شقّ ملك باث، إدموند بوفورت، طريقه وسط الحشد حتى وقف أمام غريس.
كانت عيناه تلمعان فور أن رآها تقف وحدها قرب نافذة قاعة الجمعية المكتظة.
كان يمتلك موهبة فطرية في التقاط الجواهر حتى وسط كومة من الحصى.
“لماذا أنتِ وحدكِ؟”
اتسعت عيناه وهو يتفحّص المكان من حولها. فتحت غريس فمها بتردد، وعلى وجهها ارتباك خفيف.
“كـ… كنت مع أحدهم، لكن…”
“لكن؟”
“كان لديه أمر طارئ، فاضطر للمغادرة قليلًا.”
كان ثيريسيوس وِلفورد قد غادر قاعة الجمعية بعد أقل من ساعة على وصوله مع غريس.
أصوات الكؤوس المتصادمة، والموسيقى التي تملأ القاعة، وضحكات الراقصين، كلها غطّت على الحديث القصير الذي دار بينه وبين خادمه.
كل ما رأته غريس هو تصلّب ملامحه عندما همس الخادم في أذنه.
ذلك الرجل الذي اعتاد الابتسام بلا همّ، برزت عروق صدغه وهو يستمع إلى الخبر الذي نُقل إليه لاهثًا.
“طرأ أمر عاجل. عليّ الذهاب إلى الفيلا، لكنني سأعود قريبًا.”
كان صوته باردًا كالجليد. لم تستطع غريس أن تُظهر خيبة أملها.
والحقيقة أنها لم تشعر بخيبة كبيرة. كان ثيريسيوس شخصًا طيبًا، لكن الطيبة لا تعني دائمًا الراحة.
كما أن وضوح نواياه تجاه لقائهما جعل الأمر أكثر إرباكًا.
“أي أحمق يترك سيدة جميلة كهذه وحدها في حفل؟”
قال إدموند مبتسمًا، ثم أضاف وكأنه يجيب نفسه
“ثيريسيوس وِلفورد، ذلك الأحمق.”
ابتسمت غريس بخفة، فاتسعت عينا إدموند أكثر.
“هذه أول مرة أراكِ تبتسمين.”
اليَشم حجر كريم متواضع. لا يحتاج إلى أوجه كثيرة ولا إلى صقل مبالغ فيه ليشع جمالًا.
يكفيه سطح أملس ليبث نوره الهادئ.
وبصفته خبير إنغرينت الأول في اليَشم، تذكّر إدموند زينة صغيرة على شكل طائر أخضر شاحب رآها ذات يوم في مزاد بعيد، منحوتة بإتقان من حجر اليشم.
في بداية المزاد، رفع إدموند لوحته بحماسة.
لكن مع تصاعد المزايدات واحتدام المنافسة، انسحب بهدوء.
الشخص الذي أشعل الحماسة ورفع السعر بلا هوادة لم يكن سوى ريتشارد سبنسر.
غيرة الحضور اشتعلت، وتنافسوا لمجرد الرغبة في الامتلاك، حتى بيعت القطعة الصغيرة بسعر يعادل لوحة لفنان من عصر النهضة.
وفي النهاية، استقرت تلك التحفة في مجموعة عائلة سبنسر.
وكان الفائز، بطبيعة الحال، ريتشارد سبنسر.
لم يكن ريتشارد مهتمًا بالاقتناء بحد ذاته، لكنه كان يملك عنادًا غريبًا يجعله يحصل على كل ما يلفت نظره.
قبل ذهابه إلى غرينتابريدج، حضر مزادًا لآل بوفورت في ليدون، وهناك شدّه ذلك الطائر اليشمي البسيط وسط كل المعروضات.
كان ينجذب دومًا للأشياء الغريبة، تمامًا كما كان يحب الكعك الجاف والشجيرات الشائكة.
تكدّر مزاج إدموند حين تذكّر توقيع ريتشارد على وثيقة الشراء الباهظة، لكنه ما لبث أن تحسّن عندما نظر إلى الطائر الأزرق أمامه.
للحظة، مرت في ذهنه صورة ماري مونتاغو وهي ترمقه بنظرة حادة، لكنه سرعان ما تذكر أنها ليست هنا.
وفي هذه القاعة الواسعة، لو رافق الفتاة التي تركها ثيريسيوس، فقد ينال حتى شكر ماري.
كان عليه أن يحتضن هذا الطائر المتروك بقلب دافئ.
فابتسم ابتسامة دب ودّية، ومد يده.
“ما رأيكِ بنزهة في الحديقة، آنسة غيرتون؟”
كانت غريس غيرتون وإليانور دإستريه كالماء والزيت، لا يختلطان أبدًا.
جنسيتهما، مكانتهما، ملامحهما، وحتى أذواقهما، لم يكن بينها أي تقاطع.
لكن هناك حالات يمتزج فيها الماء والزيت… عندما يُضاف الصابون.
بين حياتيهما المختلفتين تمامًا، كان هناك شيء جعلهما تلتقيان في نقطة واحدة، هو رغوة ناعمة تُدعى الحب.
كلتاهما أحبتا الظلال. إحداهما أحبت ظل ريتشارد سبنسر المنعكس على جدار الكهف، والأخرى عشقت ظل لانسيلوت سبنسر المرسوم على صورته.
وفي وقت متقارب، اقتربتا من الحقيقة الكامنة خلف تلك الظلال.
غريس خرجت من كهفها إلى عالم الأفكار، تتشارك شعورًا غامضًا يُسمّى صداقة، بينما عبرت إليانور البحر إلى إنغرينت، وعاشت لحظات مشتعلة مع الفارس ذي العينين العسليتين.
عندما حضرتا حفل قاعة الجمعية، لم تكونا برفقة من تحبان.
كان مرافق غريس هو ثيريسيوس، ومرافق إليانور هو ريتشارد، كما تفرض الأعراف.
وكان هناك تشابه آخر لم يكن أيٌّ من الرجلين إلى جانبهما.
ثيريسيوس غادر القاعة بوجه قاتم، وريتشارد، بعد الرقصة الأولى مع إليانور، انسحب ليلعب الورق مع الرجال، وقد بدا عليه الملل بوضوح.
وهكذا، وجدت غريس وإليانور نفسيهما تقفان في زاوية من الحديقة مع رجلين ليسا من اختيارهما.
وكان ذلك آخر تقاطع بين مساريهما.
فحيثما يوجد تقاطع، يوجد اختلاف.
بينما كان ذكاء إدموند يزرع الابتسامة على وجه غريس، كانت إليانور تقف مع لانسيلوت تحت شجرة توت غير بعيدة عنهما.
“إليانور، كيف يمكنكِ أن تفعلي هذا بي؟”
لم يستطع لانسيلوت إخفاء غضبه وهو يوبّخها.
كان مزيجًا من الغيرة، والحنق، والمشاعر العالقة، والتملك.
“بحسب كلامك، أنا ملك لأخيك.”
قالت وهي تحدّق في الأرض دون أن ترفع عينيها إليه.
“وماذا في ذلك؟ هل يعني هذا أنكِ قررتِ التوقف عن حبي؟”
“وهل لحبك أي معنى؟”
“لكن، إليانور… بالأمس فقط كنا…”
“لانسيلوت.”
قاطعته، ثم رفعت رأسها ببطء وقالت بصوت ثابت
“هل هدفك أن تصبح عشيقي؟”
“…ماذا؟”
بدا وكأنه تلقى صفعة. تلعثم وهو يرد
“قلت إنك لا تريد الزواج مني.”
“لم أقل إنني لا أريد…”
“إذًا سأتزوج ريتشارد وأحبك.”
“……”
“في غاليا، كثيرون يحبون إخوة أزواجهن. إن كان هذا ما تريده، فسأفعله.”
“هذا ليس غاليا، بل إنغرينت.”
“إذًا لا مفر.”
“ماذا تقصدين؟”
“أظن أن هذا هو الحد الذي يمكننا الوصول إليه.”
أعلنت إليانور وداعها بصوت حزين. لمعت الدموع في عيني لانسيلوت العسليتين.
لا شيء يعشقه الناس أكثر من مشاهدة مآسي الآخرين ومشاجرات العشاق.
فبالنسبة للمتفرج، ما هو مأساة للمعنيّين يبدو كوميديًا بشكل مثير للسخرية.
في تلك اللحظة، كان إدموند، الذي كان يستمع بصمت، على وشك أن يضع قبضته في فمه كي يمنع نفسه من الضحك.
أما غريس، فكانت عالقة في مكانها، لا تدري ماذا تفعل.
البقاء يعني التنصت، والمغادرة تعني مقاطعة لحظة شديدة الخصوصية.
وما لم يلاحظه أحد، أن ريتشارد سبنسر، ضحية هذا النزاع وصانعه في آن واحد، كان قريبًا منهم.
بعد أن أنهى لعبة ورق مملة، عاد إلى القاعة فرأى إدموند بوفورت يصطحب غريس إلى الخارج.
خفت بريق عينيه الخضراوين على الفور.
أين ثيريسيوس؟ ولماذا يطارد إدموند غريس؟
صديقه هذا يحتاج دائمًا إلى مراقبة. وبشجاعة أسد يواجه دبًا، تبعهم… ليصطدم بهذا المشهد السخيف.
“لا تمنعني.”
استدارت إليانور وهي تظن أن لانسيلوت سيلحق بها حتمًا ويغمرها بقبلاته.
أغمضت عينيها، وارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها.
مرّ الوقت، ولم يحدث شيء. فتحت عينيها ونظرت إلى من يقف أمامها. وما إن رأت لون عينيه حتى سقطت مروحتها من يدها.
يتبع…
🦋——————–🦋
سبحان الله وبحمده 🍒
سبحان الله العظيم🍒
استغفر الله واتوب اليه 🍒
تمت الترجمة بواسطة لونا 🎀
*حسباتي على الواتباد ، هيزو مانغا ، نادي الروايات :luna_aj7
التعليقات لهذا الفصل " 49"