وحين استيقظ في الصباح الباكر وطلب صحيفة اليوم، رسم سيباستيان علامة الصليب امتناناً، شاعراً بالراحة لأن الروح الشريرة قد غادرت جسد سيده أخيراً.
من ذا الذي يفهم معاناة خادم يراقب سيده، الذي كان رمزاً للانضباط، وهو يغرق في الكسل والخمول؟
ومن يدرك مرارة رؤية الرجل الذي كان يوبخه على أدنى تجعيدة في سترته، وقد غارت عيناه وأحاطت بهما الهالات الأرجوانية من السهر؟
ومع ذلك، كان ريتشارد يغادر غرفته كثيراً في فترات بعد الظهر.
تساءل سيباستيان إن كان يمارس ركوب الخيل، لكن ثيابه لم تكن تدل على ذلك.
كان حتماً يتجول داخل القصر، لكن سيباستيان لم يدرك أين يذهب، حتى أنه فكر في تتبعه خوفاً من أن يكون مصاباً بداء السير أثناء النوم.
لو كان أي شخص آخر غير ريتشارد سبنسر، لظن سيباستيان أنه يعاني من لوعة الحب، لكن ريتشارد الذي يعرفه لا يمكن أن يحب أحداً لدرجة تصل به إلى هذه الحالة.
ولذا، فكر سيباستيان جدياً في زيارة منجم مشهور في باث لجلب تميمة أو حجاب، فقد سمع أن من تتلبسهم الأرواح يتصرفون هكذا.
سأل ريتشارد فجأة
“سيباستيان، هل غريس في المكتبة؟”.
كان ريتشارد يشعر بخفة استثنائية اليوم وأمس؛ فمنذ قرر بكرمه أن يصبح صديقاً لغريس غورتن، غمرته طاقة وحيوية غريبة.
ما أجمل ألا تضطر لإخفاء شيء، وأن تقترب من شخص يعرف حقيقتك! لأول مرة في حياته، يختبر ريتشارد هذا النوع من الراحة.
الآن فقط فهم لماذا كان سيباستيان يلح عليه لتكوين صداقات، لكنه لو عاد بالزمن لما استمع لتلك النصيحة؛ فليس كل الناس غريس غورتن.
قبل أن يحدد علاقته بها كـصداقة، كان ريتشارد كراعٍ أضاع خرافه .
تذكر قول القس في الجامعة عن الجهد المبذول لاستعادة خروف واحد ضال، وكيف سخر من ذلك الفكر حينها معتبراً إياه غير منطقي، لكنه الآن يدرك لذة استعادة ذلك الخروف الذي أكمل قطيعه ليصبح مئة.
غريس غورتن كانت ذلك الخروف الضال بالنسبة لريتشارد؛ خروف لطيف بآذان مستديرة يطل برأسه من خلف الأبواب.. رفيق أكمل نقص حياته.
ورغم أن هذه الصداقة لم تغير روتين يومه بشكل درامي، إلا أنها منحته الحجة للاهتمام بكل ما تفعله غريس علانية.
صدم سيباستيان الذي لم يفهم شيئاً
“غريس؟!”.
كانت تلك المرأة، ثم غريس غورتن، والآن غريس حافية! أي تقلب هذا؟
أجاب ريتشارد ببرود وهو يقلب بعض الأوراق
“نعم، غريس”.
كانت الأوراق تخص نقل ملكية جزء من ثروة الليدي مونتاغيو إلى غريس.
قديماً، كان ريتشارد سيعارض بشدة منح غريس فلساً واحداً، أما الآن فهما صديقان.
بل إنه صار يأمل، بفضل وجود غريس، أن تعيش عمته لعقود أخرى بصحة جيدة.
منذ وقت قصير كان يرفض منحها لقباً بسبب أصلها، والآن يغير رأيه! إن تقلباته سريعة كغليان عصيدة الشوفان.
ألح سيباستيان
“لكن لماذا تناديها أنت غريس؟”.
فهذا الرجل نفسه ينادي خطيبته بلقبها الرسمي الليدي، فكيف ينادي غريس باسمها الأول ببساطة؟
قال ريتشارد “لأننا قررنا أنا وغريس أن نكون صديقين”
“صديقين؟ هل تقصد الصداقة التي يملكها الجميع عادةً، ولم يملك ريتشارد سبنسر منها واحدة قط؟”.
رفع ريتشارد بصره بحدة
“لم أكن عاجزاً عن تكوين صداقات، بل لم أكن أريد. فلنكن دقيقين في الوصف”.
“ولماذا الآن؟”.
“لأنني أرغب في ذلك”.
عجباً! بعد كل الإلحاح ليصادق أحداً، ها هو الخادم يشعر بالقلق الآن.
“لكن لماذا الآنسة غورتن تحديداً؟”.
كان سيباستيان يتخيل صديقاً من طبقة نبيلة يساعده في السياسة والأعمال، وليس امرأة! والأهم من ذلك، كيف يؤمن سيباستيان بصداقة بين رجل وامرأة؟ هو الذي فشل في الحب ثلاث مرات، حاول فيها لعب دور الصديق لينتهي به الأمر برؤية من يحب في أحضان رجال آخرين.
في رأي سيباستيان، لا يوجد رجل يتحدث عن الصداقة مع امرأة دون أن تكون لديه دوافع خفية، أو أنه أحمق لا يدرك مشاعره.
“سيدي، كيف يمكن لرجل وامرأة أن يكونا صديقين؟”.
رد ريتشارد “سيباستيان، كنت أعلم أنك شخص ممل، لكن ليس لهذه الدرجة. تفكيرك قديم وعقلك جامد”.
كتم سيباستيان غيظه، وفكر
‘ ألم يقطع العوام رؤوس الملوك في بلاد أخرى ليفهم النبلاء معنى مواكبة العصر؟’
أصر ريتشارد “يمكن للرجل والمرأة بناء صداقة حقيقية، مثلما فعلت أنا وغريس”.
التعليقات لهذا الفصل " 43"