حتى الآن، لم يواجه لانسلوت سبنسر يومًا محنة كان هو سببها بنفسه.
كانت هذه أول تجربة قاسية يصنعها بيديه.
وربما ليس من العدل إلقاء اللوم كله على لانسلوت وحده. فلو كان ريتشارد سبنسر هو الابن الذي اختارته الكونتيسة، لربما نشأ هو الآخر ضعيفًا ومهتزًّا بالطريقة نفسها.
كان لانسلوت الطفل الذي نال حبًا لا حدود له من أمه، ومع ذلك كان يخشاها.
فحبها بالنسبة له كان كل شيء.
عزلت كونتيسة سبنسر لانسلوت عن الجميع، عن إخوته، وعن أصدقائه، وعن أي شخص آخر. جعلته لا يثق ولا يعتمد إلا عليها وحدها. كان وجوده وسيلة لملء وحدتها وسد فراغ عدم رضاها عن حياتها.
حين كان صغيرًا جدًا، بدا له ذلك طبيعيًا تمامًا. فالأطفال أكثر أنانية مما نظن، وغالبًا ما يتباهون بما يملكون دون تردد.
ولم يكن لانسلوت استثناءً. كان يتباهى بكلمات أمه وهداياها، ويستعرضها أمام شقيقه التوأم ريتشارد.
بل وكان يشعر بالرضا حين يواسيه كلما خبا نور عينيه الخضراوين قليلًا مع كل مرة يشعر فيها بالدونية.
لكن مع تقدّم لانسلوت في العمر، بدأ يكتسب إنسانيته وإرادته الخاصة.
وأدرك كم كان عالمه ضيقًا ومغلقًا، وكم كان وحيدًا.
في تلك الفترة راودته أول فكرة عن الهروب من سيطرة الكونتيسة. لكنها كانت فكرة مستحيلة. فقد ابتلعته بالكامل.
كان يشعر وكأنه محبوس في غرفة فارغة، وحيد تمامًا.
الشخص الوحيد القادر على دخولها هو الكونتيسة سبنسر.
المفتاح كان بيدها وحدها، ولم تشاركه مع أحد.
وإن لم تأتِ، ستبقى الغرفة فراغًا أبديًا بلا معنى، لا يستطيع أحد دخوله.
وهكذا ظل لانسلوت سجينًا داخلها.
لم يكن الآخرون يعلمون شيئًا.
لم يكن بإمكان أحد رؤية ما يجري داخل تلك الغرفة، لذا لم يعرفوا ما كانت تفعله هناك. أحيانًا كانت تغني له وتهدهده بلطف، وأحيانًا أخرى كانت تنقلب فجأة وتهزه بعنف وكأنها تريد التخلص منه.
لم يكن أحد يعلم بقلق لانسلوت. في نظر الآخرين، كان مجرد طفل محظوظ نال وفرة من حب أمه.
بعد حادثة ويندرمير، أدار ريتشارد سبنسر ظهره له تمامًا.
ورغم أنه أدرك أنه يستحق ذلك، إلا أن الألم ظل عالقًا في قلبه.
“كيف تجرؤ على عصياني والدخول إلى الماء! أيها الولد الجاحد!”
كانت تلك أول كلمات سمعها لانسلوت من والدته بعد أن استعاد وعيه بأيام، إثر غرقه شبه المؤكد في البحيرة.
كانت تغدق عليه الحب، لكنها لم تتحمل أبدًا أي تمرد على إرادتها.
ومنذ تلك اللحظة، بدأ اليأس يتسلل إليه. كانت تخيفه صورتها الغاضبة أكثر من أي قلق عليه. خشي أن تغلق باب غرفته بالمفتاح وألا تعود إليه أبدًا.
حينها سيبقى وحيدًا في تلك الغرفة الفارغة عديمة الجدوى.
ولتفادي ذلك، كذب لانسلوت. لكن كذبَه كلّفه ابتسامة ريتشارد إلى الأبد.
ذلك الأخ الذي كان يطل عليه أحيانًا من خلف النافذة اختفى من حياته.
كانت إليانور ديستري قد نجحت في التسلل عبر شقوق جدران غرفته.
لقد كان ينتظر شخصًا مثلها منذ وقت طويل. هي من خففت ثقل رائحة التوابل الخانقة التي خلّفتها الكونتيسة، وأضاءت عتمة غرفته المغلقة.
لكن في أعماق كل من عاش طويلًا داخل سجن، تكمن استسلامية دائمة.
يرغب بالهروب، لكنه يخشى العالم خارج الجدران. فمغادرة الغرفة الصغيرة تعني مواجهة عالم واسع وفوضوي، وهذا وحده كان مخيفًا.
لذلك، انكمش لانسلوت وبكى. لم يجرؤ على مواجهة أحد، حتى الكونتيسة نفسها.
سد ثقب المفتاح ليمنع أي شخص من الدخول، وبقي في غرفته الفارغة.
من أخرجه في النهاية كانت غريس غورتن، التي جاءت مع الفجر وطرقت نافذته كطائر صغير.
من النافذة التي كان ريتشارد يطل منها أحيانًا، ظهرت هيئة صغيرة تتمايل كدمية.
“أم… عذرًا.”
ترددت قليلًا قبل أن تتكلم. كان صوتها ضعيفًا ورقيقًا، لكن جوهره ثابت وقوي.
“السيدة ديستري ستغادر قريبًا بعربتها.”
“……”
“أ…أحيانًا، يجب أن يتحمل الإنسان مسؤولية مشاعره.”
“……”
“ل…لذلك، حان الوقت لتجمع شجاعتك وتتحمل المسؤولية.”
وبعد كلمات قليلة أخرى، ابتعدت غريس عن النافذة. بقي لانسلوت واقفًا، شارد الذهن، تتردد كلماتها في رأسه مرارًا.
الناس يتحركون بدوافع مختلفة. بعضهم يتوب بعد عظة مؤثرة من كاهن، وبعضهم بعد نظرة صارمة من والديه، وآخرون يهتدون لمجرد رؤية زهرة برية على جانب الطريق.
أما لانسلوت سبنسر، فقد حركته كلمات غريس المتعثرة الصادقة.
كانت بسيطة، لكنها صادقة، وذلك كان كافيًا.
البدايات لا قيود لها، لكن النهايات دائمًا لها ثمن. ولكي تُنهي شيئًا، لا بد أن تتحمل مسؤوليته. وهذا ينطبق حتى على المشاعر غير الملموسة.
كان الفجر قد بزغ. ودوّى في البعيد صوت حوافر الخيل وعجلات العربة، معلنًا رحيل إليانور.
وقف لانسلوت عند النافذة. وعلى الأرض في الخارج، لمح حزمة صغيرة تركتها غريس.
استدار ونظر إلى الغرفة التي عاش فيها عشرين عامًا. كانت دافئة… لكنها خاوية.
دون تردد، ضرب النافذة بيده. تحطم الزجاج وتناثرت الشظايا في كل مكان.
لم يدرك من قبل أن هناك أكثر من طريقة لمغادرة الغرفة.
لم يكن الخروج من الباب المغلق هو السبيل الوحيد. ولم يكن التحرر من قبضة الكونتيسة شرطًا لدخول العالم.
ضم يده النازفة بالأخرى، وفتح الحزمة. بداخلها كانت لوحة مستطيلة. ظل ينظر إليها طويلًا.
إن لم تخنه الذاكرة، فهذه اللوحة كانت تحتوي على أول رسالة كتبها لإليانور.
الصورة المرسومة ببراءة جعلت ابتسامة خفيفة، كالدخان، تعبر وجهه ثم تتلاشى.
استدار لانسلوت مرة أخرى. لم تعد الغرفة دافئة. أصبحت فارغة فقط.
وكما فعلت سيدة شارلوت، غادر لانسلوت سبنسر غرفته.
تمرّد على الكونتيسة سبنسر التي حكمته كحاكمة لا تُقهر، وقطف الثمرة المحرّمة.
غادر جنة سيطرتها، وألقى بنفسه في برية قاحلة.
وربما، تحت شجرة التوت، كانت ثيسبي حبيبة بيراموس بانتظاره. وهذه المرة، قبل أن يصل الأسد، أقسم أن يصل إليها أولًا.
غرس كعبيه في خاصرتي الحصان، وانطلق مسرعًا.
يتبع…
🦋——————–🦋
سبحان الله وبحمده 🍒
سبحان الله العظيم🍒
استغفر الله واتوب اليه 🍒
تمت الترجمة بواسطة لونا 🎀
*حسباتي على الواتباد ، هيزو مانغا ، نادي الروايات :luna_aj7
التعليقات لهذا الفصل " 53"