1 - 1 - الإنسان المجمد
– مرشدة العالم المنهار.
الفصل الأول، إنسان مُجمّد.
بيبيب― بيبيب―
تردد صوت ميكانيكي حاد ومزعج، اخترق هدوء نومها بشكل متكرر.
‘لكن… هل قمتُ بضبط هذا الصوت الميكانيكي كنغمة للمنبه؟’.
مدت “يي وون” يدها بشكل غريزي تبحث عن هاتفها الذي يصرخ بجانبها، لكن ما لامسته أطراف أصابعها لم يكن هاتفًا، بل جداراً باردًا وصلبًا. أثار هذا الملمس الغريب والبارد تساؤلاً طبيعياً في ذهنها.
‘ما هذا؟ هل أتحسس الجدار وأنا نائمة؟’.
لا، هذا خطأ. خشونة هذا السطح لا تشبه ورق الحائط الذي تعرفه في ذاكرتها.
وعلاوة على ذلك، كيف تمكنتُ من تحريك يدي أصلاً؟.
مع هذا الإدراك، بدأت حواس جسدها تستيقظ ببطء. شعور غريب بالطفو، وفقاعات هواء تداعب ما بين أصابعها بشكل غير منتظم. أدركت أن هناك خطبًا ما، فرفعت جفنيها الثقيلين بصعوبة.
حينها تأكدت؛ ما كانت تضع كفها عليه لم يكن جدارًا، بل كان زجاجًا. وبنقل بصرها ببطء لاستكشاف ما حولها… .
“……!”.
اقتحم إدراكها موقف مرعب: إنها داخل كبسولة ضخمة.
ويا للمفاجأة، الصوت الميكانيكي الذي ظنته منبه الهاتف لم يكن سوى صوت تحذيري تطلقه الكبسولة. وهي محبوسة بداخلها.
حبست “يي وون” أنفاسها لا إرادياً، وبدأت تفتش في ذاكرتها بسرعة بحثاً عن إجابة.
ما هذا؟ أتذكر بوضوح أنني نمت بعد أن صرت “إنساناً مجمداً”… … .
آه، هل يُعقل؟ هل أستيقظ الآن؟.
وكأنها تجيب على سؤالها، تردد صوت إرشاد صوتي يتخلله التشويش: [تم التحقق من موجات الدماغ. إنهاء سبات RUGSW1287.]
“إنهاء السبات”. هزت تلك الكلمة كيان “يي وون”. لقد نامت وهي تستمع إلى كذبة مليئة بالأمل بأنها ستستيقظ يومًا ما. يبدو أن… يبدو أنها لم تكن كذبة.
لقد استيقظتُ حقاً. لقد استيقظت!.
مع كل وميض للإضاءة المثبتة في كبسولة التجميد، كانت ذكريات الحزن والأمل تتناوب على مخيلتها ثم تختفي. إنه أمر لا يصدق، لكن يبدو أن المعجزات موجودة حقاً.
خفق قلبها بجنون من شدة التوقع والإثارة. من الذي أيقظني؟ هل تم أخيراً تطوير علاج لمرضي؟ هل أيقظوني لهذا السبب؟ملأت تساؤلات لا حصر لها رأسها المشوش.
كم مضى من الوقت منذ أن نمت؟ وإلى أي مدى تطورت الأرض؟ وأين أبي وأمي؟.
استجابةً لأسئلتها اللامتناهية، صدر صوت الإرشاد مجدداً: [وفقًا لبروتوكول WDS-12، سيتم تفريغ السائل من داخل الكبسولة.]
لم يكن الصوت الإرشادي، الذي يشبه تسجيلاً قديماً مشوشاً، ناعمًا بأي حال من الأحوال، لكنها لم تواجه مشكلة في فهمه.
سرعان ما بدأ الماء الذي كان يغمرها حتى قمة رأسها ينحسر إلى ما دون صدرها في لحظات، ومع صوت تحذير مدوٍ، فُتح باب الكبسولة ببطء.
نزعت “يي وون” جهاز التنفس المزعج بشكل غريزي واستنشقت الهواء بعمق. لم يكن لديها وقت للاستغراب من رائحة الغبار الرطب التي تسللت إلى الكبسولة.
تشعر بالبرد، ودوار جنوني، وغثيان كأنها تلقت ضربة في معدتها، لكنها… حية.
علاوة على ذلك، كانت ذراعاها وساقاها، وأصابع يديها وقدميها، كلها تتحرك بشكل صحيح. لم تصدق عينيها وهي تراقب حركة أطرافها.
فبعد تشخيص إصابتها بشلل كامل نتيجة تلف في المخيخ، كانت أطرافها التي لم تعد تتحرك كما تشاء، تتحرك الآن بشكل طبيعي دون بذل مجهود واعٍ.
الحقيقة الأكثر صدمة لم تكن خروجها من “تابوت الموت” المسمى كبسولة التجميد، بل تحررها من سجن جسدها الذي كان مقدرًا لها أن تعيش حبيسة فيه طوال حياتها.
تحت وطأة شعور جارف بالتحرر وفرحة تخنق الأنفاس، دفنت “يي وون” وجهها في كفيها وانفجرت بالبكاء. ملمس الجلد على وجنتيها، ارتعاش أصابعها… تأثرت بكل هذه التفاصيل البسيطة وشهقت بالبكاء بصوت عالٍ.
وهكذا، بقيت تنتظر يداً تمتد لتعتني بها. توقعت أن يهرع المسؤولون إليها، وربما يحيط بها فريق طبي مكثف.
‘بسرعة، أخرجوني من هذه الكبسولة…!’.
لكن، مهما طال انتظارها، لم يأتِ أحد لزيارتها.
صمت. لا يوجد سوى الصمت المطبق.
بدلاً من صوت دافئ يرحب بعودتها من السبات، كان البرد القارس والسكون المريب هما الشيء الوحيد الذي يلامس بشرتها مراراً وتكراراً.
حينها فقط، شعرت “يي وون” بشيء غير طبيعي.
بدأت تفكر في باب الكبسولة الذي فُتح بشكل ناقص، وفي الصوت الميكانيكي الذي انقطع فجأة.
تسلل سؤال بارد إلى ذهنها، وتوقفت دموعها المنهمرة فجأة.
لماذا لا يأتي أحد؟ لا يمكن أن يُترك شخص استيقظ للتو من السبات هكذا دون رعاية.
بدأت الأسئلة تطل برأسها واحداً تلو الآخر.
أليس من المفترض أن يأتي أحدهم ليسألني إن كنت بخير، أو إن كنت أشعر بالألم، أو كيف أشعر بعد هذا النوم الطويل؟ ثم، لماذا توقف باب الكبسولة عن الفتح؟ هل هو عطل ميكانيكي؟.
“كحة! المعذرة… أمن أحد هنا؟”.
حاولت تحريك حنجرتها المتحشرجة لمناداة أي شخص، لكنها نادت مراراً وتكراراً دون رد.
الآن لاحظت أيضاً عدم وجود جرس استدعاء الممرضات الذي يجب أن يكون موجوداً.
بعد تردد، نزعت “يي وون” اللاصقات والأنابيب والإبر المثبتة بجسدها، ثم دفعت الباب الزجاجي للكبسولة وخطت بقدمها إلى الخارج بحذر.
قد تتعرض للتوبيخ لإزالتها الأجهزة دون إذن، لكن البرد الذي يكاد يجمّدها والأسئلة التي تنهش رأسها كانت أهم.
أرادت أن تعرف ماذا يحدث. فبينما حالتها ليست في أفضل حال، يجب عليها على الأقل معرفة الظروف الخارجية لتتصرف بناءً عليها.
لهذا السبب، وبعد عدة محاولات فاشلة، دفعت باب كبسولة التجميد بالكامل وخرجت.
ما استقبل “يي وون” كان ظلاماً دامساً وفراغاً موحشاً. الضوء الباهت لعلامة الخروج الذي يومض بصعوبة كان يشير إلى وحشة وسكون غريبين.
بسبب غياب أي أثر للبشر، شعرت “يي وون” بغريزتها أن هناك مشكلة ما قد حدثت بالتأكيد.
هل وقع حادث؟ بما أن أطرافها تتحرك جيداً، فالعلاج قد اكتمل بالتأكيد… ولكن ما الذي يجري؟ هل كان من المفترض ألا أستيقظ بعد؟ هل أيقظني عطل ميكانيكي في الكبسولة؟.
حاولت “ييوون” تحريك لسانها المتصلب ونادت: “عذراً. هل هناك أحد؟”.
نادت عدة مرات هكذا، لكن الرد لم يأتِ. بعد شعور عابر بالإحباط، قررت التوقف عن محاولة مناداة أناس لا يأتون، وفكرت في الخروج من هنا والبحث عنهم.
ربما يهرع المسؤولون الذين أدركوا الموقف عبر كاميرات المراقبة الآن. لكن البقاء هكذا كان خانقاً جداً.
كما كان الجو بارداً جداً. أرادت أن تجد بطانية أو غطاءً لترتديه قبل الخروج.
أزاحت بقدمها أشياء مجهولة تعترض طريقها، وتحسست الجدار بيدها حتى وجدت ما يشبه المفتاح وضغطت عليه.
فجأة، غمر ضوء ساطع الغرفة بأكملها.
فركت “يي وون” عينيها من شدة الضوء الذي سلبها الرؤية للحظة، وبينما كانت تلتفت لتستطلع ما حولها دون تفكير، أطلقت صرخة مكتومة.
“هأ!”.
كانت هناك كبسولات سبات محطمة وبقايا عظام متناثرة هنا وهناك على الأرض.
تلك العظام التي تآكلت وصارت رمادية اللون وتحولت إلى قطع، كانت مختلطة ببعضها بشكل عشوائي لدرجة يصعب معها التفكير بأنها تخص بشراً… لكن الجماجم كانت تلمع بلون أبيض ناصع.
عندما رأت “يي وون” بقايا بشرية مؤكدة دون أي استعداد مسبق، ارتعدت من الخوف لدرجة أن أسنانها بدأت تصطك.
حولت بصرها بسرعة، لتجد أن معظم ما تراه كان آلات محطمة أو نفايات طبية. وفي إحدى الزوايا، تكون جبل ضخم من القمامة.
هذا المشهد المرعب جعل قشعريرة تسري في جسدها.
هناك خطأ ما، خطأ كبير جداً.
مع هذا الإدراك، وفي وسط ذلك المكان الذي كان صامتاً طوال الوقت، صدح فجأة صوت واضح يختلف تماماً في جودته عن صوت إرشاد الكبسولة.
[ظننتُ أن هناك خطأً في وظيفة التعرف على الصوت، لكن يبدو أن الأمر ليس كذلك.]
رفعت رأسها فجأة تجاه الصوت المنبعث من مكبر صوت غير مرئي، لتسمع تحية ترحيب غريبة لا تناسب الموقف.
[مرحباً بكِ في عالم اليقظة. لا، هل يجب أن أقدم لكِ التعازي بدلاً من الترحيب؟]
“تعازي؟ ماذا تقصدين؟ لا، قبل ذلك، من أنتِ؟”.
[يسعدني لقاؤكِ. أنا (جاي). إنسان رقمي في شبكة (الفلك).]
***
منذ أن استيقظت في ذلك المختبر الغريب المسمى “الفلك” أو شيء من هذا القبيل، مر أسبوع بالفعل.
في الأيام الثلاثة الأولى، لم تصدق ولو كلمة واحدة من ذلك الصوت المجهول الهوية الذي يدعي أنه إنسان رقمي أو ذكاء اصطناعي، ولكن بعد محادثات عديدة ومشاهدة مقاطع فيديو، بدأت “يي وون” تتقبل الواقع تدريجياً.
في الحقيقة، عندما تتجول في بناء ضخم وفارغ، لا يسعك إلا أن تلمس الواقع كما هو حتى لو أردت إنكاره.
الإنسان الحي الوحيد هنا هو هي فقط.
ما عداها، لا يوجد سوى أندرويدات مساعدة وبعض الروبوتات المنظفة التي تتحرك بأوامر من “جاي”، الإنسان الرقمي.
كان هذا المكان حرفياً قفراً من الفولاذ، لا تنبت فيه حتى ورقة شجر واحدة.
لم تكن منزعجة من هذه الحقيقة بحد ذاتها، فهي تعيش معتمدة على مساعدة هذه الآلات للحفاظ على حرارة جسدها وصحتها وتأمين احتياجاتها الأساسية.
وبالنظر إلى الرعاية المذهلة التي تلقتها في الأيام الماضية، والتي تشبه الرعاية التي يتلقاها طفل حديث الولادة، كان من المؤكد أنها بيئة لا يمكن للمرء أن يتذمر منها.
الرفاهية التي تتمتع بها من خلال الأندرويد متعدد الوظائف الذي يرافقها دائماً كانت مذهلة أيضاً.
لكن، رغم كل هذا، كان تقبل حقيقة “فناء كوكب الأرض” أمراً آخر تماماً.
هل قيل إن حروب البشر بعد الحرب النووية ستبدأ مجدداً بالفؤوس الحجرية؟ لقد سمعت هذا الادعاء كثيراً، لكنها لم تكن تتخيل أبداً أن هذا الوقت قد حان الآن.
هل يجب أن تعتبر من حسن الحظ أن سبب الدمار لم يكن حرباً نووية؟.
تأملت “يي وون” بقلب حزين مناظر الأرض التي التقطتها الأقمار الصناعية العسكرية. وسواء كان يشعر بقلبها أم لا، كان صوت “جاي” وهي تخبرها بوضع الأرض الحالي مفعماً بالحيوية والنشاط.
[عدد السكان اليوم هو 353,067,295. حوالي 350 مليوناً. لا يمكن رصد أي نشاط حيوي لـ 22,484,688 نسمة. بالنظر إلى وفاة 20 مليوناً في هذه الفترة الوجيزة، يبدو أن عدة ملاجئ أخرى قد انهارت.]
ملاحظة: جاي هو اسم مختصر لاسمها كإنسانة آلية ونعم تم صنع جاي كأنثى آلية وهي تتحدث باسلوب انثوي مع يي وون محاولة تخفيف العبء عنها ومرافقتها كاخت كبرى في بيئة غريبة.
Chapters
Comments
- 3 - 3 - صناعة عقار الإرشاد منذ ساعتين
- 2 - 2 - مذكرات الإنسان الرقمي منذ ساعتين
- 1 - 1 - الإنسان المجمد منذ 5 ساعات
- 0 - 0 - معلومات إضافية منذ 9 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 1"