*اللهم افتح عليّ فهمك، وعلّمني ما ينفعني، وانفعني بما علمتني، وزدني علمًا.*
※استمتعوا※
🦋—————🦋
لا توجد صداقة حقيقية بين الرجل والمرأة؛ فهذا أمر مستحيل.
ففي أغلب الأحيان، عندما يدعي الطرفان الصداقة، يكون هناك طرف واحد أو ربما كلاهما يخفي مشاعر إعجاب عميقة.
وحتى لو غابت تلك المشاعر حالياً، فإنهما يتركان باب الاحتمالات موارباً مع الإصرار على تسمية العلاقة صداقة.
كانت هذه هي فلسفة ريتشارد سبنسر الراسخة حتى ساعات قليلة مضت.
لكن ريتشارد، الذي يرى نفسه شخصاً متفتحاً ومتحرراً، أراد كسر هذه القوالب التقليدية، ولذلك قدم عرضه لـغريس غورتن.
كان يؤمن أن هذه الفلسفة المتزمتة تخص رجالاً أمثال إدموند بوفورت أو تيريسيوس ويلفورد؛ أولئك الذين تمنعهم قيمهم المحافظة والمملة من بناء صداقات مع النساء.
أما أصحاب العقول المرنة أمثاله فهم الوحيدون القادرون على التفكير خارج الصندوق.
سألته غريس ببراءة وعيناها المتسعتان تلمعان
“أنا.. أكون صديقة لللورد الشاب؟”.
كانت تبدو فاتنة، بل في غاية الرقة.
لطالما سخر منه الناس في غرينتابريدج ووصفوه بالنرجسي لأنه يطيل النظر إلى انعكاس صورته في الماء، لكن ريتشارد لم يكترث، لأنه كان يتفق معهم داخلياً.
فالناس يحكمون على المظاهر فقط، وهو ما كان يظهره لهم.
لكن غريس رأت جانبه الخفي، ومع ذلك ظلت تكن له المودة.
شعر ريتشارد بمزيج غريب من الراحة والسكينة؛ شعور يصعب وصفه، ربما هو الاطمئنان.
فقليلون هم من رأوا الندبة التي بوجهه، وكل من رآها أبدى رد فعل سلبياً؛ والده رفضها، ووالدته اشمأزت منها، بينما شعر الآخرون بالألم أو الفضول.
لو كان ريتشارد شخصاً عادياً، لكانت الندبة مجرد ضريبة بسيطة للنجاة من مرض الجدري، لكنه سليل عائلة نبيلة والوريث المنتظر، وهذا ما جعل العيب في وجهه وصمة عار تمس كرامة العائلة.
وزاد الأمر سوءاً وجود شقيقه التوأم لانسلوت الذي نجا بوجه مثالي، مما جعل والدتهما تطالب باستبدال ريتشارد به في وراثة العائلة.
وحده دعم الليدي ماري مونتاغيو هو ما أنقذ مكانته في النهاية.
كانت تلك الندبة الصغيرة تحمل تاريخاً ثقيلاً من الصراعات، لذا لم يكن أحد ينظر إليه بحيادية.. باستثناء غريس.
عندما ذكرت جانبه الخفي، لم يظهر على وجهها سوى خجل بسيط. لم تكن تدرك مدى تأثير رد فعلها الهادئ هذا على ريتشارد.
سألها ريتشارد مجدداً بلهجة لا تقبل الرفض
“هل يزعجكِ الأمر؟”.
أجابت بتردد
“لا.. أنا فقط متفاجئة قليلًا”.
بالنسبة لامرأة مثل غريس، كان الإعجاب برجل من بعيد أمراً مريحاً، لكن المشاعر المتبادلة تحمل مسؤوليات وعواقب.
فبمجرد أن يبدأ الإنسان في رفع سقف توقعاته، قد يتحول الفرح إلى ألم ويأس.
بدأت غريس تتغير بالفعل، وأصبحت تنتظر لقاءاتهما العارضة في الحديقة بشوق.
حثها ريتشارد قائلاً
“إذا لم تكوني تمانعين، فلنجرب”
وهو يجهل صراعها الداخلي. في الحقيقة، لم يكن لريتشارد أصدقاء حقيقيون؛ فقد كان يكره أن يكشف أوراقه لأحد لأن ذلك سيقود حتماً لكشف عيوبه.
لكن غريس كانت الصديقة المثالية؛ فهي تعرف عيوبه الحالية وتحبه، ولا تعرف شيئاً عن ماضيه الذي يريد إخفاءه.
ألح ريتشارد في طلب الرد، فأجابت غريس بتردد
“إذا كان هذا يرضيك..”.
لم يكن هذا ما تتمناه حقاً، لكنها لم تستطع الرفض.
فمنذ أتت إلى ليدون، كان لريتشارد تأثير السحر عليها، وهو تأثير جعلها توافق حتى على طلبات الليدي مونتاغيو فقط لتبقى قريبة منه.
وهكذا، وجدت نفسها منساقة وراء هذه الصداقة الغريبة.
كان ريتشارد يشبه قط تشيشاير؛ يظهر فجأة ويختفي فجأة، وعلى غريس أن تتقبل شروطه.
وفي علاقة قائمة على التبادل، يمكن لهذا الغموض أن يكون مرهقاً جداً.
قالت أخيراً “سأفعل”.
فقد كان ريتشارد يتوقع قبولها على أي حال، مغروراً بجاذبيته التي لا تقاوم.
في الأساطير، نرجس لا يحب إلا نفسه، و إيكو (الصدى) تحب نرجس الذي لا يرى سواها.
وفي الواقع، ريتشارد سبنسر لا يحب إلا نفسه، وغريس غورتن تحب هذا الرجل.
نرجس لا يستطيع حب الآخرين، ليس لأنه لا يريد، بل لأنه محروم من هذه القدرة، تماماً كحال ريتشارد الذي لم يتلقَّ الحب في طفولته فنسي كيف يمنحه في كبره.
أما إيكو فلا تستطيع حب نفسها، كغريس التي تفتقر للميزات التي تجعلها محبوبة في أعين الناس، فصار حب ذاتها تحدياً كبيراً.
وجدت غريس سعادتها في حب الطبيعة، وحب الرياضيات، وحب ريتشارد سبنسر.
وكما يكرر الصدى كلمات الآخرين، كانت غريس تسير دائماً خلف رغبات الآخرين؛ الليدي مونتاغيو، ثم تيريسيوس، وأخيراً ريتشارد.
قد يتعاطف الناس مع إيكو ويلومون نرجس، لكن في الحقيقة، كلاهما ضحية لظروفه.
التعليقات لهذا الفصل " 42"