“ما يفسده العالم تصلحهُ سجدة مليئة بالحديث مع الله.”
※استمتعوا※ 🦋—————🦋
“المال… أقرضيني بعض المال يا غريس.”
قال الفيكونت لوفلايس وهو يمسك بيد غريس بقوة، كغريق يجرّ معها من يحاول إنقاذه. لم يُظهر أي نية لتركها قبل أن يحصل على الجواب الذي يريده.
“العقار على وشك أن يختفي تمامًا. هناك عاشت والدتك طفولتها، وهناك صنعت أجمل ذكرياتها مع والدك. ألا تشعرين بالحزن إن ضاع القصر والأرض إلى الأبد؟”
“……”
“أنا بحاجة إلى المال. كلما كان أكثر كان أفضل. أعدك أنني سأعيده. وإن أردتِ، سأكتب سندًا رسميًا وأوثّقه أيضًا…”
“أ …أنا لا أستطيع.”
“ماذا؟”
كان الفيكونت واثقًا منذ اللحظة التي رأى فيها غريس أنه سيتمكن من السيطرة عليها.
كانت تشبه أنابيل الساذجة والطيبة أكثر من اللازم، فظن أنها ستكون سهلة الانقياد مثلها تمامًا. وتلعثمها زاد من ثقته، وجعلها تبدو له فريسة سهلة.
لكنه لم يتوقع أن ترفض بهذه الحزم. رفضها حتى لمس يده جعله في حيرة وغضب.
“أ… أنا لا أملك مالًا. لِـ …لذلك لا أستطيع إقراضك.”
“إذن أقنعي اللورد مونتاغو. أليس من المفترض أن يكون والدك بالتبني؟”
“أ…أنا لا أستطيع فعل ذلك أيضًا. مـ …من فضلك لا تطلب مني مثل هذا.”
شدّ الفيكونت قبضته على يد غريس. كان الألم حادًا وضاغطًا، فعضّت على أسنانها. واستمر التوتر بينهما إلى أن قاطعهما صوت مألوف.
“ما الذي تظن نفسك تفعله؟”
دوّى الصوت بغضب في المكان. وفي اللحظة نفسها، أُفلتت يد غريس بقوة. تراجع الفيكونت مذعورًا إلى الخلف.
“من هذا الرجل، آنسة غيرتون؟”
ضمت غريس يدها الشاحبة المخدّرة ونظرت إلى الأعلى. كان يقف أمامها ريتشارد سبنسر، أطول وأشد هيبة من أي وقت مضى، يحدّق بها بنظرة حادة.
“سيباستيان.”
“نعم، سيدي الشاب؟”
ها نحن نعود من جديد. كم مرة حدث هذا الآن؟
كان سيباستيان في منتصف قراءة الوثائق الموكلة إليه، فاستدار بجذعه نحو ريتشاردسبنسر. بدا الإيرل الشاب وكأنه على وشك الكلام، لكنه سرعان ما أنزل نظره مجددًا إلى المكتب. كان هذا المشهد يتكرر منذ أيام.
“لا شيء… انسَ الأمر.”
“……”
قضى ريتشارد سبنسر الليلة كاملة إلى جانب ماري مونتاغو يوم وفاتها، ولم يعد إلى قصر سبنسر إلا في اليوم التالي. حين نزل من العربة، بدا وجهه خاليًا من التعبير، لكن سيباستيان، بخبرته الطويلة، رأى الحزن والألم محفورين بوضوح في ملامحه.
ولم يكن الحزن وحده ما لاحظه سيباستيان، بل شيئًا آخر معقدًا ومتشابكًا لم يستطع تفسيره.
لا بد أن له علاقة بغريس غيرتون. فلا أحد غيرها ترك هذا الأثر الواضح في ريتشاردسبنسر.
تظاهر سيباستيان بعدم الملاحظة، وحافظ على صمته كخادم متمرس. مر أكثر من شهر على جنازة ماري مونتاغو.
عادت كونتيسة سبنسر، التي حضرت إلى ليدون من أجل اجتماع العائلة، إلى فيلتها في باث. وغادر لانسلوتسبنسر إلى غاليا مع دوق شارلوت. وبقي ريتشارد سبنسر وحيدًا في قصر العائلة.
ومع مرور الوقت، بدأت خيوط الحزن والألم في قلبه ترتخي تدريجيًا، وبدأ نسيجها يتسع.
فالزمن يخفف الحزن مهما كان عميقًا، إذ يضرب بقوة ثم يضعف بسرعة. وكان حزن ريتشارد على ماري مونتاغو كذلك تمامًا.
في الأسبوع الأول بعد وفاتها، لم يأكل ولم يشرب ولم ينم. في الأسبوع الثاني، استطاع أن يشرب القليل. في الأسبوع الثالث، وتحت إلحاح سيباستيان، بدأ يتناول بعض الطعام. وفي النهاية، عاد إلى النوم.
ومع مرور شهر كامل، عاد ريتشارد إلى عاداته في الأكل والشرب والنوم. ورغم أن وخز الحزن كان يهاجمه أحيانًا، إلا أن حياته بدأت تعود إلى طبيعتها.
لكن الألم الباهت كان غريبًا. لم يكن حادًا ليُلاحظ، بل كان ثابتًا، يضغط بهدوء على الأعصاب دون أن يزول.
كان يأكل بلا طعم، ويشرب بلا ارتواء، وينام دون راحة. ومع الوقت، اتسع نطاق هذا الشعور، ولم يكن ممكنًا ألا يلاحظه سيباستيان.
لا بد أن هناك شيئًا ينخره من الداخل، مثل قطة قلقة لا تجد مكانًا تهدأ فيه.
قرر سيباستيان أنه إن ناداه ريتشارد مرة أخرى، فسيقلب الطاولة ويطالبه بتفسير كل شيء. ولم يمر وقت طويل حتى وقع ريتشاردسبنسر في الفخ الذي نصبه له.
“سيباستيان.”
“……”
وحين لم يرد، رفع ريتشارد حاجبه بحدة، ثم قال بصوت أعلى
“سيباستيان.”
من دون أن يرفع عينيه عن الأوراق، قال سيباستيان
“الأمر يتعلق بالآنسة غريس غيرتون، أليس كذلك؟”
ارتجف ريتشارد عند سماع الاسم.
بالطبع… كنت أعلم ذلك. عاد الأمر مجددًا.
نظر سيباستيان إليه من طرف عينه وتابع
“قلها فقط. بعد وفاة السيدة مونتاغو، كان لديك وقت كافٍ للحزن. ما الذي يجعلك تتصرف الآن كقطة قلقة؟”
لم يكن سيباستيان ليجرؤ على قول شيء كهذا من قبل. لو قاله في غرينتابريدج، لحدّق فيه ريتشارد بنظرة قاتلة.
لكن منذ عودته من باث، بدا ريتشارد وكأن شيئًا ما قد انفك في داخله. بعد وفاة السيدة مونتاغو، ازداد الأمر سوءًا.
أمام الناس كان يؤدي واجباته بلا خلل، لكن في الخفاء كان قلقًا، كقطة تبحث عن مكان تقضي فيه حاجتها ولا تجده.
“لقد ارتكبت خطأ صغيرًا جدًا مع غريس غيرتون.”
خطأ صغير جدًا؟ إذن لا بد أنه خطأ فادح.
كان ريتشارد سبنسر مثالًا حيًا لمن يرى القشة في عين غيره ولا يرى الخشبة في عينه.
“إن كان خطأً بسيطًا، أفلا يمكن للآنسة غيرتون أن تتغاضى عنه؟”
“…هذا صحيح.”
واصل ريتشارد سبنسر زيارة قصر مونتاغو حتى بعد جنازة السيدة مونتاغو. سواء لتصفية سوء الفهم مع أنطوني مونتاغو أو لإنهاء الأعمال التي تركتها الراحلة، كانت زياراته إلى تشيلسي ذات أهداف واضحة.
لكن كانت هناك أهداف أقل وضوحًا أيضًا. مثل أمله في أن يصادف غريس غيرتون ، ويعتذر لها عن فظاظته.
لكن لم تقع عيناه حتى على ظلها. كانت تتعمد تجنبه.
وفقًا لإحدى أوراق السير إسحاق عن خسائر الاحتيال في الأسهم، تخضع الأجسام لقوانين الحركة القصور الذاتي، والتسارع، وقانون الفعل ورد الفعل.
حب غريس غيرتون من طرف واحد لريتشاردسبنسر استمر في حركته بسبب القصور الذاتي، متجهًا في مسار واحد. فالحب غير المتبادل لا يواجه مقاومة، ولذلك لا يتوقف.
لكن المشاعر أصبحت متبادلة في وقت ما، حتى قبل أن يدرك ريتشارد ذلك بنفسه. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الحركة من طرف واحد.
وبحسب قانون الفعل ورد الفعل، فإن جسمين يؤثران في بعضهما بقوتين متساويتين ومتعاكستين.
إن ضربت جدارًا، ستتألم، لأن الجدار يرد عليك بقوة مساوية. أما إن ضربت ظلًا، فلن تشعر بشيء. فحب الظل لا يؤلم، لكن حب الواقع مؤلم.
لهذا انسحبت غريس غيرتون أعمق داخل كهفها. كانت مهارتها في الاختباء تفوق حتى محاولات فريا سبنسر المرتبكة خلف الستائر.
وبذلك، فقد الإيرل الشاب شريكته في رقصة الفعل ورد الفعل، وبقي وحده خاضعًا للقصور الذاتي، متجهًا نحو نقطة واحدة فقط.
وضع ريتشارد الريشة جانبًا ونهض واقفًا. تحركت قدماه وكأنهما تقادان بالقصور الذاتي، وكانت وجهته تشيلسي، مسرَّعة بعزيمته.
يتبع…
🦋——————–🦋
سبحان الله وبحمده 🍒 سبحان الله العظيم🍒 استغفر الله واتوب اليه 🍒
تمت الترجمة | الكتابة بواسطة لونا 🎀
*حسباتي على الواتباد ، هيزو مانغا ، نادي الروايات :luna_aj7
التعليقات لهذا الفصل " 82"