“إن جدول الاجتماع هو سحب لقب ريتشارد سبنسر كوريثٍ شاب.”
ما إن خرجت الكلمات من فم فريا حتى شعر ريتشارد وكأن التوتر الذي كان يشد جسده قد تلاشى فجأة. انطلقت ضحكة قصيرة مكتومة من بين شفتيه المطبقتين.
بعد ذلك، لم ينطق ريتشارد سبنسر بكلمة واحدة. توقفت أصابعه التي كانت تنقر صدغه الأيسر بإيقاع ثابت.
كان قد استغرب صمت الكونتيسة. اعتزلت في فيلا باث، وكأنها غارقة في الشوق لابنها المنفصل عنها. لكنه أدرك الآن أنه استهان بإيلين ستيوارت، التي كانت يومًا أميرة إنغرينت، ثم أصبحت كونتيسة سبنسر.
باستخدام غريس غورتن وغيرها من الأمور التافهة كستار، كانت تحرّك خيوط هذه المؤامرة بينما كان هو غارقًا في انشغالاته، لا ينتبه لما يُحاك حوله.
لقد كانت على تواصل دائم مع دوق شارلوت. في السابق، لم تكن مراسلاتهما سوى تبادل رسائل عقيمة. سبنسر يلمّح إلى الموافقة على زواج لانسلوت من إليانور مقابل التنازل عن حقوق الأراضي في غاليا، ودوق شارلوت يرفض بعناد. لكن خلف الكواليس، كانت الكونتيسة قد عقدت صفقة كاملة معه.
شعر وكأن ضربة قوية أصابت صدره.
“أوقف الاجتماع يا ريتشارد.”
قطع صوت فريا أفكاره.
“…هل هذا ضروري؟”
“ماذا؟ ماذا تقصد؟”
اتسعت عينا فريا وهي تحدق فيه بدهشة.
“هل منصب الوريث الشاب مهم إلى هذه الدرجة؟ إلى الحد الذي يجعلهم يفعلون كل هذا؟ إلى حد أنهم لا يهتمون حتى بما قد يحدث لابنهم؟”
في الحقيقة، كان قد سئم كل شيء.
لم يكن هذا المنصب شيئًا سعى إليه، ولا شيئًا ناله بجهده. وُلد الابن الأكبر، وحين اهتز موقعه، كانت السيدة ماري مونتاغو هي من دعمته.
ومع ذلك، كان هناك سببان فقط جعلاه لا يتخلى عن اللقب بإرادته. الأول احترامًا لرغبة ماري مونتاغو، والثاني نكاية بوالدته الكونتيسة.
ولا واحد منهما كان من أجله.
لقد عاش حياته كنَبيل بدافع الواجب، لا الرغبة.
وأحيانًا، كان يفكر في التخلي عن كل شيء.
متى بدأت هذه الأفكار؟ قبل أن تتحرك عقارب الساعة حتى خطوة واحدة، وجد الإجابة.
ربما منذ ان اقترب من غريس غورتن.
تلك الأحلام العابرة، التي بدت تافهة وساذجة… ماذا لو تخلى عن كل شيء وعاش معها حياة بسيطة في قصر بلينهايم؟ تلك الخيالات الساذجة…
هل كانت مجرد خيالات فعلًا؟ أم أنه كان يتوق في أعماقه إلى تلك الحياة البسيطة؟
وجهها الخالي من التصنع، كلماتها الصادقة رغم بساطتها، قطعة خبز دافئة من إنغرينت، وغريس غورتن.
“ريتشارد…”
قطع صوت فريا أفكاره. كانت قد رأته يبتسم دون وعي في هذا الموقف العصيب.
“لا بأس أن يتم الاجتماع.”
“لماذا تتصرف هكذا؟”
صرخت فريا بيأس.
“كيف يمكنهم سحب اللقب من شخص قد يهرب مع خطيبة أخيه؟ أو من امرأة قد تمسك بيده وتركض معه؟ كيف لامرأة بهذه الجرأة أن تصبح سيدة عائلة سبنسر؟ هذا غير مقبول. لا يمكنني أن أسامح شيئًا كهذا.”
“……”
“لا أحد يمكنه أن يحل محلك كوريث شاب. كيف يمكن للانسيلوت أن يحل محلك؟ إنه ليس من آل سبنسر، بل من آل ستيوارت”
“فريا.”
“لانسلوت لن يقود العائلة أبدًا. في النهاية، ستستخدمه أمي كدمية وتحركه كما تشاء.”
كانت فريا سبنسر ذكية فعلًا.
ابتسم ريتشارد دون وعي وهو ينظر إلى شقيقته الصغيرة. تساءل إن كانت ماريمونتاغو قد كانت كذلك في طفولتها.
لو كانت النساء يرثن الألقاب، لكان قد سلّم منصبه لها دون تردد. بل في الحقيقة، لو وُجد مثل هذا القانون في إنغرينت، لما اضطر هو أصلًا للوقوف هنا. لكانت ماري مونتاغو، أو بالأحرى ماري سبنسر، هي الكونتيسة الآن.
“أرسل شخصًا إلى السيدة مونتاغو، واطلب منها أن تتحدث في الاجتماع بعد يومين، هل يمكنك ذلك؟”
كان طلب المساعدة بعد الفشل في الاعتذار وقاحة، ثم إن ريتشارد لم يعد يرغب في المساعدة.
“لن يحدث ذلك.”
كان قد حسم أمره.
سيُعقد الاجتماع العائلي برئاسة الكونتيسة إيلين سبنسر، وكالعادة، لن يتدخل الكونت جيمس سبنسر. وسيناقش الشيوخ المجتمعون أمر سحب لقب ريتشارد سبنسر كوريث شاب. وكان ريتشارد مستعدًا لتقبّل النتيجة بتواضع.
لطالما خسر ريتشارد. باستثناء تاريخ ميلاده، لم يتفوق على لانسلوت يومًا، لا بالجهد ولا بالحظ.
وهذه المرة لن تكون مختلفة. لم يكن ينوي المحاولة أصلًا، والحظ وحده لن ينقذه. من دون ماري مونتاغو، كان مصيره محسومًا.
لكن شيئًا واحدًا تغيّر.
لم يعد يهتم.
لم يعد يهم إن خسر. فحين تنتهي المباراة، سيكون هناك طريق آخر بانتظاره.
ربما كان طرف قوس المطر هناك، في مكان ما داخل قصر بلينهايم. وتحت ذلك الطرف، صندوق صغير يحوي حياة متواضعة تكفي لثلاثة أجيال… وغريسغورتن.
نظرت فرياسبنسر إلى شقيقها وقد بدت عليه ملامح لم ترها من قبل. ثم نهضت بصمت.
لم تكن معركة الألقاب معركتها. غادرت الغرفة، والحزن والأسف يلوحان على وجهها. ذلك أقصى ما استطاعت فعله.
***
تدهورت حالة السيدة ماري مونتاغو ساعة بعد ساعة، دقيقة بعد دقيقة. ورغم أنها كانت تفتح عينيها أحيانًا لتبادل كلمات خفيفة مع أنتونيمونتاغووغريسغورتن اللذين لم يفارقا سريرها، إلا أن جسدها كان قد أنهكه الضعف.
“سيدتي… أرجوكِ، أخبري ريتشارد سبنسر…”
توسلت غريس بصوت مرتجف.
كان طبيب العائلة قد تنبأ بنهايتها. أما أنتونيمونتاغو، فلم يستطع تقبّل ذلك.
سكن الصمت أرجاء القصر. تحرك الخدم بحذر، كأنهم أشباح، في جو بارد خانق.
“ليس الآن.”
قالت ماري مونتاغو بصعوبة.
كانت قد تلقت اليوم أيضًا استدعاء اجتماع العائلة الذي دعت إليه إيلين سبنسر. الاجتماع المقرر غدًا… وموضوعه…
يا له من تصرّف وقح.
تذكرت ملامح الكونتيسة إيلين القاسية، وتذكرت وجه ريتشارد الشاب وهو يحاول كبح دموعه تحت نظراتها.
هذه المرة، لم يكن بوسعها فعل شيء. حتى لو حضرت الاجتماع، فلن يفيد ذلك. بل سيجعل الأمر أسوأ. فمعرفة أن أقوى داعم لريتشارد على وشك الموت، لن تصب في صالحه.
لقد حاولت حمايته بكل ما أوتيت، لكنها لم تفهم قلبه حقًا. كما قالت يومًا، ربما كان يبحث عن نظرة واحدة، لا عن لقب.
قالت إنها تحبه، وتريده سعيدًا، لكنها لم تتوقف لتسأل نفسها ما الذي يريده فعلًا. اعتقدت أن جعله إيرلًا عظيمًا هو طريق سعادته.
نصحته ألا يهرب، ألا يقطع الروابط، لكنها لم تفهم سبب هروبه أصلًا.
كانت تأمل أن تصبح إليانورديستريه البستانية التي تُصلح جذوره الذابلة. لكنها لم تفعل. وبدلًا من ذلك، تركت الأمر للمستقبل، مبررة لنفسها أنها تحميه.
حتى هذه اللحظة.
سواء احتفظ ريتشارد بلقبه أو فقده، فلن تندم بعد الآن. أيًا كانت النتيجة، ستتقبلها.
لو فقط استطاعت الصمود قليلًا… أن تتنفس مرات أخرى.
“غدًا، بعد انتهاء اجتماع عائلة سبنسر، أحضروا ريتشارد إليّ.”
كانت ستستقبله بذراعين مفتوحتين، ثم توبخه بشدة.
“قليلًا فقط يا غريس…”
قالت ماري مونتاغو بصوت واهن، ثم انطفأت مغمضة العينين.
لم يكن تمرد ريتشارد أمرًا سيئًا إلى هذا الحد.
على الأقل… جعله يبدو كابن حقيقي.
يتبع…
🦋——————–🦋
سبحان الله وبحمده 🍒 سبحان الله العظيم🍒 استغفر الله واتوب اليه 🍒
تمت الترجمة | الكتابة بواسطة لونا 🎀
*حسباتي على الواتباد ، هيزو مانغا ، نادي الروايات :luna_aj7
التعليقات لهذا الفصل " 73"