قالت ماري مونتاج بابتسامة مبتهجة وهي تفتح موضوع الحديث.
بمجرد نطقها بذلك، قطب ريتشارد سبنسر الذي ظهر على مائدة الإفطار في لفتة نادرة حاجبه الأيمن بانزعاج.
ولحسن الحظ، كان رأسه منحنياً وهو يدهن المربى على خبزه، فلم يلمح أحد تعابير وجهه.
“تيريسيوس ويلفورد؟”
سأل لانسلوت سبنسر وهو يلتفت نحو ماري بنظرة تحمل عدم الاستحسان.
كان الأمر منطقياً؛ فتيريسيوس ويلفورد لم يكن بتلك الأهمية التي تستدعي دعوته لحفلة شاي خاصة بعائلة سبنسر.
فهو مجرد نبيل من الأقاليم، ولم يترك والده بصمة تذكر في السياسة بعد.
“عمتي، أليس ذلك الرجل…؟”
بدأت فريا سبنسر بالاعتراض بملامح ممتعضة، لكن ماري مونتاج قاطعتها بنظرة عتاب.
“فريا، هذه حفلتي أنا. وبصفتي المضيفة، فلي وحدي الحق في اختيار المدعوين.”
رغم حب ماري لأبناء أخيها الثلاثة، إلا أن طريقة تعاملها معهم كانت تختلف؛ فقد كان ريتشارد المفضل لديها والأكثر احتراماً، بينما كانت صارمة مع فريا، وهو ما كان ريتشارد يجده مؤسفاً لفرط تدليله لأخته.
كرهت ماري غرور فريا، ولولا صلة الدم لما أعارتها أي اهتمام.
لكن بما أن الدم لا يصير ماءً، فقد بذلت جهداً للتواصل معها، وإن لم يخلُ الأمر من التوبيخ المستمر.
ولهذا السبب، لم تكن فريا تحب رؤية الليدي مونتاج؛ فلا أحد يحب قريبة لا تتوقف عن إلقاء المحاضرات.
“لكن يا عمتي…”
“إذا لم تختلطي إلا بمن هم من طبقتكِ فقط، فسينتهي بكِ الأمر مع حفنة من العائلات والنبلاء.
كم شخصاً سيبقى حولكِ حينها؟ حتى أنا، الجالسة معكِ الآن على نفس الطاولة، لا أعدو كوني مونتاج بسيطة في نظر الأرستقراطية العظمى.”
جعل تهكم ماري عيني فريا البنفسجيتين تحمران خجلاً وإهانة. وفي تلك اللحظة، تدخلت كونتيسة سبنسر.
“فريا، لا يليق بسيدة شابة أن تستقل عربة مكشوفة في الأرياف أو الأماكن العامة.
بالأمس رأتكِ الليدي مورلاند في رويال كريسنت، وقالت لي إنها كادت تموت خجلاً من أجلكِ. كما أن العربات المكشوفة تثير الغبار، وهي غير صحية.”
كانت الكونتيسة صارمة مع فريا تماماً كماري، لكن اهتماماتهما كانت مختلفة؛ فبينما ركزت ماري على القيم، كانت الكونتيسة مهووسة بالبروتوكول والنظافة لدرجة مرضية.
“لا تفكري في نفسكِ إلا من خلال نظرة الآخرين لكِ. أظهري فقط ما يريد الناس رؤيته.”
“أمي، لقد كنتُ مع لانسلوت…”
أجابت فريا بصوت منخفض، لكن الكونتيسة قاطعتها
“لانسلوت رجل، وهذا مقبول للرجال وليس للسيدات الشابات. وبمجرد ظهوركِ الرسمي الأول العام القادم، سنناقش زواجكِ من عائلة وينشستر. وإذا سمعتُ شيئاً كهذا مجدداً، سأرسلكِ إلى ليدون وأحبسكِ لثلاثة أيام بلياليها.”
عضت فريا شفتها بمرارة.
سرعان ما توترت الأجواء على الإفطار. نظرت إلينور ديستري إلى الكونتيسة وفريا قبل أن تقول
“ليدي مونتاج، من سيحضر حفلة الشاي اليوم؟”
“تيريسيوس ويلفورد، وغريس، وأنا. ثلاثة فقط”
أجابت ماري بابتسامة لطيفة.
سألت إلينور مجدداً
“هل يمكنني الانضمام إليكم؟”
“أنتِ يا ليدي ديستري؟”
سألت ماري بتعجب.
“لقد حضرتُ المسرحية مع اللورد ويلفورد المرة الماضية، وأنا أعرفه.”
“فهمت!”
أشرق وجه ماري مونتاج؛ فوجود إلينور سيلطف الأجواء ويخفف من حدة الحفلة التي قد تبدو كجلسة تدبير زواج صريحة.
“إذاً سأنضم أنا أيضاً.”
رفع لانسلوت يده اليمنى قليلاً، مما جعل الكونتيسة وفريا يتنهدن بضيق.
“يا للهول يا لانسلوت!”
“لانسلوت!”
“من فضلك يا لانسلوت، تفضل بالحضور”
قالت الليدي مونتاج بابتسامة هادئة، مما أسكت الاعتراضات سريعاً.
“إذاً سنخرج أنا وأمي اليوم”
أعلنت فريا بحدة، ونهضت الكونتيسة لتلحق بها.
“ريتشارد، هل ستنضم إلينا أنت أيضاً؟”
عندما غادرت الكونتيسة وفريا، توجهت ماري بالحديث لريتشارد تلح عليه بالحضور.
والتفتت إليه أيضاً أنظار إلينور ولانسلوت وغريس بانتظار إجابته.
كان ريتشارد في حيرة؛ فلا مبرر لمنع تيريسيوس من الحضور، لكن فكرة وجوده لم تكن تسره بتاتاً.
في الماضي، كان سيعتذر عن الحضور بكل بساطة.
فما شأنه بألعاب الحب التافهة وخطط الزواج التي تخص شخصاً مثل غريس غورتون؟
وزيادة على ذلك، الطرف الآخر هو تيريسيوس ويلفورد المزعج.
بعد مسرحية حلم ليلة منتصف الصيف، وقف تيريسيوس أمام غريس مبتسماً ابتسامة بدت لريتشارد وكأنها خارجة من الجحيم؛ فبفعل ضوء القمر المائل للزرقة، بدت ابتسامته العريضة كطيف ممسوس.
‘هل فقد سيباستيان عقله ليصف ويلفورد بأنه أنيق؟’
فكر ريتشارد وقتها وهو يجرع النبيذ بضيق.
كان تيريسيوس ويلفورد مليئاً بالطموح، ومن المستحيل أن يقترب من امرأة عادية كغريس بدافع الحب الصادق.
الوقوع في حب امرأة تتلعثم دون مآرب أخرى كان أمراً لا يتصوره ريتشارد.
لا بد من وجود سبب؛ ومع انتشار شائعات تبنيها، بدا واضحاً أنه يقصدها لغرض ما.
فربما سعى للحصول على دعم اللورد أنتوني مونتاج الذي يحظى بمكانة رفيعة لدى الملكة.
امتنع ريتشارد عن قول ذلك لماري سابقاً بدافع الحذر؛ فزيادة الكلام قد تفضح اضطراب مشاعره.
الكلمات ليست الشيء الوحيد الذي يخرج من الفم، فالمشاعر الحقيقية تتسرب أيضاً.
كان ريتشارد دائماً ينهي النقاشات بمجرد ظهور مواضيع غير مرغوبة ليعيش بسلام، لكن الآن، إنهاء المحادثة صار يشعره بضيق وتوتر كأن بداخله نيران مستعرة.
“سأفكر في الأمر.”
شعر ريتشارد أن أعصابه على وشك الانفجار.
متى كان يهتم برأي الآخرين؟ لم يحدث هذا قط في السنوات العشر الماضية.
فجأة، غمره الغضب. لم يكن هذا ريتشارد سبنسر الذي يعرفه.
ماذا قال عنه سيباستيان؟ ريتشارد لا يتراجع، ريتشارد يعيش لنفسه ولا يهتم بالآخرين، ريتشارد نرجسي.
لكن لا شيء من هذا ينطبق عليه الآن؛ فهو يتراجع، ويقلق من كشف مشاعره، ويعاني من حالة بائسة يرفض قبولها.
لقد اختفى ريتشارد القديم. ضغط على فكيه بقوة، وبدا الإحباط واضحاً في ذقنه المشدود.
يقال إن الناس يمرون بخمس مراحل عند مواجهة الحقيقة الصعبة ,الإنكار، الغضب، المساومة، الاكتئاب، والقبول.
“غريس، لماذا لا تقولين شيئاً؟” حثت الليدي مونتاج غريس على الكلام.
وأخيراً، وبينما كان ريتشارد يتخبط في نهر الغضب بعد رحلة في صحراء الإنكار، خاطبته غريس بخجل
“سـ… سيدي اللورد الشاب، إذا انضممت إلينا، سـ… سأكون في غاية السعادة.”
‘إذا كانت ترغب في ذلك بشدة…’
يتبع…
🦋——————–🦋
سبحان الله وبحمده 🍒
سبحان الله العظيم🍒
استغفر الله واتوب اليه 🍒
تمت الترجمة بواسطة لونا 🎀
*حسباتي على الواتباد ، هيزو مانغا ، نادي الروايات :luna_aj7
التعليقات لهذا الفصل " 36"