هل فزنا؟
سألت نفسي بصمت، وهمست بهذا السؤال داخل رأسي، كأن الإجابة عليه علنًا قد تغيّر الواقع من حولي.
لكنني بقيت جامدًا في مكاني، لا أتفوه بكلمة، لا أسمح لعضلة واحدة أن تتحرك.
ليس خوفًا من الفرح المبكر، بل خشيةً من تلك الدمية… تلك الدمية التي تتصرف بطريقة غير متوقعة، حتى حين يبدو أننا انتصرنا.
لم أكن وحدي في هذا الجمود؛ كان كايرو كذلك، جالسًا بجانبي، يتنفس ببطء وكأنه يحاول أن يزن كل نسمة هواء تدخل صدره، لئلا تُفسر على أنها حركة تعني خسارتنا.
عيوننا لم تلتقِ، لكنني شعرت به تمامًا، كما لو أن بيننا خيطًا خفيًا من الصمت والتوتر، يجمعنا تحت حكم هذه اللعبة المجنونة.
وفجأة، اخترق صوت الدمية سكون أفكاري.
بصوتها الطفولي، الرتيب، الخالي من أي انفعال:
“امم… حسناً، لقد حصلتما على ثلاث نقاط، أما أنا فلي نقطتان.”
توقفت لبرهة قصيرة، ثم أضافت بنبرة لا تخلو من العبث:
“ياللخسارة… ولكن، لم تنتهِ اللعبة بعد.”
تجمد الهواء في رئتي.
ماذا؟ لم تنتهِ بعد؟
نظرت إلى الفراغ أمامي، وكأنني أبحث عن تفسير في الظلمة.
ما تقوله لا معنى له، لقد حُسمت الجولة، النقاط واضحة، فلماذا…؟
تابعت الدمية كلامها بهدوء مريب:
“ما زالت هناك خمس دقائق متبقية حتى نهاية اللعبة…وخلال هذه الخمس دقائق، تستمر القواعد كما هي: لا كلام، لا حركة، لا فعل لأي شيء.”
صمتت لحظة، ثم قالت بنغمة كأنها تُعلن بدء مراسم جنائزية:
“اوه… الدقيقة قد شارفت على الإنتهاء. إذاً… بعد خمس ثوانٍ، ستبدأ الخمس دقائق الأخيرة.”
وبدأت العد.
“واحد…”
(هل هذا حقيقي؟)
“اثنان…”
(هي لا تمزح)
“ثلاثة…”
(هي لا تخطط لخدعةٍ في هذه الدقائق الأخيرة؟ صحيح؟)
“أربعة…”
(خمس دقائق فقط… إنها مجرد خمس دقائق. يمكنني أن أتحمل.)
“خمسة…”
(لكن… أليس هذا تحديدًا ما تفعله كل القصص؟ أليس هذا هو الكليشيه الذي نراه مرارًا وتكرارًا؟)
شعرت بأن رأسي امتلأ بتساؤلات أكثر من قدرتي على تحملها.
في الأنميات، المانهوا، حتى في الأفلام، دائمًا ما يكون هناك شخص ينجو من العذاب كله، فقط ليموت في اللحظة الأخيرة.
كأن النهاية لا تكتمل إلا بصدمةٍ أخيرة، كأن الموت المتأخر هو الثمن الحقيقي للنجاة.
هل من الممكن أن…
(لا، هذا سخيف. هذه الحياة الواقعية، وليست مانهوا ولا مسلسل.)
لكن عقلي استمر في الدوران:
لماذا يموت الشخص في النهاية بعد أن نجا طوال الطريق؟
لماذا لا يموت في البداية فحسب؟
ما المنطق في أن ينجو من كل الفخاخ والمصائب، ثم يُقتل عند خط النهاية؟
هل يمكن أن يحدث ذلك لنا؟ لي… أو لكايرو؟
أردت أن أُقنع نفسي بالمنطق، بالعقل، بأن الموت في اللحظة الأخيرة لا معنى له.
لكن قلبي، في تلك اللحظة، لم يكن منطقيًا.
قلبي كان خائفًا.
كنت أشعر بأن شيئًا ما يتربص بهذه اللحظات الأخيرة…
بأن النهاية، رغم قربها، لا تزال تخفي مفاجأة.
وكان كل ما علينا فعله… هو الصمت.
الصمت المرهق… لخمسة دقائق فقط.
ولكن، هل ستكون هذه الخمس دقائق الأخيرة هادئة؟
أم ستكون كابوسًا أخيرًا قبل الاستيقاظ؟
…
وإذا تحدثنا… أو تحركنا… أو همسنا…
فهل هذا يعني أننا سنخسر، حتى بعد أن حصدنا ثلاث نقاط؟
هل يعني أننا سنُمحى تمامًا، كأن كل ما عانيناه سابقًا كان مجرد مقدمة لنهاية باردة؟
كانت تلك التساؤلات تنهمر داخل رأسي كالمطر، تطرق جدران عقلي بلا توقف.
كنت عاجزًا عن تجاهلها، عن إسكاتها… كأنها أشباحٌ صغيرة تتحرك في زوايا وعيي، تهمس لي بأفكار لا طائل منها سوى زيادة التوتر والشك.
لماذا؟
ترددت الكلمة في ذهني أكثر من مرة.
لماذا تفعل الدمية هذا بنا؟
ما غايتها من كل ما يحصل؟
هل أرادت منذ البداية أن تمارس علينا نوعًا من التعذيب الخفي، الذي لا يحتاج إلى سكاكين أو دماء؟
هل هي تتلذذ بمراقبة ارتجافنا الداخلي، ونحن نحاول البقاء بلا حركة أو صوت؟
أم أن الأمر أعمق من ذلك؟
هل هناك دافع… سبب خفي خلف عينيها الزجاجيتين؟
لكن، كيف يكون للدمى دوافع؟ كيف يكون لها قلب؟
حقيقةً… لا أعلم.
وذلك ما كان يقتلني ببطء.
الجهل…
هذا الشعور الذي لطالما اعتبرته مؤلمًا، مريرًا، خانقًا.
لكني اليوم، ولأول مرة، شعرت أن الجهل أحيانًا… راحة.
راحة من الحقيقة التي ربما لا أتحملها.
…فربما هذا الجهل، على قسوته، أرحم بكثير من المعرفة.
وفجأة—
“كروب!”
دوى صوت ارتطام شيء ما بالأرض في مكانٍ قريبٍ منا.
ارتجف قلبي بعنف، وكدت أصرخ، كدت أتحرك، كدت أفعل أي شيء ينفجر عبره الرعب المكبوت في داخلي.
بل، لأكون صادقًا مع نفسي، كدت أصاب بنوبة قلبية حقيقية.
شعرت بصوت قلبي يضرب أذنيّ من الداخل، كأنه يحاول الهروب من بين ضلوعي.
لكنني تمالكت نفسي… بصعوبةٍ بالغة.
تمسكت بكل ذرة من إرادتي، تشبثت بالصمت كمن يتمسك بحافة جرفٍ شاهق.
كايرو أيضًا…
سمعت أنفاسه المتسارعة بجانبي، تشبه أنين من يصارع الألم، أو يحاول أن يبقى واقفًا على قدمين من الخوف.
كان يُقاوم تمامًا كما كنت أفعل.
صامدًا في مكانه، رغم أن كل خلية في جسدنا كانت تصرخ طالبة النجاة.
أخذت نفسًا عميقًا، بطيئًا، حاولت أن أسترجع توازني.
أن أُبعد ذلك الصوت من ذهني، أو على الأقل أن أستوعبه.
لكن السؤال الآن:
ما هو ذلك الشيء الذي سقط؟
وكيف؟
ولماذا سقط الآن تحديدًا، في هذه اللحظة الحرجة؟
هل كان صدفة؟ أم أن الصدفة في هذا المكان أصبحت مجرد كذبة واهية؟
ثم خطر لي أمر آخر…
الدمية.
نظرت ناحيتها بعينيّ فقط، دون أن أحرّك رأسي.
كانت جالسة بجانبي كما هي…
جامدة…وهذا وحده أمر مخيف.
لكن، لا أعلم إن كانت تفاجأت بذلك الصوت أم لا.
بل، لا أعلم أصلًا إن كانت تملك مشاعر… أو قادرة على أن تُفاجأ!
لكن شيئًا بداخلي همس لي:
ربما كانت هي السبب.
ربما هي التي أسقطت ذلك الشيء، عمدًا أو دون عمد…
ولماذا لا؟
إن هذا تحديدًا ما تفعله الكائنات الغامضة في القصص، في المانهوات، في أفلام الرعب، أليس كذلك؟
حين يسقط شيء فجأة، أو يحدث صوت مفاجئ، غالبًا ما يكون الفاعل هو “ذلك الكائن”… ذلك الموجود الذي لا نعرف حجمه، ولا نواياه.
وفي عالمنا هذا…
ذاك “الكائن” ليس إلا الدمية لحد الآن.
الدمية التي لم ترفّ لها عين، ولم تتبدل ملامحها.
الدمية التي صنعت لنا عالمًا يختلط فيه الواقع بالوهم، الصمت باللعبة، والثواني بالخوف.
وهكذا مضت اللحظات…
ثقيلةً، متوترة، كأننا نمشي على خيطٍ رفيع فوق فوهة بركان.
وما زالت الخمس دقائق مستمرة…
وكل شيء قابل للحدوث.
كل شيء… دون استثناء.
التعليقات لهذا الفصل " 77"