جلست بسرعة كما اعتدت، مستعدًا للجمود الجديد الذي سيفرضه الصمت والظلام علينا.
ومع انتهاء العدّ، عمّ المكان سكون قاتل.
لم تنطق الدمية بشيء.
لا صوت ولا حركة.
فقط الثقل ذاته يعود ليجثم على جسدي، وعلى ظهري الذي بدأ يئن من التعب، وعلى مفاصلي التي تصرخ بصمت مع كل ثانية تمر.
ثلاثون دقيقة تقريبًا قضيتها على هذا الحال.
كأن الزمن في هذا المكان قد تحوّل إلى سائل كثيف، يتقطر ببطء فوق رأسي، يذيبني شيئًا فشيئًا.
لكنني تماسكت… مرغمًا.
ثم، كالمعتاد، جاء الصوت الذي كرهته من فرط تكراره:
“ترن…ترن…”
وتبعته الكلمات التي باتت أشبه بجزء من كابوس لا ينتهي:
“مَن هو الشخص الرابع…الذي سقطت عليه الحشرة؟”
انكمش قلبي لحظة، رغم يقيني أنني هذه المرة لم أشعر بأي شيء.
مرّت لحظات صمتٍ قصيرة، لكنها كانت كافية لتغمر عقلي بعدد لا يحصى من الاحتمالات.
ليس أنا… هذا مؤكد.
لم أَشعر بأي شيء هذه المرة.
لا زحف، لا لسعة، لا مقزّزات فوق جلدي.
إذاً، الاحتمالات محصورة…
إما كايرو… أو الدمية.
ولكن، هل يعقل أن…؟
وفجأة، جاء الجواب منها شخصيًا، وبنبرة مرحة كما لو أنها تكشف مفاجأة في حفل للأطفال:
“حسناً… أنا التي سقطت عليها الحشرة.”
ارتفع حاجباي بدهشة لم أستطع كتمها.
هل قالت الدمية إنها الضحية؟
فرصة… إنها فرصة ذهبية لا تتكرر.
للمرة الثانية، تكون الدمية هي المكلّفة بإضحاكنا نحن.
هذه المرة لن نُخطئ.
هذه المرة، لن يضحك أحد.
يجب أن نتماسك.
جاء صوتها مرة أخرى، يحمل نغمة خفيفة كمن يستعد لإلقاء عرضٍ صغير:
“إذاً… يبدو أنني يجب أن أُضحِك واحداً منكما.”
ثم تابعت:
“لماذا النملة لم تستطع عبور الباب؟”
توقّفت قليلًا، ثم أكملت بنبرة متحمسة:
“لأنها…كانت ترتدي كعباً.”
…
صمت.
هل هذا كل ما لديها؟
كتمتُ ابتسامة ساخرة كادت تلوح على شفتي.
النكتة لم تكن مضحكة على الإطلاق.
أقرب لأن تكون نكتة طفل صغير لم يفهم بعد كيف تُصاغ الجمل الهزلية.
هذا جيد…
إن استمرت على هذا النمط، فسوف تمر الجولة بسلام.
كنت على وشك أن أطمئن تمامًا، لكن صوتها تسلل إلى أفكاري مجددًا، مقاطعًا إياها كعادته:
“هممم… يبدو أن هذه النكتة لم تكن مضحكة…إذاً، ماذا عن هذه؟”
توقفت لحظة، وكأنها تمنح لكلماتها التالية وقعًا أكبر، ثم تابعت:
“لماذا اللاعب واحد واللاعب اثنين لا يضحكان؟”
ثم قالت بصوت يحمل نغمة خبيثة:
“لأنهما خائفان… وإذا لم يضحكا، فسوف يُعاقَبان.”
…
تجمّدت للحظة.
ما هذه الحيلة الرخيصة؟
هل تظن أن هذه النغمة سترعبنا مجددًا؟
هل تعتقد أننا سنقع في نفس الفخ مرتين؟
أي أحمق سيفعل ذلك بعد أن عرف أن تهديدها في الجولة الثانية كان محض “مزاح” كما ادّعت؟
ابتسمتُ داخليًا بثقة.
ليس هذه المرة.
لكن…
حدث ما لم أكن أتوقعه.
في قلب الصمت… وفي قمة التركيز… وسط الظلام والجمود والترقّب…
انبعث صوتٌ من الجهة الأخرى.
صوتٌ لم يكن يجب أن يُسمع.
ضحكة.
ضحكة حقيقية، واضحة، متقطعة…لكنها غير متوقعة.
“هوه… هوهوهوهوهوهوهو…”
شعرت أن الهواء في رئتي توقف عن الحركة.
كان صوت كايرو.
كايرو… ضحك!
…
ضحكة كايرو…
ذلك الصوت الذي اخترق الظلام كصفعة على وجهي، لم يكن له أي معنى سوى: الخسارة.
تجمّدتُ مكاني، لا لأني خائف، بل لأنني لم أصدّق ما سمعته.
ضحك؟!
كايرو… ضحك؟!
بدأت الكلمات تتردد في داخلي كأنها صدى انفجار لا يتوقف:
هذا الأحمق… هذا الغبي…
ضغطت على أسناني بقوة، وقلت في داخلي:
كيف له أن يفعل ذلك؟!
كيف له أن يضحك في لحظة كهذه؟!
لقد كانت فرصة ذهبية! نادرة! لا تُعوض!
نحن لا يُطلَب منا سوى الصمت، الثبات، اللاشيء…
وكانت الدمية تُلقي نكتة أشبه بخرقة مبللة عديمة الطرافة…
وكان بوسعنا الفوز… كنا على وشك أن نتقدّم، أن نحسم الجولة لصالحنا.
لكن…
ضحك.
لماذا؟!
هل ضحك بسبب الخوف؟
هل فقد السيطرة؟
أم — وهذا الأسوأ — هل وجد النكتة فعلاً… مضحكة؟
ما هذا العبث؟!
كانت هذه فرصتنا للفوز، وكنا نعلم أن أي زلة واحدة ستغيّر مجرى الجولة…
وقبل أن أغرق أكثر في سلسلة الشتائم التي بدأت تتكوّن في ذهني، قاطعتني الدمية بصوتها المعتاد — ذلك المزيج المثير للحنق من البراءة المزيّفة واللهو المسموم:
“رائع!”
قالتها بحماس مُفتعل، ثم تابعت:
“لقد ضَحِكتَ! وهكذا لقد حصلتُ على نقطة ثانية، مما يعني…أننا تعادلنا!”
شعرت بغصّة ترتفع إلى حلقي، بينما هي تابعت بكل وقاحة:
“إذاً…الجولة الخامسة والأخيرة، هي التي ستحدد الفائز.”
ثم بنبرة طفولية متشوّقة، قالت:
“أنا حقاً متشوقة لِما سيحدث!”
وأكملت، كعادتها ككل مرة:
“إذاً…بعد خمس ثوانٍ، ستبدأ الجولة الخامسة والأخيرة.”
ثم بدأت العدّ…
“واحد…”
(آغغغ…)
شهقتُ داخل رأسي، كأنّ كل ثانية تمرّ تُمزّق أعصابي تمزيقًا.
“اثنان…”
(لماذا؟ لماذا كان عليه أن يضحك؟!)
“ثلاثة…”
(ذلك الأحمق الـ#%#@%!…)
شعرتُ بحرارة تتجمّع في رأسي.
وجهي احمرّ من الغضب، قبضتا يديّ اشتدتا إلى درجة الألم.
“أربعة…”
(لو أنه فقط لم يضحك… لو تمالك نفسه! كنا سنفوز! كنا سننهي هذا العذاب الآن!)
كل ذرة في كياني كانت تصرخ.
كايرو، كايرو، كايرو…
لكن…
“خمسة…”
(مهلًا…)
توقفت أفكاري فجأة.
لحظة… لماذا؟ لماذا ألومه؟
لماذا أحمّله كل هذا الذنب؟
لماذا أشتمه داخل عقلي وكأنه خانني عمدًا؟
هل هو من وضع القواعد؟
هل هو من أحضر الحشرة؟
هل هو من صنع هذه اللعبة المريضة؟
لا…
الذنب ليس ذنبه.
إنه ذنب الدمية.
هي التي تسخر منا.
هي التي تلعب بعقولنا، تنسج خيوط التوتر داخلنا كما يشاء الأطفال بدُماهم.
هي التي دفعتنا نحو هذه الهاوية.
فجأة، أدركت كم كنت أحمق.
اللعبة جعلتني أنسى من هو العدو الحقيقي.
جعلتني أوجّه غضبي نحو كايرو، بدلًا من أن أُبقي عينيّ على من يستحق اللوم فعلًا: هذه الدمية السخيفة… الكاذبة… المتلاعبة.
تنفست بعمق قليلاً، شعرتُ بثقلٍ داخلي يسقط فوق قلبي.
أنا حقًا غبي.
همستُ بها داخل نفسي.
لقد خذلتُ نفسي، ليس لأنني خسرت الجولة، بل لأنني سمحت لنفسي بأن أنجرّ خلف مشاعر عابرة، وأحمّل صديقي — رفيقي الوحيد في هذا الجنون — مسؤولية شيء لم يكن بيده.
التعليقات لهذا الفصل " 75"