عندما ذهب ريتشارد إلى المكتبة، وجد صديقته غارقة في قراءة أحد الكتب.
نادى ريتشارد باسمها “غريس”.
وما إن سمعت صوته حتى وقفت بجدية مرتبكة “اللـ.. اللورد الشاب”.
علق ريتشارد “تقرئين مجدداً، كما أرى”.
في علم الرياضيات، هناك ما يسمى بـالاحتمال التجريبي، وهو قياس مدى تكرار حدث معين عند إعادة تجربة ما عدة مرات.
وبالنسبة لريتشارد، فإنه حين زار المكتبة في الساعة الثانية ظهراً لخمس مرات، وجد غريس هناك في أربع منها، أي بنسبة احتمال تصل إلى 80%.
وبما أن غريس امرأة ذكية، فمن المتوقع أن تظل هذه النسبة ثابتة مهما تكررت الزيارات.
سألها باهتمام “ماذا تدرسين اليوم؟”.
في الحقيقة، غريس الذكية لم تكن تدرس شيئاً؛ بل كانت تتظاهر بالدراسة فقط.
فمنذ اللحظة التي وافقت فيها على أن تكون صديقته، شعرت وكأن الأرض تهتز من تحتها.
لقد انتهى سكون حبها من طرف واحد ليتحول إلى طاقة حركية صاخبة بفعل هذه الصداقة المفاجئة.
كلما دفع ريتشارد أرجوحة مشاعرهما بقوة، زاد اضطراب غريس وخوفها من القادم، والأدهى من ذلك هو نمو التوقعات بداخلها، وهو أمر قد يكون قاتلاً لمشاعرها.
أجابت غريس وهي تختلس النظر إلى كتاب لم تفتحه أصلاً
“أدرس.. أدرس قواعد الإتيكيت الاجتماعي”.
اختارت هذا الكتاب تحديداً بسبب تلك التوقعات؛ فمن المقرر أن تصبح غريس مونتاغيو، وبناءً على رغبة والدتها بالتبني، من المرجح جداً أن تُخطب لـتيريسيوس ويلفورد.
كان هذا ما أخبرتها به الليدي ماري في العربة بالأمس، ورغم مفاجأة الأمر، إلا أن غريس وافقت بطاعة، فهي قد خرجت من عزلتها لتدخل بلاد العجائب الواسعة، وتحتاج لمن يمسك بيدها ويرشدها.
انحنى ريتشارد وجلس بجانبها حتى تلامست أذرعهما، فانتفضت غريس وابتعدت قليلاً دون أن يلاحظ هو ارتباكها.
نظر ريتشارد إلى الكتاب واكتشف أنه يحتوي نصائح للسيدات حول كيفية لفت أنظار السادة في الحفلات الراقصة باستخدام المروحة اليدوية.
سخر ريتشارد في سره، لكنه قرر بدافع الصداقة أن يقدم لها نصيحة عملية.
قال ريتشارد “في مثل هذه الأمور، الخبرة العملية أفضل من الكتب”.
كان يرى أنه من الأفضل لغريس أن تحضر الحفلات وتجرب حظها.
وخوفاً من أن تظل وحيدة في الحفل دون شريك يراقصها، رأى أن من واجبه كصديق وفيّ أن يكون هو أول من يطلب يدها للرقص؛ فالسيدة التي تبدأ رقصتها الأولى مع اللورد سبنسر ستصبح فوراً محط أنظار الجميع.
قالت غريس بتلعثم
“نعم.. لقد أخبرتني الليدي مونتاغيو أيضاً بضرورة حضور الحفل الراقص بعد أيام قليلة”.
تهلل وجه ريتشارد معتبراً إياها فرصة مثالية لمنح صديقته بعض الخبرة، لكن ملامحه سرعان ما تبدلت حين سألها عن مكان الحفل وأجابت
“في قاعة الاجتماعات العامة “.
بالنسبة لريتشارد، كانت هذه القاعات سوقاً عامة ومبتذلة يبحث فيها الناس عن شركاء للزواج، وهو الذي لم يطأها قط، ويفضل الحفلات الخاصة للنخبة.
تضايق ريتشارد؛ لماذا لم ترتب الليدي ماري دعوة خاصة لها؟ لكن الأوان قد فات، ووجد نفسه أمام مسؤولية أخلاقية بصفته صديقها الوحيد.
بدأ يفكر بجدية، هل يتركها تذهب وحدها؟ تخيل غريس تقف وحيدة ومنبوذة بجانب الحائط بينما يتجاهلها الجميع، وربما يبدأ الناس في النبش في أصلها وعن والدتها أنابل غورتن.
شعر ريتشارد بضيق في صدره؛ فالتجاهل والهروب وهما تخصصه صارا مستحيلين الآن أمام واجب الصداقة.
وبلهجة تملؤها التضحية والترفع، قال ريتشارد
“في أي ساعة يجب أن أكون مستعداً؟”.
استغربت غريس “عفواً؟”.
تابع ريتشارد
“بصراحة، أنا أكره تلك القاعات العامة ويصيبني التفكير فيها بالصداع، لكن لا يمكنني ترك صديقتي تذهب وحيدة دون مرافق ، ستبدين بائسة هناك ولن تجدي أحداً تتحدثين معه. لذا، ليس أمامي خيار آخر.. سأرافقكِ أنا”.
شعر ريتشارد في تلك اللحظة وكأنه بطل ينقذ امرأة من كارثة محققة، أو كأنه يمنحها هبة لا تستحقها إلا منه.
ظن أن غريس ستتمسك بيده كغريق وجد طوق نجاة.
لكن المشلول الذي ظن ريتشارد أنه سيشفيه، وقف فجأة على قدميه بكل ثقة، و المرأة الضعيفة التي أراد حمايتها تصدت للموقف ببراعة لاعب رغبي محترف.
انحنت غريس بابتسامة اعتذار رقيقة، وقالت لليد الممدودة إليها
“أشكرك جداً على عرضك يا سيدي.. ولكن اللورد ويلفورد سيرافقني بالفعل”.
يتبع…
🦋——————–🦋
سبحان الله وبحمده 🍒
سبحان الله العظيم🍒
استغفر الله واتوب اليه 🍒
تمت الترجمة بواسطة لونا 🎀
*حسباتي على الواتباد ، هيزو مانغا ، نادي الروايات :luna_aj7
التعليقات لهذا الفصل " 44"