كانت ضيعة سبنسر في ويستمنستر تمتد على مساحة تقارب نصف مساحة أراضي القصر الملكي الذي تقيم فيه الملكة.
ومن بين المباني الستة الكبيرة والصغيرة، لم تكن عائلة سبنسر تستخدم فعليًا سوى المبنى الرئيسي والملحق الحديث الذي بُني لاحقًا.
كانوا يقضون معظم وقتهم في الملحق العصري، أما المبنى الرئيسي فلم تُفتح أبوابه إلا بضع مرات في السنة. وبعد اكتمال بناء الملحق، تحوّل المبنى القديم إلى مكان مخصص للمناسبات الرسمية فقط، مثل اجتماعات عائلة سبنسر أو حفلات الرقص خلال الموسم الاجتماعي. ذلك المبنى المهيب، المحمّل بآثار مئات السنين من التاريخ، كان يبدو لزوّاره كأنه متحف حي.
منذ الصباح الباكر، انشغلت الخادمات والخدم بالدخول والخروج من المبنى الرئيسي بأوامر من الكونتيسة سبنسر، استعدادًا لجدول اليوم. كان هذا هو يوم اجتماع العائلة.
استيقظ ريتشارد سبنسر باكرًا كعادته، تناول فطوره، شرب الشاي، وقرأ الجريدة. وعلى عكس الكونتيسة وفريا وبقية خدم القصر الذين كانوا متوترين بانتظار ما سيؤول إليه اجتماع اليوم، بدا ريتشارد هادئًا ومنفصلًا تمامًا.
أما سيباستيان، فكان قلقًا على غير عادته، يتنقل ذهابًا وإيابًا في غرفة ريتشارد، لكنه لم يجرؤ على قول كلمة واحدة. كان الأمر كما لو أن ريتشارد رسم حول نفسه حاجزًا غير مرئي، يعزله عمّن حوله، تمامًا كما كان يفعل عندما ينظر إلى تشيري هينتون ..
لم تكن هذه أول مرة يواجه فيها هجومًا كهذا. استفزازات الكونتيسة، الجدالات الحادة خلال اجتماعات العائلة، ثم تدخل السيدة ماريمونتاغو المتقن في كل أزمة.
لكن هذه المرة، لم تحضر السيدة مونتاغو. هل كان ذلك بسبب ضغينة ما تجاه ابن أخيها؟ حاول سيباستيان طرد هذه الأفكار المشؤومة، وبقي إلى جانب ريتشارد. وقبل ساعة من بدء الاجتماع، توجها معًا إلى المبنى الرئيسي.
وبغض النظر عن موضوع الاجتماع، كان ريتشارد لا يزال يمثل رأس العائلة. لذا كان عليه استقبال الضيوف القادمين.
وقف ريتشارد سبنسر شامخًا في بهو المبنى الرئيسي الهادئ. خلفه، علّقت لوحة ضخمة لمؤسس عائلة سبنسر، ريتشارد سبنسر الملقب بقلب الأسد، تغطي جدارًا كاملًا.
شَعر أحمر متوهج كأنه قادر على إحراق كل ما حوله، وعينان خضراوان حادتان لا تخمدان حتى وسط اللهب، وفك قوي، ونمش خفيف متناثر كلمسة إلهية على جسر أنفه، وبنية جسدية مهيبة تصلح لأي معركة. كانت هيبة المؤسس لا تقل عن إرثه.
ولو أُعيد تشكيل ريتشارد قطعةً قطعة على هيئة فسيفساء بأسلوب توركان، لكان نسخة مطابقة لذلك الجد. واقفًا تحت نظرة سلفه، حافظ الوريث الشاب على هدوئه وهو يرحب بالضيوف واحدًا تلو الآخر.
“الوريث الشاب سبنسر.”
جاءه الصوت من جهة المدخل المزدحم. وحين التفت، أخبره سيباستيان بهدوء أن المتحدث هو دوق شارلوت، والد إليانورديستريه.
“سيدي الدوق.”
حيّاه ريتشارد بهدوء. وكأن الرسائل السابقة المليئة بالتلميحات والتهديدات لم تحدث قط، تبادل الاثنان الابتسامات وكلمات المجاملة.
“كان يجدر بك أن تُعلمنا بزيارتك إلى إنغرينت مسبقًا. لكنا أعددنا استقبالًا لائقًا.”
“لم أرد أن أحمّلكم عناءً.”
“عناء؟ عائلة سبنسر لا تُهمل أصول الضيافة. وكذلك الأمر حين يتعلق بالشكر… أو بالرد.”
“مبدأ عائلة شارلوت هو تجنّب المبالغة في الرسميات.”
استمر الحوار بين الرجلين كأنه مبارزة ناعمة، تخفي الخناجر خلف وسائد من الكلمات. ثم فجأة، وكأنه تذكّر أمرًا ما، جذب دوق شارلوت الرجل الواقف إلى جانبه من ذراعه.
مرّ وقت طويل. لمَ لا تتبادلان التحية؟”
رفع الرجل نظره، والتقت عيناه بعيني ريتشارد.
“ريتشارد.”
ارتسمت ابتسامة باردة على شفتي ريتشارد، بينما لم يستطع لانسلوت أن يثبت نظره طويلًا.
قد تغيّر دقائق قليلة مصير أشياء كثيرة، وقد تصنع الأبد.
وُلد ريتشارد سبنسر ولانسلوت سبنسر توأمين، يفصل بين ولادتهما ثماني دقائق فقط. خلال تلك الدقائق، تغيّر التاريخ والفصل، وتحدد مصير كلٍ منهما.
وُلد ريتشارد في آخر يوم من شهر فبراير، في نهاية الشتاء. وكان ذلك العام كبيسًا، ما جعل الشتاء يمتد يومًا إضافيًا. ربما لهذا السبب، كان البرد يلازمه دائمًا، كأنه ظل لا يفارقه. طفل وُلد في الشتاء، عاش في الشتاء، وكان عليه أن يغلق الأبواب بإحكام ليتفادى البرد.
أما لانسلوت، فقد وُلد في أول يوم من مارس، ممسكًا بيد الربيع. انقضى الشتاء أخيرًا، وبدأ موسم جديد طال انتظاره. ربما لهذا السبب، كانت الشمس تشرق دائمًا فوق رأسه. وأحيانًا، كانت حرارتها حادة إلى حد يكاد يحرق الجلد. طفل وُلد في الربيع، عاش في الربيع، ينتظر دائمًا أن تُفتح الأبواب ليدخل النور.
بفارق ثماني دقائق فقط، أصبح ريتشارد الابن الأكبر لعائلة نبيلة عريقة، ومقدرًا له أن يرث لقب إيرل سبنسر، أقدم من العائلة المالكة نفسها وحامية للعرش.
وبالفارق نفسه، أصبح لانسلوت الابن الثاني، لا يرث اللقب، لكنه كان مقدرًا له أن يكون الأكثر حبًا والأغلى شأنًا.
كانت والدتهما، إيلين، من سلالة ستيوارت الملكية. بصفتها أميرة، خُطبت إلى جيمس سبنسر، الوريث الشاب آنذاك، وأقيم زواجهما في احتفال فخم.
لكن جيمس سبنسر، كزوج وكإيرل، أهمل كل واجباته. وعلى عكس بقية آل سبنسر، الذين جمعوا بين الغرور والإحساس بالمسؤولية، كان مختلفًا تمامًا.
هجر عائلته، واختار الإقامة مع مغنية أوبرا في قصر وورمليتون، المكان الذي كان يرتاده حتى قبل زواجه. ولم يكن يعود إلى ضيعة سبنسر في ليدون إلا عند انعقاد البرلمان أو في المناسبات الرسمية، وينام إلى جانب إيلين بدافع الواجب فقط.
حتى في أرض قاحلة، قد تولد حياة جديدة. لكن الكونتيسة لم تشعر بأي حب تجاه الطفلين اللذين أنجبتهما. لم تؤلمها صرخاتهما، ولم تفرح بضحكاتهما.
في ذلك العصر، كان يُنظر إلى الحب والإنجاب وتربية الأبناء كواجب مقدس على المرأة.
كان يُنتظر من المرأة أن تكون أمًا فاضلة.
والأم التي تفتقر إلى غريزة الأمومة كانت تُدان بلا رحمة. ولهذا، كثيرًا ما تعرضت إيلين سبنسر للانتقاد.
ومع خيانة زوجها، ثم الإرهاق النفسي والجسدي بعد الولادة، ازداد اضطرابها. كان بكاؤها يملأ أرجاء القصر، أعلى من بكاء طفليها.
في إحدى الليالي، ترنحت ودخلت غرفة التوأم. كانت ثملة، وقد أغرقت يأسها في الخمر. استيقظ الطفلان حين شعرا بوجود شخص تفوح منه رائحة الكحول. ورغم تشابههما، كان هناك فرق واحد بينهما لون العينين.
أحدهما بعينين خضراوين، سمة آل سبنسر. والآخر بعينين بلون العسل، ورثهما عن أمه.
دون تردد، حملت إيلين الطفل الذي يشبهها. تجاهلت العينين الخضراوين اللتين تشبهان زوجها. بالنسبة لها، لم يكن ذلك الأخضر لون الطبيعة، بل لون سمّ قاتل.
جميل كزمرد، لكنه مشبع بالزرنيخ، يقتل من يعيش بين جدرانه ببطء. كان زوجها كذلك في نظرها.
احتضنت الطفل ذي العينين العسليتين، وغادرت الغرفة دون أن تنظر خلفها إلى الطفل الآخر.
(م/م: لي راح تقراوه الان عن قابيل وهابيل هو من وجهة نظر ديانة المسيحية المحرفة لا تؤمنوا بها اعتبروها كثقافة عامة عنمعرفة الاديان السماوية ، فكوننا مسلمين نؤمن بوجود هاته الاظيان وهي تنتمي الى الاسلام العام لاكنها محرفة الا ديننا الاسلام الخاص هو دين الحق ، وتعلم عن هاته الاديان ومعرفة وجهة نظرهم دون الاقتداء بهم ليس محرم لذالك تركت القصة ، لانو من قبل كان في كثير اشياء في الرواية تنافي ديننا وانا حذفتها دون المساس بالقصة او تغيير محتواها ، ودون ما اخليكم تشعروا اصلا انني حذفت شيء هي بس افكار مغلوطة تمس بديننا )
في الكتاب المقدس، كان قابيل وهابيل أخوين. قدّم قابيل ثمار الأرض، وقدم هابيل أبكار قطيعه. قبل الله قربان هابيل ورفض قربان قابيل، دون تفسير واضح.
ثمار الأرض وأبكار القطيع… لم يكن في أيٍّ منهما خطأ.
عينان خضراوان كأوراق البرسيم، وعينان بلون العسل. لم يكن في أيٍّ منهما خطأ.
ثماني دقائق فقط، كانت كفيلة بتغيير كل شيء. وفي تلك الليلة، حين دخلت إيلين غرفة طفليها، حُسم مصيرهما خلال دقائق قليلة… دون أن يُسجَّل السبب في أي مكان.
يتبع…
🦋——————–🦋
سبحان الله وبحمده 🍒 سبحان الله العظيم🍒 استغفر الله واتوب اليه 🍒
تمت الترجمة | الكتابة بواسطة لونا 🎀
*حسباتي على الواتباد ، هيزو مانغا ، نادي الروايات :luna_aj7
التعليقات لهذا الفصل " 74"