقيقة ما حدث… لقد فزنا.
الدمية أكدت ذلك بنفسها.
كنا نلهث من الإرهاق، نتمدد ونتنفس أخيرًا كمن خرج للتو من قبرٍ ضيّق.
لكن، كما يبدو… النهاية لم تكن تمامًا كما توقعنا.
في وسط هدوئنا المؤقت، دوّى صوتها مجددًا – ذاك الصوت الطفولي الرتيب الذي بات يحمل خلف نبراته شيئًا لا يمكن تفسيره:
“حسناً… صحيح أنني خسرت، ولكن اللعبة كانت ممتعة. لقد استمتعت حقاً.”
تلك الكلمات البسيطة، الملقاة ببراءة مصطنعة، جعلت جسدي يقشعر من جديد.
نظرت نحو الظلمة، حاولت أن أحدد مكانها وسط العتمة، دون جدوى.
ما الممتع؟
ما المثير في لعبة من الصمت؟
هل استمتعت وهي تراقب وجوهنا المرتجفة؟ أجسادنا المتخشبة؟ أنفاسنا المكبوتة؟
هل الخوف… كان متعتها؟
يا لغرابة هذه الدمية…
تابعت، بصوتها الذي بدا وكأنه يبتسم:
“أتمنى لو أستطيع أن ألعب معكما أكثر… ولكن، يجب عليّ الذهاب… ومغادرة هذا المكان.”
شعرت بالارتباك.
كلماتها تلك… ما الذي تعنيه بالضبط؟
هي في هذا المستودع، أليس كذلك؟
والمستودع مِلكٌ للنبيل فاليس.
فمن الطبيعي أن تكون هي من ممتلكاته.
سألتها، بتردد ممزوج بالقلق:
“م-ما الذي تقصدينه؟
ألستِ ملكًا للنبيل فاليس… بما أنكِ موجودة في المستودع الخاص به؟”
جاء ردها، فجأة، بصوت تغيّر في نبرته، حتى شعرت بقشعريرة تتسلل من عنقي إلى ظهري:
“أنا؟!!”
توقفت لحظة، ثم أكملت ببطء، وبنبرة أكثر رعبًا، كأنها تهمس من جوف الظلام:
“أنا لست ملكاً لأي شخص.”
تجمدت أنفاسي.
تابعت:
“صحيح أنه اشتراني… ولكن ذلك لا يعني أنني أصبحت ملكاً له… ولا لابنة أخته.”
كان صوتها الآن مختلفًا تمامًا.
لم يكن مجرد صوت دمية تتكلم.
كان صوتًا يختبئ خلفه شيء… شيء ليس إنسانيًا، ولا يمكن تمييزه.
ساد الصمت للحظة.
حتى كايرو، الذي كان قد بدأ يتحرّك بهدوء، توقف وكأن شيئًا غير مرئي قيده في مكانه.
ثم، بصوت أقرب إلى التسلية العابثة، قالت:
“على أية حال… سأذهب الآن.
كان من الممتع اللعب معكما.
وفي المرة القادمة… أنا التي سأفوز.
هيهيهيهيهيهي…”
ثم، سمعنا صوت النافذة تُفتح ببطء.
أدار كايرو رأسه، واتبعت نظرته.
ضوء القمر تسلل إلى الداخل، خافتًا، باهتًا… لكنه كافٍ.
كافٍ لأرى الدمية.
كانت تقف عند حافة النافذة، صغيرة، غريبة، شعرها يتحرك مع الرياح.
وفي تلك اللحظة، هبّت رياحٌ قوية عبر النافذة المفتوحة.
اندفع الهواء إلى داخل الغرفة بعنف مفاجئ، غبارٌ تسلل إلى أعيننا، فاضطررت لإغلاق عيني بقوة لثلاث ثوانٍ.
ثلاث ثوانٍ فقط.
لكن حين فتحت عيني مجددًا-
لم تكن هناك.
الدمية اختفت.
النافذة ما تزال مفتوحة، والريح تهدر بخفة، لكن لا أثر لها.
كأنها لم تكن موجودة أصلًا.
كأن كل ما حدث… كان حلمًا ثقيلًا، مرعبًا.
نظرت إلى كايرو، فوجدته يحدّق نحو النافذة بصمت.
لا أحد منا قال شيئًا.
كنا نعلم، دون أن نُعبّر… أن ما رأيناه الليلة لن يكون النهاية.
بل بداية شيء… أكبر، وأغرب، وأكثر ظلمة.
…
تجمّدنا أنا وكايرو في أماكننا لعدّة ثوانٍ بعد اختفاء الدمية، وكأننا كنا ننتظر أن يحدث شيء آخر… شيء أخير يُكمل رعب هذه الليلة.
لكن، لم يحدث شيء.
النافذة بقيت مفتوحة، ينساب منها ضوء القمر الباهت ورياح الليل الباردة التي تعبث بأطراف شعرنا وثيابنا.
كان الهواء يحمل معه رائحة الغبار، والعتمة تُخفي زوايا الغرفة كأنها أفواه مفتوحة على المجهول.
أخذت نفسًا عميقًا… ثم تحركت ببطء.
نظرت إلى موضع الباب ومكان كايرو، ثم اتجهت أولًا إلى النافذة وأغلقتها بهدوء، وأنا لا أزال أسمع دقات قلبي في أذنيّ.
ثم سرت عبر الظلام إلى حيث يقف كايرو، الذي بدا لي كتمثال من الخوف.
وقف هناك بصمت، عيناه مدهوشتان، كأن روحه لم تعد قد عادت بالكامل من فزعها.
وقفت أمامه وسألته، بصوتٍ خافت حذر:
“كايرو… هل أنت بخير؟”
لم يجب على الفور، بل أدار وجهه إليّ ببطء.
كانت ملامحه متصلّبة، وذراعاه متشنجتان، لكنّ صوته أخيرًا خرج:
“ن… نعم، أنا بخير.”
لكنني كنت أعلم أنه ليس كذلك.
كان صوته يفضحه، والعَرَق الذي يبلل جبينه، ونظراته الزائغة التي تبحث عن معنى في هذا اللا معنى.
ثم قال، وهو يحاول أن يبدو ثابتًا:
“أنا لم أكن متوقعًا… أن يكون كلامك حقيقي.”
نظرت إليه باستغراب، فتابع، كمن يعترف بندمٍ متأخر:
“عندما جئت إليّ… وقلت إن هناك دمية متحركة… لم أصدقك.
في الحقيقة، أنا سخرت منك.”
توقف لحظة، ثم أشاح بنظره خجلًا، وأكمل:
“لكن اتضح… أنك كنت محقًا.”
صمَت برهة، ثم قال:
“أنا آسف… لأني لم أصدقك منذ البداية.”
وضعت يدي على كتفه وابتسمت بخفوت:
“لا، لا… لا تحتاج للاعتذار يا كايرو.
أيّ شخص في مكانك لم يكن ليصدق بسهولة.
حتى أنا… لو لم أرَ ما رأيته بعيني، لما صدقت.”
أطرقت للحظة، ثم قلت:
“هيا، لنخرج الآن ونكمل مناوبتنا… ونُخبر الآخرين بما حدث لنا، صباحًا.”
لكن كايرو عقد حاجبيه وقال، بنبرة مترددة:
“ما الذي تقوله؟ أتظن حقًا أنهم سيصدقوننا؟”
نظرت إليه بدهشة:
“نعم… ولمَ لا؟”
أجابني، وكأنّه يُذكّرني بشيء بديهي:
“من المستحيل أن يصدقونا.”
قلت باستغراب أكبر:
“ولكننا شهِدنا ما فعلته الدمية! من واجبنا كحراس أن نُبلغ الآخرين بأي أمر غريب قد حدث في هذا المكان. هذه مهمتنا، أليس كذلك؟”
تنهد كايرو، بانفعال خافت:
“لكن… ماذا لو ظنوا أننا نكذب؟ ماذا لو قالوا أننا نصنع مسرحية لإثارة الانتباه؟”
هززت رأسي، وأجبت بهدوء:
“هذا لا يهم. نحن نعرف الحقيقة.
وما فعلته الدمية ليس شيئًا يمكن تجاهله أو السكوت عنه.
إن لم يصدقونا، فليكن… لكننا على الأقل أدينا واجبنا.”
تنهد كايرو مرة أخرى، ثم قال باستسلام:
“حسنًا، حسنًا… سنُخبرهم في الصباح.
هيا، فلنغادر الآن.”
تحرّك نحو الباب بخطواتٍ حذرة، ثم مد يده إلى المقبض…
ودون أي مقاومة، فُتح الباب.
نظرت إليه بدهشة، وأنا أسترجع محاولاتنا السابقة لفتحه عندما كنا محبوسين هنا مع الدمية.
في كل مرة كنا نحاول فتحه، كان كأن شيئًا غير مرئي يغلقه بإحكام.
ولكن الآن، بعد أن غادرت الدمية… انفتح بكل سهولة.
يا للعجب…
لحقت بكايرو وخرجنا سويًا إلى الردهة، التي كانت مظلمة بدورها.
أحسست بالهواء فيها مختلفًا… أخف، أقل وطأة.
وقبل أن أغلق الباب، توقفت للحظة، ثم نظرت نحو النافذة.
رأيت ضوء القمر ينساب منها ببرود، والستائر تتحرك بخفة.
لم تكن هناك دمية.
لم يكن هناك شيء.
فقط… الفراغ.
الدمية قد غادرت حقًا.
وقلت لنفسي، كأنني أختم لحظة مريرة:
نحن… لقد نجونا.
نجونا من لعبة الموت… بصمت.
التعليقات لهذا الفصل " 78"