الفصل 8
2. الأشخاصُ الذينَ سَيكونونَ دائمًا بِجانبي
مرضت آريا ثلاثة أيّامٍ كاملة.
كانت محادثة أمّها وأخيها، ومشهد نوكتورن ومينيت، يُعاد في رأسها بلا توقّف.
هذا ليس وقت الاستلقاء.
إن اكتشف بادڤا أنّني استرقتُ السمع… مجرّد التفكير يجعل ظهري يقشعرّ.
يجب عليّ الخروج من القصر فورًا.
محاولة قتل الأميرة هي سمٌ مميتٌ لسمعة بادڤا الذي يطمح للعرش.
إن شعر أنّني أعرف شيئًا، لن يتركني أبدًا.
أخي حاول تسميمي مرّةً.
الثانية ستكون أكثر دقّةً وقسوةً بالتأكيد.
ربّما سأموتُ هذه المرّة.
إنَّ الوقتَ ضيقٌ.
لكنّ الحمّى شديدة.
هل ضعف جسدي إلى هذا الحدِّ بسبب الجري لفترةٍ قصيرةٍ؟
كأنّني أُلقيتُ في النار مجدّدًا، يغلي جسدي كلّه ولا أستطيع تحريك إصبع.
هل حصلَ هذا بسبب عدم تعافي جسدي، أم التوتر الشديدِ؟
من الصعبِ معرفةُ الحقيقة.
عندما غفت كمن فقدَ وعيه، حلمت بأحلام الماضي.
أحلامُ طفولةٍ سعيدةٍ جدًّا.
كانت تعلمُ أنّها في حلمٍ، لكنّها لا تريد الاستيقاظ.
لا تريدُ مواجهةَ واقعٍ خانها فيه عائلتها الحبيبة و صديقتها المقرّبة من صِغرها و خطيبها الذي وعدَها بالزواجِ.
نعم، هذا مستحيل.
هي أعظم قارئة أفكارٍ في التاريخ.
كيف تُخان أفضل قارئة مشاعر؟
هذا غير منطقيّ.
هذا ليس الواقع.
لرُبما أنا في كابوسٍ.
نعم نعم، بعد دفعي لقائد كامبياتا إلى حفرة النار، فقدتُ الوعي وأنا في كابوسٍ طويل!
نعم، عائلتي الثمينة، صديقتي، حبيبي آه كم أحبّوني.
من المستحيلِ أن يتخلوا عني!
تلك المشاعر كانت حقيقيّةً بالتأكيد.
كـرتبة S الوحيدة في الإمبراطوريّة لقراءة الأفكار، أضمن ذلك.
كلّ كلماتهم عن البقاءِ معًا إلى الأبد، عن الوقوف بجانبي مهما حدث، كانت صادقةً تمامًا.
فكيف يحاول كلٌّ من أمّي وأخي قتلي؟
كيف تخونني صديقتي المقرّبة مينيت مع خطيبي؟
هذا كلامٌ مضحك، أشعر بالذنب لأنني أحلم بكابوسٍ سخيفٍ كهذا!
حقًّا، سخيفٌ جدًّا……
سخيفٌ جدًّا……
لكنّها تعلم في أعماقها.
أنّ هذه القسوة هي الواقع.
قلوب الناس و مشاعرهُم كذلك.
حبّهم لآريا، وقوفهم بجانبها مهما حدث، كان صادقًا.
لكن شعورهم بعد أن أصبحت عديمة القوى، و اعتبروها شوكةً في العين و ألقوها كخردةٍ، صادقٌ أيضًا.
لقد أحبّوها حينها، و هم لا يحبّونها الآن.
ذلك كلّ شيء.
ربّما توقّعت آريا الأمر منذ زمنٍ بعيد.
منذ كانت صغيرةً جدًّا.
* * *
“لا أريد السماع……”
في الثالثة عصرًا، وقت الدراسة للطلّاب النموذجيّين.
الأميرة آريا، نموذج الطالبة المثاليّة، كانت متسخةً بالتراب متكوّرةً بين الشجيرات.
ترتجف يداها، تخفي أذنيها بقوّةٍ تجعل خدّيها محمّرين، لكنّ الصوت لا يتوقّف.
هذا طبيعيّ، فهو لا يصل للأذنين.
─ لقتل الأميرة، يجب ختم قدراتها أوّلًا. ثمّ تقييد الجسد، وببطء……
─ أنا خائف! هل تعرفين سرّي أيضًا؟
─ الإمبراطوريّة تربّي قنبلةً موقوتة. يجب وضع حلقة تحكّمٍ بالقوّة على الأميرة!
─ ربّما آريادن تقرأ أفكاري الآن……
─ موتي!
“لا أريد سماع……!”
في الحقيقة هذا كذب.
كانت تريد الاستمرار في السماع.
آريادن، إيشافين من الدرجة S، تقرأ مشاعر الناس دون قصد.
لكنّ قراءة أفكارٍ مخفيّةٍ بعيدةٍ تحتاج تركيزًا كبيرًا.
مع ذلك بذلت الجهد.
غاصت بإرادتها.
بسبب آريا التي بدأت تتداعى كجثّةٍ بعد ختم قدرتها، تخلّى والداها عن حلقة التحكّم بالقوّة.
بدلًا من ذلك، طالباها بأداء واجبات الأميرة.
منذئذٍ، استخدمت آريا قدراتها بحرّيّةٍ وانغمست في الدراسة.
مع قراءة الأفكار، كلّ شيءٍ سهل.
كانت تفهم نوايا المعلّم الخاص بدقّةٍ، وتفهم كلّ شيءٍ من مرّةٍ واحدة.
وفي بعض الأيّام، تكشف دون قصد أنّها تعرف المحتوى قبل التدريس.
حقّقت آريا إنجازاتٍ عاليةً في كلّ المجالات، مدحها الكبار وحسدها الأقران.
لم تبدُ صعوبةٌ لآريا الصغيرة التي تنجز المهام بسلاسة.
كانت أميرةً ذكيّةً، مرحةً، دائمة الابتسام.
‘الناس يحبّونني. وأنا أحبّ من يحبّونني!’
يا لها من حياةٍ مباركة، يا له من حبٍّ ثمين!
هل هناك من يتلقّى حبًّا كهذا؟
كانت آريا سعيدةً في طفولتها.
لكنّ مع نموّ آريا وفهمها للشرِّ البشريّ، بدأت تشقّقاتٌ تظهر في سعادتها.
‘الجميع يحبّني!’
أصدقاؤها الذين يمجّدونها، يفرحون سرًّا بإصابتها، ويتمنّون فشلها في كلّ حدثٍ كبير.
‘أخي فخورٌ بي.’
بادڤا الذي يفتخر بإنجازات أخته، لكنّه أسيرٌ للحسد.
‘شعب الإمبراطوريّة يقول إنّه يحبّني، ويفرح بسعادتي كأنّها سعادته.’
هم يحبّونها لكنّهم يخافونها.
يفرحون بسعادتها كسعادتهم، لكنّهم يشعرون بمتعةٍ أكبر في شقائها.
‘والداي، دائمًا يقلقان عليّ ويهديانني إلى الطريق الصحيح. و يمنحانني حبًّا لا حدود له.’
طفلةٌ تسيطر على البشر بالأفكار، قد يتضرر عقلها و ربّما تضرّ البشرية يومًا.
ربّما كان يجب عدم إنجابها.
كان حبًّا مُشبعًا بالقلق.
‘…في الحقيقة، لا أحد يحبّني.’
يحبّون آريا، لكنّهم يخافون قدراتها خارج المألوف.
الخوف شعورٌ يصعب تمييزه عن الكره.
لم تفهم آريا كيف للبشر أن يحبّوا ويكرهوا معًا.
لم تستطع قبول الازدواجيّة التي تمجّدها وتخطّط لقتلها سرًّا.
لا، في الحقيقة فهمت.
لأنّها الوحيدة في العالم ذات قدرةٍ عقلية من الدرجة S.
قرأت مخاوفهم، قلقهم، أفكارهم، وفهمتها كأنّها أفكارها.
لقد أدركت حقيقة أنّ لا أحد يرسل حبًّا صادقًا بقدر ما تمنحه.
قلوب الناس تحبّ آريا بطريقتها، لكنّها لن توازي حبّها أبدًا.
ربّما هي الشخصُ الغريبُ الذي يحبُّ دون قيدٍ أو شرطٍ، لذا قبلت ذلك في النهاية.
لهذا عانت آريا من وحدةٍ شديدةٍ في طفولتها.
“اهدئي، اهدئي، اهدئي، اهدئي.”
عندما يصعب التحمّل، تهرب آريا من الدروس وتختبئ في مكانٍ خالٍ.
ثمّ تقرأ أفكار الناس كأنّها تفرّغ سيطرتها.
في تلك اللحظات تنسى الواقع وتركّز.
دون قراءة أفكار الآخرين، يبقى قلب آريا فقط و تواجه ألمها ووحدتها كاملةً.
لذا استمرّت آريا في القراءة، الشعور، الغوص.
غارقةً في قراءة الأفكار دون سيطرة، كمدمنٍ على المخدرات.
إن نظرتُ أكثر، يومًا ما، شخصٌ واحدٌ على الأقل……
هل سأجدُ يومًا ما شخصًا يحبّني دونَ ذرةِ كراهية؟
لذا عندما وجدت رفيقَ روحها، قفز قلب آريا.
لكنّها لا تستطيع قراءة قلبه للتأكّد.
الإيشافين الأقوياء قد يلاحظون قراءة الأفكار.
لذا خطّطت.
ستقترب من نوكتورن ببطء، تذيب حذره، تحلّ مشكلاته.
حتّى الخائفون منها يرسلون حبًّا صادقًا عندما تكون مفيدةً.
لقد خطّطت لإظهار تعدّد مواهبها لنوكتورن.
هاه، سأجعلك لا تستطيع العيش بدوني.
“ماذا تفعلين هنا؟”
لذا كان اكتشاف نوكتورن لآريا المتكوّرة بين الشجيرات حادثًا محضًا.
كان هناك مثل ذلك اليوم.
يوم تقرأ فكرةً شريرة دون قصد، أو تتراكم مشاعر سلبيّة صغيرة فلا تتحمّل.
كان ذلك اليوم كذلك.
عادةً تختبئ في مكانٍ خالٍ، تفرّغ قدرتها، ثمّ تهدأ وتخرج كأنّ شيئًا لم يكن،و تمثّل دور الأميرة المثاليّة.
لكنّ نوكتورن رآها في تلك الحالة.
‘لم أُكتشف مرّةً واحدةً……’
شعرت آريا بالاختناق من اليأس.
ماذا أفعل.
سيخيب أمله بي. لقد بدوتُ غريبةً.
إنها إيشافين ذو قدرةٍ ذهنيّة غير مستقرّة، قد يراها مشكلةً وطنيّة.
يجب إظهار الكمال فقط للرفيق، الآن كلّ شيءٍ انتهى……
‘هل أمحو ذاكرته قليلًا؟’
حتّى عهدها بعدم استخدام القدرة للسيطرة على الآخرين بدأ يتلاشى في ذعرها.
عندئذٍ اقترب نوكتورن وجلس بجانبها.
حاولت آريا تصويب جسدها المتكوّر و التبرير بشيءٍ.
لكنّ نوكتورن استلقى بجانبها دون كلمة.
‘ها……’
أدركت آريا متأخّرةً.
لون مشاعر نوكتورن كان كالمعتاد.
أزرق نظيفٌ ودافئ.
لقد بقي بجانبها دون سؤال.
انتشر الأزرق الدافئ كصبغةٍ، فهدأ قلب آريا تدريجيًّا.
سمعت صوت حشراتٍ من مكانٍ ما.
أدركت آريا حينها أنّ الحشرات تصدح، وأنّ ملابسها فوضى من التدحرج على العشب.
نفضت التراب عن تنّورتها بخجلٍ طفيف.
ثمّ نظرت جانبًا لعدم وجود شيءٍ تفعله.
كان نوكتورن مستلقيًا، يداه تحت رأسه، عيناه مغمضتان بهدوء.
رغم صغر سنّه، ملامحه متناسقةٌ تجعلك تتخيّل جماله عند الكبر.
رموشٌ طويلةٌ ترفرف مع النسيم، شفتان مغلقتان أنيقةً تحت أنفٍ عالٍ.
أزرار قميص الزيّ مفكوكةٌ كالمعتاد.
مرّ نسيمٌ فبعثر شعره الأسود على جبهته المستقيمة.
أزاحت آريا شعرها الذهبيّ خلف أذنها.
نظرت إلى نوكتورن الهادئ كقطٍّ نائم، ثمّ فتحت فمها فجأةً.
“اسمع، نوكتورن. هل يمكنك إظهارها لي؟”
“…ماذا؟”
“نفسك.”
ارتجفت كتفاه.
لم يتوقّع نوكتورن اقتراحًا كهذا.
لم تتوقّع آريا نفسها قوله قبل دقائق.
لكن……
نظرت آريا إلى وجه نوكتورن الذي يدور عينيه السوداوين متوترًا، ثمّ قرّبت رأسها ببطء.
وهمست : “هل يمكنني النظر؟”
تردّد نوكتورن قليلًا، ثمّ أومأ برأسه.
* * *
فتحت عينيها فرأت سقف القصر الغربيّ المألوف بنمطه الشبكيّ.
رمشت آريا ببطءٍ وفكّرت.
آه، لقد استيقظتُ من الحلم.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"