الفصل 7
‘آه، هل كنتُ مخطئةً حقًّا؟’
نوكتورن لن يخونني مع مينيت أبدًا.
يبدو أنّني أصبحتُ أضعفُ لأنّني تأثّرتُ بمثل هذه الشائعات السخيفة المنتشرة بين الخدم.
لكنّ آريا لم تكد تشعر بالارتياح حتّى نهضت مينيت كالدمية المتأرجحة وتعلّقت بذراع نوكتورن.
عندما حاول نوكتورن التخلّص منها بوجهٍ متضايق، اقتربت من أذنه وهمست شيئًا.
“……”
مهما كان ما همست به، تصلّب وجه نوكتورن فجأةً.
جلست مينيت مجدّدًا على ركبته بابتسامةٍ، لكنّه لم يمنعها هذه المرّة.
وبينما بدأت يدها اللزجة تداعب خدّه، سألت آريا بصوتٍ مذهول: “ماذا تفعلان بالضبط؟”
عندئذٍ التفت الاثنان نحو آريا.
“آه، آري؟”
تردّدت مينيت قليلًا، كان خدّاها محمّران من تأثير الخمر.
بدت وكأنّها ستتظاهر بأنّ شيئًا لم يحدث، لكنّ ما فعلته بعد ذلك فاق الخيال.
رفعت مينيت جانب فمها فجأةً وأسندت رأسها على كتف نوكتورن دون تردّد.
“ألا ترين ماذا نفعل؟”
“هاه……”
“حسنًا، أنتِ لا تعرفين كيف تلاحظين الأمور؟ سأشرح لكِ بلطف. السير بيندريكس يستحق شريكةً أفضل منكِ. مثلًا، مثلي أنا.”
أدركتُ أنّ الوقاحة عندما تتجاوز الحدّ، لا تثير حتّى الضحك الساخر.
كانت مينيت تتجاهلني مؤخّرًا، لكنّني لم أتوقّع أن تتغيّر إلى هذا الحدّ.
صديقتي المقرّبة التي كنتُ أثق بها، كانت هكذا.
التفتت آريا نحو نوكتورن راجيةً أن يوقف تصرّف مينيت الوقح وينهي هذا الموقف المزعج.
لكنّها سرعان ما غمرتها الحيرة.
كان نظر نوكتورن إليها أكثر برودةً وحدّةً من نظرته إلى مينيت.
“نوكتورن؟ لماذا……”
فتحت فمها مذهولةً، فقام من مكانه.
تحرّك بسرعةٍ كبيرة، فتعثّرت مينيت المتعلّقة به.
لم تسقط سابقًا، لكنّها الآن سقطت بالتأكيد.
شدّت آريا نفسها دون وعي وهو يقترب بوجهٍ متصلب، متسائلةً عما سيقوله.
لكنّ نوكتورن مرّ بجانبها دون كلمة.
كأنّها لا تستحقّ حتّى الردّ.
‘نوكتورن يحبّني.’
كانت هذه الحقيقة الثابتة منذ لقائهما الأوّل.
كما تشرق الشمس من الشرق وتغرب في الغرب،
كما يجري الماء إلى الأسفل وترتفع الحرارة إلى الأعلى،
كان حبّه لها طبيعيًّا ومؤكّدًا مثل التنفسِ.
لذا لن تهتزّ آريا لمجرد برودٍ مفاجئ.
في الأحوال العاديّة، كانت ستفهم أنّ لبروده سببًا وتتجاوز الأمر.
ربّما كانت ستأخده إلى مكانٍ هادئ وتتحدث معه بهدوءٍ و يحلان سوء الفهم.
لو لم يكن الآن.
لو لم تكن قد قضت نصف عامٍ في غيبوبة بسبب جروح المعركة، مع حروقٍ مرعبةٍ على وجهها،
وتعرّضت لمحاولة تسميمٍ من عائلتها،
ورأت صديقتها المقرّبة في حضن خطّيبها للتوّ.
كانت آريا قد جاءت لطلب مساعدة نوكتورن، آخر أملٍ لها.
وهي أنسانةٌ أيضًا، فلا عجب أن يرتجف صوتها من القلق.
“قل شيئًا على الأقلّ!”
أمسكت آريا بذراع نوكتورن، كمن يتعلّق بحافّة الهاوية.
“لقد مرّ نصف عامٍ.”
“……”
“أنا هي خطيبتك التي استيقظت بعد نصف عامٍ، لماذا لا تنظر إليّ حتّى؟”
ارتجفت كتفاه قليلًا عند سماع ذلك.
ثمّ التفتَ إليها ببطءٍ شديد.
وفي اللحظة الأولى التي التقت فيها عيونهما،
شعرت آريا بأسوأ إحساسٍ خلال الشهر المؤلم.
“خطيبتي؟”
صوتٌ خالٍ من العاطفة بشكلٍ مذهل.
“أنتِ؟”
نظر إليها بعيونٍ جافّة كالمعدن، يفحصها من أعلى إلى أسفلكأنّه يعدّد عيوب جسدها كلّها، فاختنقت أنفاسها.
“سأوضح لكِ جيّدًا و لمرّةٍ واحدةٍ أنا لستُ خطيبكِ.”
“…لماذا تقول هذا.”
“سأطلب فسخ الخطبة رسميًّا قريبًا، فاعلمي ذلك.
يا صاحبة السموّ الإمبراطوريّة.”
حدّقت آريا فيه مذهولةً وهو يعود إلى بروده.
حتّى دخولها الغرفة، كانت تثق بنوكتورن.
رغم أنّه لم يزرها مرّةً في مرضها.
‘لعلّ له سببًا، ربّما تأخّر في علاج جروحه من الحادث.’
كرّرت ذلك في رأسها وقتها لتثق برفيقها الثمين.
“لماذا……”
لماذا يعاملني كغريبةٍ. لم يفعل ذلك حتّى في لقائنا الأوّل.
في تلك اللحظة، تذكّرت حديث الخدم الذي سمعته في الطريق.
-“ماذا نفعل، بعد أن أصبحت صاحبة السموّ هكذا. من الطبيعيّ أن يبرد قلبه.”
-“هل رأيتِ أذنها اليسرى؟ لو كنتُ رجلًا……”
“هل هذا بسبب ندوب الحروق؟”
توقّفي، لا تسألي يا آريادن الشخصُ الوحيد الذي سيتألم هو أنتِ.
“هل بسبب تشوّه وجهي من الحروق، أم لأنّني فقدتُ قدراتي؟”
كانت تعلم أنّها ستجرح فقط، لكنّها لا تستطيع التوقّف.
“لقد فقدتُ مكانة وريثة العرش، ولم أعد قادرةً على أداءِ دورِ شريكتك، فأنا الآن بلا فائدة؟”
تحطّم قلبها الذي صمد بالكاد عند سماع حديث أمّها وأخيها.
“قل السبب على الأقلّ. سأستسلم حينها.”
ربّما أمسك صراخها البائس بكاحله أخيرًا. توقّف نوكتورن فجأةً.
شعرت بأنّه التفت، لكنّ نظر آريا ظلّ مثبتًا على الأرض.
لم يكن لديها الشجاعة لمواجهة وجهه مجدّدًا.
نظر إليها من أعلى بهدوء، ثمّ فتح فمه.
“كلّ ما ذكرتِه هو السبب، بالضبط.”
رفعت رأسها تلقائيًّا، ففقدت الكلام.
كان في عيني نوكتورن اشمئزازٌ بارد.
“لا تظهري أمامي مجدّدًا.”
يصفون نوكتورن بأنّه لا ينزف قطرة دمٍ حتّى لو طعنته.
كانت تسخر دائمًا من ذلك لأنّ معاملته لها تجعل ذلك غير مفهوم، لكنّها فهمت الآن.
‘عندما تنظر إلى إنسانٍ بلا عاطفة، تكون عيناك هكذا.’
سمعتُ صوت تحطّمٍ في أذنيّ.
تعثّرت آريا فجأةً.
وفي اللحظة التي كادت تسقط فيها دون دفاع،
أمسك نوكتورن خصرها تلقائيًّا.
“آه……”
رفعت آريا نظرها إليه مذهولةً.
بدت في عينيه السوداوين لمحةٌ تشبه القلق للحظة.
لكنّها اختفت بمجرد رفّة جفن،
كأنّ ما رأته مجرّد وهمٍ من صنع رغبتها.
وكأنّ يثبت أنّه وهم، بقيت في عينيه البرودة فقط.
ما إن استعادت توازنها حتّى أسقط يده.
ابتعد بسرعةٍ، كأنّ ذلك مجرّد لطفٍ إنسانيّ أو غريزة فارس.
ثمّ عبس نوكتورن كأنّ شيئًا يزعجه.
تبعتُ نظره فرأيت الشمعدان الذي لا تزال تحمله بيدٍ مرتجفة.
انتزع الشمعدان من يدها بعنفٍ وأعطاه للخادمة القريبة.
“أوصلوا صاحبة السموّ إلى غرفتها.
يبدو أنّها تنوي إحراق القصر إن تركتموها هكذا.”
مرّ نظره بها عابرًا.
نظرةٌ غير مباليةٍ تقول إنّ وجودها مزعج.
كأنّ أميرةً فقدت قدراتها ولا تستطيع حمل جسدها،
مجرد عائقٍ عديم الفائدة.
غادر نوكتورن الغرفة تاركًا آريا، فهرعت الخادمات لمساعدتها.
“أنا بخير، أتركوني. أستطيع المشي وحدي.”
رفضت يد المساعدة، لكنّها سرعان ما انهارت على الأرض.
“صاحبة السموّ!”
لم تلاحظ آريا، لكنّ وجهها كان شاحبًا كمن سينهار.
غرق جسدها المرهق فجأةً في العرق، وأصبحت عيناها ضبابيّتين.
أمسكت بها الخادمات المذعورات بسرعة.
“نادوا الطبيب، الطبيب! احملن صاحبة السموّ إلى السرير فورًا……!”
“لا بأس، لا حاجة……”
ليس وقت الانهيار الآن.
عند إغلاق الباب السرّي في المكتبة، بدا أنّ بادڤا لاحظ شيئًا.
إن سُحبت إلى القصر الغربيّ هكذا، قد يفهم بادڤا الوضع ويفعل أيّ شيء.
حتّى لو فقدت كلّ شيء، فمن أجل كرامتها، أرادت آريا الوقوف وحدها.
لكنّ ساقيها لم تطعاها.
‘قبل نصف عامٍ فقط، لم يكن الأمر كذلك.’
ولا عجب، فهي في الثالثة والعشرين فقط.
كانت وريثة العرش الجريئة التي تواجه أعداءً لا يجرؤ أحدٌ على مواجهتهم.
كانت تؤمن أنّه مع حبيبها ورفاقها دائمي الوجود،
ستتغلّب على أيّ محنة.
كان حادثًا واحدًا.
بعده، أصبح الوقوف على قدميها عبئًا على آريا.
كلّ شيءٍ ثقيلٌ جدًّا……
أنا أشعرُ بالبؤسِ.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"