ثم ينظر الله إليك فيجد أنك ترضى بما أنت فيه، فيُعطيك عطاء يليقُ بقلبك ورضاك
※استمتعوا※
🦋—————🦋
وصلت العربة السوداء المنقوشة بشعار غصن الصفصاف الخاص بعائلة ويلفورد في وقت متأخر من المساء إلى دوكلاند شرق ليدون، وأنزلت غريس غورتون وتيريسيوس ويلفورد.
كانت دوكلاند منطقة مجاورة للميناء، يسكنها عمال الأرصفة وعمال المصانع والعاهرات.
“هنا ظهر مصطلح العشوائيات لأول مرة.”
قال تيريسيوس وهو يعبس بخفة.
كان هواء البحر المالح ممزوجًا برائحة القذارة العالقة في الجو، ما أجبره على التنفس من فمه فقط.
لو لم يفعل ذلك، لشعر أنه سيتقيأ في أي لحظة.
“عـ… عشوائيات تقول.”
“بما أنها قريبة من الميناء، فالأرض هنا منخفضة. وكما ترين، لا يوجد نظام تصريف. مياه الصرف من المصانع والميناء والمنازل تغمر الشوارع باستمرار، فتتحول إلى وحل دائم. لهذا سُميت عشوائيات.”
“أ… أرى.”
تماسكت غريس وهي تشعر بالغثيان ونظرت حولها.
في الأزقة الضيقة المظلمة المليئة بأكوام القمامة، كانت أصوات الألم والبكاء والصراخ الغاضب تتردد بلا توقف.
“الأ… أطفـال مستلقون على الأرض.”
تفاجأت غريس وحاولت مساعدة الأطفال الممددين، لكن تيريسيوس أوقفها بسرعة.
“إنهم قذرون.”
“لـ …لكن إن بقوا هكذا فقد يمرضون. والجو بارد ليلًا.”
“إن لمستِهم يا آنسة غورتون فقد تمرضين أنتِ أيضًا. ألا يجب أن تكوني حذرة، خاصة وأن موعد خطوبتك يقترب؟”
كان تيريسيوس قد بدأ مؤخرًا يعامل غريس وكأنها طالبة جاهلة فاشلة، ويتدخل في تصرفاتها في كل مرة.
ظاهريًا بدا ذلك كأنه مساعدة لها لدخول المجتمع، لكنه في الحقيقة كان يحاول تشكيلها وفق رغبته.
“هل أنتِ فضولية لمعرفة كيف يعيش الفقراء؟”
“نـ… نعم.”
لمدة أقل من عامين، عاشت غريس في دار للفقراء في إير.
قبل نحو عشر سنوات، ضرب وباء الجدري وفساد البطاطا إير، ما أدى إلى يتم عدد لا يُحصى من الأطفال.
امتلأت دور الفقراء عن آخرها، وكانت المساعدات الحكومية غير كافية إطلاقًا، فلم يكن بالإمكان تقديم رعاية حقيقية.
ولهذا قبلت غريس اقتراح تيريسيوس بالتدريس في دار الفقراء.
فقد عرفت بنفسها قسوة تلك الظروف، وتفهمت كيف يمكن أن تدفع الأطفال إلى حافة الانهيار.
ورغم أنها لم تكن ثرية ولا نبيلة، فإنها أرادت المساعدة بأي طريقة ممكنة.
وكانت محظوظة لأنها اكتسبت قدرًا كافيًا من المعرفة والمهارات لتعليم الآخرين، بفضل الأستاذ تشارلز دودجسون.
“في هذه الحالة، ينبغي أن أحجز لكِ جولة سياحية في زيارتك القادمة.”
“جـ…جولة سياحية؟”
عندما قال تيريسيوس ذلك بنبرة غامضة، مالت غريس برأسها نحوه بدهشة.
“في هذه الأيام، هناك جولة نصف يوم تنطلق من وسط ليدون وتستكشف هذه المنطقة. يجلس الركاب في العربات ويراقبون كيف يعيش أهل دوكلاند.”
“…عفوًا؟”
شعرت غريس بالرعب من كلماته التالية.
“لـ…لماذا يشاهد أحد شيئًا كهذا؟”
“اعتبريها تجربة سفر إلى بلد أجنبي. أشياء لا ترينها عادة في منطقتنا، مثل عمال الأرصفة وهم يتشاجرون في الحانات أو النساء وهن يشدّ بعضهن شعر بعض في الشوارع.”
“……”
“يا إلهي، تبدين مرعوبة. لا تقلقي، سيرافقك الحراس طوال الجولة.”
ضحك تيريسيوس بخفة، ثم عبس مجددًا.
غير قادر على تحمل الرائحة، أخرج منديلًا من جيبه وغطى أنفه قبل أن يقود غريس نحو أحد المباني.
كان من القليلين الذين ينبعث منهم ضوء شمعة خافت عبر شقوق الباب وسط الظلام.
“هذه مدرسة خيرية تابعة لدار الفقراء.”
قاد مدير المدرسة غريس وتيريسيوس إلى الداخل.
حدقت غريس عبر النافذة في الفصل.
كان المشهد بائسًا إلى حد مؤلم.
الأثاث موضوع بعشوائية، والسبورة الصغيرة باهتة مغطاة بالغبار، والسقف المنخفض يبدو وكأنه سيسرب الماء عند أول مطر، وألواح الأرضية الخشبية تصدر صريرًا وكأنها على وشك الانهيار.
أما الطلاب فكانوا جالسين على الأرض، التي لم تكن أفضل حالًا.
بالمقارنة مع قاعات محاضرات غرينتابريدج، كان الفرق موجعًا. شعرت غريس بألم حاد في صدرها.
جميع الطلاب كانوا من الإناث.
بدت الأكبر سنًا في العشرينات، بينما الأصغر لم تتجاوز الثامنة أو التاسعة. كن مختلفات تمامًا عن طالبات غرينتابريدج، إلا في أمر واحد فقط، وهو ذلك اللمعان المتشابه في أعينهن.
شعرت غريس بالحرج من الفستان اليشمي الذي اختارته لها السيدة ماري مونتاغو.
الوقوف أمامهن بثوب من حرير غاليان بدا تصرفًا غير لائق. حين أدركت ذلك، تراجعت خطوة.
“سيدتي، لا تبدين بخير. هل أنتِ متوترة جدًا في يومك الأول؟
لستِ مضطرة لتدريس الدروس بنفسك. مجرد حضورك كافٍ. هل أستأجر شخصًا آخر للقيام بالعمل التطوعي؟”
أساء تيريسيوس فهم رد فعلها وهمس بلطف. شعرت غريس بموجة من الانزعاج لكنها كتمتها وأجابت بثبات.
“لـ… لا، لا بأس. أ …أنا أريد حقًا أن أدرّس.”
“…إن كان الأمر كذلك، فسأنتظر في العربة.”
بابتسامة متكلفة، غادر تيريسيوس المبنى.
لم يُظهر انزعاجه من الرائحة التي جعلته غير قادر على البقاء لحظة أطول.
راقبته غريس وهو يغادر على عجل، ثم التفتت إلى الرجل المسن الواقف بجانبها وسألته.
“كـ …كم مادة تُدرَّس في هذه المدرسة؟”
“نُدرّس لغة إنغرينت، والرياضيات، وتعاليم ومعتقدات الكنيسة الوطنية، وآداب السلوك. أي أربع مواد. لكن حتى تدريس مادة أو اثنتين أمر صعب. معظم الطالبات يعملن في المصانع نهارًا ويأتين إلى هنا ليلًا. إنهن مرهقات تمامًا.”
“هـ …هل يتعلمن الآداب أيضًا؟”
“بالطبع. عليهن تعلم كيفية إظهار الطاعة أمام من هم أعلى منهن أو أمام أصحاب العمل.”
أجاب مدير المدرسة بفخر.
“إذًا، مـ …ماذا يجب أن أدرّس؟”
“ذكر اللورد ويلفورد أنكِ تحبين الرياضيات يا سيدتي، لذا يمكنكِ مساعدتهن على فهم الأرقام. وإن أمكن، يمكنك أيضًا تدريس إنغرينت.”
بينما كانت تستمع إلى الشرح، دخلت غريس الفصل. عمّ الصمت فجأة، كأن دلواً من الماء البارد سُكب على المكان.
“إذن سأترككن الآن.”
انحنى مدير المدرسة بعمق قبل أن يغادر. أخذت غريس نفسًا عميقًا ووقفت بثبات أمام الطالبات.
“مـ… مرحبًا. اسمي غريس غورتون. سأقوم بتعليمكن إنغرينت والرياضيات من الآن فصاعدًا.”
الوجوه العديدة التي رفعت أنظارها إليها من أرض الفصل لم تُظهر أي تعبير.
شعرت غريس بأن أطراف أصابعها أصبحت باردة كيدي السيدة مونتاغو.
“يا معلمة.”
رفعت طفلة صغيرة تجلس في الصف الأمامي يدها وتحدثت. كانت ترتدي تنورة زرقاء بالية مرقعة.
“أنا لا أستطيع العد إلا إلى عشرة.”
“ليلي غبية.”
سخر أحدهم منها، فانكسر التوتر داخل الفصل.
ومع بدء الهمسات والضحكات الخافتة، تنفست غريس الصعداء وابتسمت ابتسامة خفيفة وهي تفتح مواد التدريس.
***
مرت عدة أسابيع منذ لقاء ريتشارد سبنسر مع تيريسيوس وغريس أمام البرلمان.
وفي هذا اليوم، كان ريتشارد في طريقه إلى قصر مونتاغو في تشيلسي.
فقد تلقى رسالة من السيدة ماري مونتاغو تدعوه فيها لتناول العشاء معهما احتفالًا بوصول اللورد أنطوني مونتاغو إلى ليدون.
لكن ما إن وصل إلى القصر المضيء بأنواره التي أضاءت أرجاء الحديقة، حتى صادف غريس غورتون مجددًا، وكانت على وشك الصعود إلى عربة.
“إلى أين تذهبين في هذا الوقت؟”
“أ… أنا ذاهبة إلى دار الفقراء لأعطي درسًا.”
“في هذا الوقت المتأخر؟”
“لـ… ليس لدي خيار. الطـ… الطالبات يعملن نهارًا.”
“وأين ويلفورد؟”
“آه…”
تحركت غريس بتوتر ولمست أذنها.
كان تيريسيوس ويلفورد قد رافقها في زيارتها الأولى لدوكلاند، لكنه بعد أن صُدم بما رآه، لم يرافقها مرة أخرى.
ومع ذلك، واصلت غريس الذهاب إلى دار الفقراء ثلاث مرات في الأسبوع من دون مرافقته.
“هل تقولين إنك تذهبين إلى مكان خطير كهذا دون مرافق؟ ماذا يفعل ذلك الأحمق… أعني، ماذا يفعل ويلفورد؟”
“ويلفورد استأجر حراسًا لمرافقتي.”
“ومع ذلك…”
“شـ …شكرًا لقلقك.”
قلق؟ أنا؟
“و شكرًا لانزعاجك من أجلي.”
انزعاج؟ أنا؟
اجتاح ريتشارد شعور غريب بالتكرار، فتغيرت ملامحه.
ها هو الأمر يتكرر. في كل مرة يحاول قول شيء، تلتف غريس حول كلماته وتتركه عاجزًا عن الرد.
حتى أفكاره المعتادة عن ما يجب على النبيل فعله لم تعد تخطر بباله.
“اللورد والليدي مونتاغو بانتظارك.”
قالت غريس وهي تميل برأسها قليلًا نحو القصر. حاول ريتشارد كبح انزعاجه وودعها بهدوء.
لكن بينما غادرت عربة عائلة ويلفورد من بوابة القصر، لم يستطع ريتشارد دخول القصر. ظل واقفًا هناك يراقب العربة وهي تبتعد.
ورغم أن صداقتهما قد انتهت، فإنه كان يؤمن أن ذلك واجب الرجل النبيل.
يتبع…
🦋——————–🦋
سبحان الله وبحمده 🍒
سبحان الله العظيم🍒
استغفر الله واتوب اليه 🍒
تمت الترجمة | الكتابة بواسطة لونا 🎀
*حسباتي على الواتباد ، هيزو مانغا ، نادي الروايات :luna_aj7
التعليقات لهذا الفصل " 61"