بحكم التعريف، فإن الخادم المتمرّس هو من يلتزم بمبدأ عدم التدخل في حديث سادته، وكأن هذا المبدأ محفور في كيانه. وبالنسبة لشخص يشغل منصب كبير خدم عائلة مونتاغو، لم يكن المطلوب منه فقط ألّا يقاطع الأحاديث، بل أن يتقن فن الوجود وكأنه غير موجود أصلًا.
أولئك الخدم الذين، حتى وهم يشهدون حوارات سادتهم وضيوفهم، لا يرون ولا يسمعون شيئًا. لا يظهر وجودهم إلا حين تفرغ فناجين الشاي أو تنفد الحلويات.
كان ريتشارد سبنسر، الذي اعتاد التردد على قصر مونتاغو منذ طفولته، يعرف جيدًا مدى براعة كبير الخدم في التلاشي من المشهد. ولهذا، فإن تدخله في الحديث كان أمرًا لا يُصدق.
“ماذا تقصد؟”
سأل ريتشارد وهو يحوّل نظره من إدموند إلى كبير الخادم. أما إدموند بوفورت، فقد نظر إليه بدوره بدهشة مماثلة.
“من الواضح أن الفيكونت لوفلايس سرق الخاتم من الآنسة غريس غيرتون.”
كان هذا الكلام كالصاعقة. شعر إدموند وكأنه تلقى ضربة مباشرة.
لكل عائلة أسرارها المخفية خلف الواجهة، لكن إدموند لم يكن من النوع الذي يهتم بالتنقيب فيها. فمعرفة تلك الأمور لا تغيّر شيئًا، ولا تمنحه القدرة على إصلاحها. فلماذا يُصر الناس على نبش خصوصيات غيرهم؟
أحد أسرار شعبية إدموند بوفورت كان احترامه لما يرغب الآخرون في إخفائه. سواء كان الأمر صدرًا غير متناسق أو قدمًا بستة أصابع، إن لم يرغب أحد في كشفه، فهو ببساطة لا ينظر. فهناك دائمًا أشياء أجمل يمكن تأملها.
ومع ذلك، لماذا كان يجد نفسه دائمًا متورطًا في مثل هذه القصص؟ منذ أن التقى غريس غيرتون، وهو يجد نفسه مضطرًا للتعامل مع أسرار عائلات الآخرين.
وهذه المرة، كان الأمر سرقة داخل العائلة نفسها… وخاتم خطوبة ماري مونتاغو تحديدًا.
“أخبرني بكل ما تعرفه.”
قال ريتشارد بنبرة حازمة. ولم يكن كبير الخدم ممن يتفوهون بكلام بلا أساس، ولهذا ازداد وجه ريتشارد صلابة.
“منذ وصول الآنسة غيرتون إلى ليدون، كان الفيكونت لوفلايس يزور القصر مرارًا. وكانت السيدة مونتاغو ترفض مقابلته في كل مرة.”
“لماذا؟”
“بحسب ما سمعته، فإن الفيكونت أفلس مؤخرًا بسبب تورطه في فضيحة احتيال بالأسهم، وتراكمت عليه الديون.”
“إذًا جاء بحثًا عن غريس غيرتون؟”
“هذا ما كانت تشك به السيدة مونتاغو. أليس منطقيًا؟ فقد قطعت عائلة لوفلايس علاقتها بأنابيل غيرتون منذ زمن، ولم يكن لهم أي تواصل سابق مع الآنسة غريس.”
“ثم ماذا؟”
“قبل أيام، جاء الفيكونت مجددًا. وبما أن السيدة مونتاغو لم تكن موجودة، خرجت الآنسة غريس لمقابلته بنفسها.”
لم يطمئن قلب كبير الخدم حين علم أن غريس ستلتقي بالفيكونت وحدها. ورغم أنها رفضت اصطحاب مرافق، إلا أنه تبعها من بعيد.
الاختفاء دون أن يُلاحظ كان تخصصه. وهكذا، رأى ما جرى خارج القصر دون أن يشعر به أحد.
“طلب الفيكونت من الآنسة غريس مساعدة مالية، لكنها رفضت فورًا.”
“…إذًا كيف حصل على الخاتم؟”
تردد كبير الخدم. فليشرح، عليه أن يكشف ما حدث بين ريتشارد سبنسروغريس غيرتون في ذلك اليوم، أو بالأحرى، اتهامات ريتشارد الأحادية وإعلان غريس القطيعة.
“سيدي الشاب.”
نادى كبير الخدم ريتشارد بصوت متردد، ثم ألقى نظرة سريعة على إدموند، الذي كان يتظاهر بعدم الاكتراث، قبل أن يعيد نظره إلى ريتشارد.
كان يأمل أن يفهم ريتشارد الإشارة، وأن يطلب من إدموند المغادرة.
لكن ريتشاردسبنسر، الغافل عن هذه الإيحاءات، قال بصرامة
“تحدث الآن.”
تنهد كبير الخدم في داخله. حسنًا، ما سيحدث بعد ذلك سيكون على عاتق ريتشارد وحده.
“في ذلك اليوم…”
“أي يوم؟”
“اليوم الذي جئت فيه إلى القصر، وصادفت الآنسة غريس خارجًا.”
“…كيف عرفت بذلك؟”
شعر ريتشارد بإحراج حاد، بل بخزي حقيقي. لقد شهد كبير الخدم المشهد بأكمله، اللحظة التي قالت فيها غريس
“أتمنى ألا نلتقي مجددًا.”
ويا للمصيبة، كان الشاهد هو كبير خدم مونتاغو، شخص لا بد أن يراه مرارًا لاحقًا.
“كنت قلقًا على الآنسة غريس، فتتبعتها من بعيد. وكان ذلك لأن الفيكونت لوفلايس جاء في ذلك اليوم.”
“…الفيكونت لوفلايس؟”
إن كان أول شعور هو الإحراج، فالثاني كان اليأس. الرجل الذي كانت غريس تمسك بيده ذلك اليوم… كان الفيكونت لوفلايس؟
أراد ريتشارد أن يختفي. أن يعود إلى قصر سبنسر، ويختبئ تحت الغطاء، ويركل السرير غيظًا. كلمات سيباستيان المزعجة عادت ترن في أذنه
“لماذا لا تنتبه أكثر للآخرين؟”
والآن وقد فكّر بالأمر، لم يكن قد لاحظ ملامح الرجل أصلًا. لا عمره، ولا شكله، ولا أي شيء. كل ما أدركه أنه رجل، وفقد صوابه تمامًا.
من دون أن يعرف الحقيقة، اتهم غريس بإغواء الرجال بوجهها البريء. بل وتجاوز ذلك، وسألها إن كان هذا من عاداتها.
السبب الحقيقي لمجيئه اليوم إلى قصر مونتاغو كان الفضول. بعد أن عاد إلى وستمنستر دون أن يعرف من كان ذلك الرجل، كاد الجنون يفتك به.
وفوق ذلك، كان ينوي أن يُظهر سعة صدره لغريس، وأن يجعلها تتراجع عن كلامها بالقطيعة.
أقنع نفسه بأن ما حدث مجرد سوء فهم بريء، مجرد إمساك باليد لا أكثر، وقرر أن يسامحها رغم تردده.
“يبدو أن الفيكونت تشاجر مع الآنسة غريس وانتزع الخاتم منها بالقوة. ومنذ ذلك اليوم، لم يُرَ الخاتم في إصبعها.”
مع كل كلمة، ازداد وجه ريتشارد شحوبًا. بشرته، التي كانت عادة شاحبة كالرخام الروماني، فقدت حتى لون نمشها، وأصبحت بيضاء كالموت.
“أن يفكر حتى في عرض مسروق للبيع… لقد كدنا نقع في كارثة.”
قال إدموند وهو يتنحنح.
كان محض حظ أن يعثر على الخاتم أثناء فحصه لمقتنيات المزاد. لولا عينه الخبيرة في الأحجار الكريمة، لكانت عائلة بوفورت قد اتُهمت بالاتجار بالممتلكات المسروقة.
“في هذه الحالة، سأتقدم ببلاغ إلى شرطة العاصمة.”
نهض إدموند من مكانه. كان يشعر أن هناك ما هو أعمق مما قيل، لكنه لم يرغب في الغوص أكثر.
وبحجة التبليغ، استعد لمغادرة الغرفة الخانقة. فالخاتم أصبح الآن بيد ريتشارد، وسيعود بلا شك إلى صاحبته.
“بوفورت.”
“نعم؟”
وقبل أن يخطو خطوتين، أوقفه ريتشارد بصوته. كدب ضخم حُرم من حريته، توقف إدموند في مكانه.
“أجّل البلاغ. سأتولى أمر الفيكونت لوفلايس.”
ماذا؟
عند سماع ذلك، أنزل كل من إدموند وكبير الخدم رأسيهما، وكأنهما يدعوان بالرحمة لروح الفيكونت لوفلايس. فالسجن قد يكون أرحم مما ينتظره.
“حسنًا، سأتريث في تقديم البلاغ.”
مع أنه لا أحد يضمن أن الفيكونت سيبقى حيًا حتى ذلك الحين.
شكر إدموند في سره فلسفته الشخصية ،لا تهدر طاقتك على امرأة مرتبطة بغيرك. فقد أنقذته من التورط أكثر.
“ريتشارد، سأغادر الآن.”
“……”
“عندما تعود الآنسة غريس غيرتون، أرجو أن تسلمها اللوحة. وأخبرها أنني سأرسل طلبًا آخر قريبًا، وأنتظر ردها.”
وقبل أن يغادر، أضاف موجّهًا كلامه لكبير الخدم.
وفي تلك اللحظة، قال الأخير شيئًا أربك الاثنين معًا، وخصوصًا ريتشارد الذي لعن نفسه في داخله بسبب تهوره.
“الآنسة غريس غيرتون غادرت إلى غرينتبريدج.”
يتبع…
🦋——————–🦋
سبحان الله وبحمده 🍒 سبحان الله العظيم🍒 استغفر الله واتوب اليه 🍒
تمت الترجمة | الكتابة بواسطة لونا 🎀
*حسباتي على الواتباد ، هيزو مانغا ، نادي الروايات :luna_aj7
التعليقات لهذا الفصل " 87"