الشخص الذي أوقف ريتشارد في مكانه لم تكن سوى السيدة ماري مونتاغو.
أمسكت بيده، وقادته إلى أعلى الدرج ثم إلى غرفتها، ودفعته إلى الداخل قبل أن ترفع نظرها إليه بعينين يملؤهما القلق.
“ريتشارد… هل من الممكن أنك…”
“هل هناك ما يزعجك؟”
انحنى ريتشارد قليلًا وهو يسألها.
عضّت السيدة مونتاغو شفتيها عدة مرات قبل أن تتكلم أخيرًا.
“خرجتُ إلى الحديقة قبل قليل، وسمعت حديثك مع غريس.”
“…أهكذا؟”
(م/م: هو انا الوحيدة لي ما أحب عمته دي ولا ارتاحلها ، احسها خبيثة وانانية كثير )
سرت قشعريرة في جسد ريتشارد كله، كأن نارًا لامسته فجأة.
في ذلك الحديث، كانت غريس غورتن هي من اعترفت، وهي نفسها من تراجعت.
أما هو، فقد وقف كقطعة خشب مغروسة في الطين، يستمع بلا رد، ثم اضطر للتظاهر وكأنه لم يسمع شيئًا.
وفوق ذلك، شعر وكأنه تلقّى إهانة طفل يقول له
“لا أريد اللعب معك بعد الآن.”
إن كان هناك من يجب أن يشعر بالخجل، فكان من المفترض أن تكون غريس غورتن، لا ريتشارد سبنسر.
ومع ذلك… لماذا كان الخجل كله من نصيبه؟
مجرد فكرة أن السيدة مونتاغو قد تكون سمعت ذلك الحديث جعلت موجات من الإحراج تجتاحه. فهو بالكاد قال شيئًا أصلًا!
“لم أقصد التجسس، فقط…”
“……”
“لا تفهمني خطأ. أنا أحبك بصدق، وهذا لن يتغير أبدًا.”
عدّل ريتشارد وقفته. كون السيدة مونتاغو تتحدث بهذا ، يعني أن الأمر الذي ستطرحه ليس بسيطًا.
ربما كانت قلقة لأن غريس غورتن اعترفت له؟
هل ستطلب من ابن أخوها الآثم، الذي سرق قلب فتاة بريئة، أن يتحمّل مسؤوليتها؟
إن كان الأمر كذلك، فلن يكون أمامه خيار سوى أن يأخذ غريس غورتن إلى قصر بلينهايم، ويعيش حياة متواضعة لثلاثة أجيال بدافع الصداقة…
“…هل تكنّ مشاعر لغريس؟”
“ماذا…؟”
توقّف عقل ريتشارد للحظة وهو يعيد تحليل الجملة. قالت لِغريس. أي إن الفاعل هو هو.
أنا؟
“خالتي، ألم تقولي إنك سمعتِ الحديث؟”
لو كانت قد سمعته فعلًا، لما قالت هذا. هو يتذكر بوضوح أن من اعترفت كانت غريس، لا هو.
خفضت السيدة مونتاغو صوتها.
“أنا من أكثر الناس معرفة بك.”
“……”
“لم تعتبر غراهام هارولد صديقًا يومًا.”
“……”
“ولهذا صُدمت عندما قلت إن غريس صديقتك.”
“إن كان هذا سبب اعتقادك أن لدي مشاعر خاصة تجاهها…”
“ريتشارد.”
“……”
“لقد أمسكتَ بيد غريس.”
ارتعشت عين ريتشارد اليمنى. هل فعل ذلك فعلًا؟
باستثناء مباريات الرجبي، كان ريتشارد يتجنب لمس الآخرين قدر الإمكان.
حين انضم إلى الفريق بدافع التمرد، ندم مرارًا.
مجرد الاحتكاك بأجساد متعرقة كان أمرًا مقززًا بالنسبة له.
منذ أن أُصيب هو ولانسيلوت بمرض معدٍ في طفولتهما، أصبحت الخادمات يعانين الأمرّين، لأن كونتيسة سبنسر طوّرت هوسًا بالنظافة.
لم يستطع ريتشارد الإفلات من ذلك. نظرة الاشمئزاز في عيني والدته كلما رأت الندبة على جسده جعلته أكثر هوسًا بالنظافة من أي شخص آخر في المنزل.
ومن هنا جاء نفوره من الملامسة. بل إنه بالكاد اختبر القرب الجسدي مع أحد. الوحيدة التي كانت تعانقه أحيانًا أو تمسك بيده هي السيدة مونتاغو، وحتى ذلك كان نادرًا.
وبينما ينبش ذاكرته، طفت عدة مشاهد إلى السطح.
عندما أمسك بمعصم غريس وأخرجها من قاعة المضخات بعد أن سُخِر منها.
حين جلس بجانبها في المكتبة بدلًا من الجلوس مقابلها، يقرأ معها كتابًا سخيفًا عن فن استخدام المروحة لقبول دعوات الرقص.
وحين أمسك بيدها بلا تردد أمام السيدة مونتاغو وهو يغادر الصالون.
ارتعد ريتشارد. لقد فعل كل ذلك دون وعي. هل كان هذا ما يعنيه أن يكون الإنسان مسكونًا؟
“…لا يختلف الأمر عن مرافقتي لإليانور ديستريه.”
قالها بنبرة متزنة مصطنعة. كان قادرًا على كبت أي اضطراب داخلي دون أن يظهر منه شيء، وقد أتقن ذلك جيدًا.
لكن كليهما، هو والسيدة مونتاغو، كانا يعلمان أن هذا التبرير لا معنى له. فعندما كان يرافق إليانور، كان كقط يُجبر على مدّ مخالبه.
“ريتشارد، سأكون صريحة.”
كان القلق والعزم ممتزجين على وجهها.
“أتمنى أن أكون مخطئة. لكن حتى لو لم أكن كذلك، فمشاعري لن تتغير. لا يجب لك ولغريس أن تكونا معًا.”
ثقل غامض اجتاح صدر ريتشارد، يشبه مرارة اليوم التالي للإفراط في الشراب.
أنا لا أحبها أصلًا! غريس هي من تحبني، لا العكس!
لكن الاعتراض الآن لن يؤدي إلا إلى ترسيخ سوء الفهم.
“هذا أمر بديهي.” قال ببرود.
“خالتي، كلامك هذا إهانة لي.”
ابتسم بهدوء أشبه بلوحة مرسومة، لكن السيدة مونتاغو ارتجفت. رغم قربهما، كان الفارق بينهما واضحًا.
ريتشارد سبنسر، حتى دون أن يقصد، كان يملك سلطة لا يمكن إنكارها.
“ألم تطلبي مني أنتِ أن أقضي وقتًا مع غريس؟ عاملتها كما أعامل فريا، لا أكثر.”
“…إن كان الأمر كذلك، فأنا أعتذر. مع التقدم في العمر، يصبح المرء أكثر حماقة. ليس عذرًا، لكنه تفسير.”
“لم أقصد ذلك.”
قلقها لم يكن بلا أساس. فرغم أن افتراضها أزعجه، إلا أنه جعله يعيد التفكير. ربما وصفه لغريس كصديقة كان خطأ.
ريتشارد يفضّل الواقع العملي. العالم مليء بالمآسي الحقيقية، ملوك يُخلعون، حروب، خيانات، اغتيالات خطيبة… لا مكان فيه لأوهام رومانسية.
لذلك لم يكن عليه أن يمنح لطفه لغريس معنى أكبر مما يحتمل.
وإدراكه لهذا جعله يشعر بالامتنان لها لأنها أوقفته قبل أن ينجرف أكثر.
“لستُ قلقة عليك، يا ريتشارد. أنت شاب طيب.”
كل أم ترى ابنها كذلك، ولم تكن السيدة مونتاغو استثناءً.
“ما يقلقني هو اسم سبنسر. آل سبنسر لا يخسرون، خصوصًا في الزواج.”
“أفهم.”
” بالكاد أقنعتُ أنطوني بتبني غريس. والآن بعد أن أصبحت ابنتنا، أريد لها حياة هادئة ومستقرة.”
“أنا مدرك لذلك.”
“لكن آل سبنسر… حتى وأنا منهم، أجدهم لا يُطاقون. عنيدون، قساة، متحجرون.”
“……”
“لو اقتربتَ منها، ستتأذى مجددًا. ستثور العائلة، وسيتحول الأمر إلى ألم لها. ربما كان خوفي هو ما أعماني.”
“أتفهم تمامًا.”
“غريس ساذجة، لا تعرف كيف تحمي قلبها. ولهذا عليك أن تبعدها عنك.”
أومأ ريتشارد برأسه، فارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه السيدة مونتاغو.
“الآن أستطيع أن أطمئن. لقد أقلقني الأمر لساعات.”
كل أم ترى ابنها طيبًا وجميلًا. والأبناء غالبًا عاجزون أمام أمهاتهم.
ولهذا يصلي أتباع الكنيسة لا للابن الإلهي مباشرة، بل لأمه، لأنها وحدها القادرة على التأثير عليه.
وبالنسبة لريتشارد سبنسر، الذي كان يرى في السيدة مونتاغو أمًا له، لم يكن استثناءً. ولطمأنتها، بالغ في إظهار ازدرائه.
“لا يهمني إن كانت امرأة وضيعة متلعثمة تحبني أم لا. وليس لدي من الفراغ ما يجعلني أهتم بمثل هذه الأمور.”
كان صوته متعاليًا متعجرفًا. عبست السيدة مونتاغو قليلًا، لكنها لم تُعلّق.
يتبع…
🦋——————–🦋
سبحان الله وبحمده 🍒
سبحان الله العظيم🍒
استغفر الله واتوب اليه 🍒
تمت الترجمة بواسطة لونا 🎀
*حسباتي على الواتباد ، هيزو مانغا ، نادي الروايات :luna_aj7
التعليقات لهذا الفصل " 57"