لا تيأس من رحمة الله ولا تقطع الاستغفار مهما بلغت ذنوبك وتذكر إنك تعبد إله رؤوف رحيم يغفر ذنوبك كلما استغفرته
※استمتعوا※
🦋—————🦋
كان الطقس كئيبًا. الشمس تختبّأ وتظهر بين الغيوم، كأنها تلعب لعبة الغميضة.
خلف الكهف تكمن الفكرة. تلك الفكرة، كما يُقال، تقف تحت الشمس، لا تحت ضوء شمعة.
لكن حتى الشمس لا تظل ساطعة على الدوام.
يتغير موضعها مع الوقت، وتختلف شدتها، ويتبدّل لون أشعتها. انظر فقط إلى السماء الآن.
ربما وجود الفكرة نفسها ليس ثابتًا أيضًا. فكما تشرق الشمس وتغيب، ويتحوّل ضوؤها إلى الأحمر أو الأصفر، يتغيّر لون الواقع ومزاجه تبعًا لذلك.
يمكن أن تتجسّد الشمس في الواقع بأشكال متعددة، شعور في يومٍ ما، أو جوّ لحظة معينة. أليس من الممكن اعتبار كل ذلك شمسًا؟
كانت غريس غورتن تستعيد في ذهنها صورة ريتشارد سبنسر بعد أن سامحها على قلة لياقتها وغادر.
وكانت تفكر أيضًا في صورته الحيّة التي عرفتها منذ ليدون حتى باث.
ريتشارد الذي أحبّته سرًا في غرينتابريدج لم يكن سوى ظلّ شمعة على جدار الكهف، لا الفكرة ذاتها.
وحتى ذلك الحين، كانت راضية تمامًا بذلك الظل أكثر من الفكرة نفسها.
مراقبة الظل كانت متعة هادئة، يمكن الاستمتاع بها داخل الكهف دون عناء. لم تكن هناك مسؤولية، ولا ألم في القلب.
كانت تعتقد أن اللحظة التي يطمع فيها الإنسان ويخرج من الكهف، هي بداية الشقاء.
وعندما تفكّرت في مصائر العظماء الذين سعوا وراء الحقيقة، تذكّرت أولئك الذين شربوا السم أو قُطعت رؤوسهم. لم يكونوا قلة.
لكن الفكرة كانت مختلفة عمّا تخيلته غريس.
تحت شمس متغيرة باستمرار، لم يكن ريتشارد سبنسر وجودًا ثابتًا، بل إنسانًا حيًا يتنفس.
والوجوه المختلفة التي أظهرها تحولت إلى صور متلاحقة.
الحب، مهما بدا وضيعًا، يملك قدرة غريبة على تحويل كل شيء إلى أمر نبيل وجميل. وفي الحب، لا يوجد تمييز ولا حكم.
ولهذا، حتى حين كان ريتشارد سبنسر فظًا أو حادًا أو أنانيًا، لم تهتم غريس بالصواب أو الخطأ، بالجمال أو القبح، بالأبيض أو الأسود.
كان هو الوحيد من نوعه في حياتها.
وجدت نفسها تنجذب إلى ما وراء الصورة، ترغب في الاقتراب من حقيقته.
بل وتمنت، بجشع، أن تصل إليه.
لكنها كانت خائفة. كانت تشعر بذلك في كل مرة تزور فيها غرفة إليانور. وهي ترى وجهها المتورم ويديها المرتجفتين، كانت غريس تخاف من الحب الحقيقي. فالحب الذي لا يُنال مخيف.
ألم يكن من الأفضل أن تبقى مجرد متفرجة على الظلال؟ أن تكتفي بعزاءٍ لقلبها؟ أن تظل بعيدة، تراقب ضوء الشمعة فقط؟
الشخص الذي أنهى عذابها كان البروفيسور تشارلز دودجسون.
تذكّرت فجأة القصة التي حكاها لها في الليلة الماضية.
قبل عام، أعطاها ورقة اختبار لطلاب الرياضيات، واقترح أن تحاول حلّها للمتعة. وعندما رآها تبدأ فورًا بحل السؤال الأول، نقر لسانه.
“غريس، هل تعلمين ما هو أهم شيء عند حل مسائل الرياضيات؟”
“أ…أهم شيء؟ أليس الحساب بدقة؟”
ابتسم تشارلز دودجسون ابتسامة العارف، ثم قال
“عندما يحصل الطلاب على ورقة الاختبار، يدفنون أنوفهم فيها فورًا ويحاولون حل السؤال الأول. لكن هناك أمر يجب التحقق منه قبل ذلك.”
“و…وما هو؟”
“عليهم أن يلقوا نظرة على الورقة كاملة، ويقارنوا صعوبة الأسئلة بقدراتهم. الوقت محدود، والأسئلة كثيرة. أغلب الطلاب يحلون بالترتيب، لكن إن كان السؤال الأول هو الأصعب ويفوق قدراتهم، فسيضيع وقتهم، ولن يتمكنوا من حل بقية الأسئلة التي كان يمكنهم حلها.”
“آه…”
“لذلك، أولًا وقبل كل شيء، يجب أن تعرفي قدراتك. ولهذا وُجدت العبارة: اعرفي نفسك.”
“ن…نعم.”
“وهناك أمر آخر، وهو الأهم.”
“أ…أنا فضولية.”
“يجب أن تقيّمي صحة المسألة نفسها. فحتى الأساتذة بشر، وقد يخطئون عند وضع الأسئلة. لو كتبتُ الرقم 7 بدل 1 في معادلة ما، فستكون المسألة خاطئة، ولن يتمكن أي طالب من حلها مهما حاول.”
“ه…هذا منطقي.”
“لذلك، قبل أن تبدئي بالحساب، عليكِ أولًا أن تفحصي المسألة جيدًا.”
وعند إسقاط هذا الكلام على حب غريس غورتن من طرف واحد لريتشارد سبنسر، كان المعنى واضحًا.
إن كان الإعجاب من بعيد مسألة سهلة، فإن لقائه وجهًا لوجه مسألة متوسطة الصعوبة.
أما أن يصبحا صديقين، فذلك مسألة بالغة الصعوبة. الفجوة بين الحب والصداقة كانت شاسعة.
لم تكن غريس تملك القدرة على التظاهر بأنها تستطيع تحمّل تلك الفجوة، أو أن تتظاهر بالصداقة وهي تحمل مشاعرها في قلبها.
ببساطة، لم تكن قادرة على حل هذه المسألة.
وفوق ذلك، فإن محاولة أن تصبح صديقة لمن تحبه من طرف واحد كانت مسألة خاطئة من الأساس.
تمامًا كأن تُجبر على حل ورقة امتحان، ثم تكتشف أن المعادلة فيها خاطئة.
مهما حاولت، لن تصل إلى حل. وحتى لو واجهت واضع السؤال وصحّح الخطأ، فلن يفيد ذلك إن كانت درجة الصعوبة تفوق قدرتها.
أما علاقتها بتيريسيوس ويلفورد، فكانت أبسط بكثير.
كانت غريس امرأة بالغة، ولم تكن تجهل سبب إصرار السيدة ماري مونتاغو على دعوته لشرب الشاي أو اصطحابه إلى الحفلات.
في غرينتابريدج، لم تفكر يومًا بالزواج. لم تكن مهتمة، ولا راغبة فيه. صحيح أن واقع حياتها ونقائصها لعبت دورًا في ذلك، لكن كان هناك سبب آخر.
كانت غريس تخاف من الحب. الإعجاب العابر مقبول، أما المشاعر المعقدة والمتشابكة التي يأتي بها الحب فكانت مرعبة.
والأكثر رعبًا كانت العواقب غير المتوقعة التي قد يجلبها.
خوفها من الحب جاء من والديها. حب تخطّى الطبقات، حمل غير متوقع، يأس بعد انكشاف الحقيقة، هروب في الليل، وموت من طرف واحد. كل تلك المآسي وُلدت من الحب.
لكن الآن، بعد أن قررت أن تصبح ابنة متبناة للسيدة ماري مونتاغو، أصبح الزواج جزءًا لا مفر منه من مستقبلها.
وبما لم يحدث أي تغيير غير متوقع، فإن تيريسيوس ويلفورد كان المرشح الأرجح ليكون زوجها.
ولحسن الحظ، كانت غريس غورتن بارعة في التكيّف.
حياتها مع أمها في بلد غريب، ثم دخولها دار الفقراء بعد وفاة والدتها، ثم تبنّي البروفيسور تشارلز دودجسون لها… كل ذلك صقل قدرتها على التكيّف.
وبما أن هذا الزواج لن يكون عن حب، فربما لن يكونا زوجين متناغمين، لكن إن استطاعت التعايش مع تيريسيوس ويلفورد والحفاظ على حياة هادئة، فذلك يكفي.
كانت هذه مسألة تستطيع حلها.
بل وكانت مسألة بسيطة وواضحة، بلا تعقيد.
وبالنظر بموضوعية، لم يكن تيريسيوس ويلفورد خيارًا سيئًا.
بل كان، مقارنةً بها، أكثر مكانة وثراءً.
ومن هذا المنطلق، كان عليها أن تقبل بامتنان. فحتى لو كان قوس المطر بعيدًا، فإن الطائر الأزرق قريب.
أن تجعل تيريسيوس ويلفورد طائرها الأزرق، وأن تُسعد السيدة مونتاغو في حياتها، وأن تضمن لنفسها حياة مستقرة… كانت تلك نهاية مناسبة للجميع.
“أ…أحيانًا، يجب أن تتحمّل مسؤولية مشاعرك.”
“و…ولهذا، حان الوقت أن تعزمي أمرك وتتحمّلي المسؤولية.”
كانت هذه الكلمات التي قالتها للانسلوت سبنسر، لكنها في الحقيقة كانت عهدًا قطعته على نفسها.
فالمشاعر التي لا يمكن تحمّل مسؤوليتها، لا ينبغي تغذيتها.
إنها أشبه بمسألة رياضية معيبة من الأساس.
وهكذا، قررت غريس غورتن، وهي تنطق بتلك الكلمات، أنها لن تحاول حل المسألة التي اسمها ريتشارد سبنسر.
ستقفز من الأرجوحة، وتعود إلى عمق الكهف، وتعيش مكتفية بالظلال.
في الوقت الحالي، كانت غرفة ريتشارد مظلمة كأعماق كهف. والسبب أن صاحبها كان في مزاج كئيب لا يوصف.
رغم أن غريس لم ترفضه صراحة، عاد ريتشارد وكأنه مرفوض تمامًا، وقد هبطت روحه إلى القاع.
كان قد دخل المرحلة الرابعة من مراحل الحزن الخمس. الإنكار، الغضب، المساومة، الاكتئاب، القبول… وكان غارقًا في الرابعة.
أما المرحلة الثالثة، المساومة، فقد فشلت فشلًا ذريعًا.
حديثه الأحمق عن الصداقة قاده إلى هذا المصير البائس.
كان التجنب أفضل. لقد عاش هكذا من قبل دون مشاكل. فلماذا انحرف فجأة عن مساره ووقع في هذه الكارثة؟
لطالما تجنب ريتشارد سبنسر الاكتئاب. فالحزن والهمّ ينخران القلب، ولهذا لم يسمح لنفسه يومًا بالشعور بهما.
لكن هذا الاضطراب المفاجئ كان لا يُحتمل.
السلام الداخلي الذي حافظ عليه طويلاً كان على وشك الانهيار.
فسحق جريدة بريئة بقبضته ونهض بعنف. ربما ركوب الخيل حتى الإنهاك قد يريحه قليلًا.
كان داخل القصر هادئًا كعادته، بل أكثر من المعتاد.
لم يُسمع سوى وقع خطواته القوية على الأرض، كأنها نغمات بيانو تتردد في الفراغ.
“ريتشارد سبنسر.”
في تلك اللحظة، جاءه صوت لا يمكن تجاهله من خلفه.
“هل نتحادث قليلًا؟”
يتبع…
🦋——————–🦋
سبحان الله وبحمده 🍒
سبحان الله العظيم🍒
استغفر الله واتوب اليه 🍒
تمت الترجمة بواسطة لونا 🎀
*حسباتي على الواتباد ، هيزو مانغا ، نادي الروايات :luna_aj7
التعليقات لهذا الفصل " 56"