لا يغرنّك تشتّتُ أمرك، ستأتي إرادةُ الله، فيتيسّر العسير، ويُمهّد الطريق، وتُفتّح الأبواب، فتأتيك كاملة تامة بعطاء الله .
※استمتعوا※
🦋—————🦋
وصلت ماري مونتاج إلى فيلا سبنسر في باث بعد لقائها بسيباستيان عند قارعة الطريق، حيث انتظرها لأربع ساعات طويلة.
وبعد استماعها لشكواه الطويلة والمفعمة بالمرارة، قررت ماري أنها بحاجة لسماع الحقيقة مباشرة من ريتشارد سبنسر.
“ريتشارد!”
“كيف كانت رحلتكِ؟”
عندما نزلت ماري من العربة، صادف أن ريتشارد كان يتمشى. ورغم أنهما لم يلتقيا منذ بضعة أيام، إلا أن ماري اقتربت منه وكأنها تعانق ابناً غاب عنها طويلاً.
“ريتشارد…”
جالت عيناها في وجهه، كان وسيماً كالعادة، لكنها لم تستطع إخفاء صدمتها؛ فقد كانت هناك هالات بنفسجية داكنة تحت عينيه.
وفقاً لكلام سيباستيان، كان ريتشارد يستلقي طوال اليوم محدقاً في السقف، ألا ينبغي أن يكون وجهه نضراً أو مشرقاً نتيجة لذلك؟
في حيرة من أمرها، أخذت ماري بيد ريتشارد وقادته إلى الحديقة التي كانت تزهو بأزهار البنفسج.
“لا بد أنك متعبة، أليس من الأفضل أن ترتاحي بالداخل؟”
“لقد جلست لفترة طويلة لدرجة أن الدماء توقفت عن الجريان في ساقي، أحتاج للمشي.”
كانت حديقة الفيلا تبدو أكثر طبيعية وبساطة مقارنة بقصر ليدون، ويعود ذلك جزئياً لموقعها في بلدة سياحية، ولتأثير ريتشارد أيضاً.
فبدلاً من قضاء عطلته في ليدون، كان ريتشارد يفضل المجيء إلى باث، ليس حباً فيها، بل هرباً من البقاء في ملكية سبنسر الرسمية.
وبينما يتواجد ريتشارد هنا، كانت كونتيسة سبنسر التي تحب باث تمتنع عن وضع قدمها في الفيلا، وهو اتفاق غير مكتوب بينهما.
“أين هي غريس؟”
“على الأرجح في المكتبة، هل أرسل سيباستيان لإحضارها؟”
“لا داعي لذلك، سأراها عندما أدخل على أي حال.”
“حسناً.”
بعد محادثة قصيرة مع غريس غورتون، كان ريتشارد قد غادر المكتبة على عجل.
ففي اللحظة التي أدرك فيها أن عينيه المتمردتين لا تتوقفان عن النظر إلى تلك الشامة الصغيرة على وجنتها اليسرى، حملته ساقاه اللتان لا تزالان تحتفظان ببعض العقلانية إلى الخارج.
أقسم ريتشارد سبنسر أنه لم يلاحظ شامة في وجه أحد طوال حياته، خاصة إذا كان حجمها أقل من مليمتر واحد.
لقد استغرقه الأمر عشر سنوات ليلاحظ ثؤلولاً ضخماً خلف أذن سيباستيان، وعندما ذكره أخيراً كاد سيباستيان يغشى عليه، ومع ذلك لا يتذكر ريتشارد في أي أذن كان.
لو طلب منه أحد وصف وجه إلينور ديستري، لواجَه صعوبة في ذلك؛ فكل ما يخطر بباله هو صورة عجينة تطفو فوق ملامح مطلية بالجص.
“أنت هادئ على غير عادتك اليوم يا ريتشارد،”
علقت ماري بخيبة أمل، ومع ذلك كانت عيناها تلمعان كفتاة صغيرة أمام قطعة حلوى شهية، وهي نظرة لم يلحظها ريتشارد المستغرق في أفكاره.
“لا شيء، أظنني متعباً فقط بعد انتهاء الفصل الدراسي.”
متعب من الفصل الدراسي؟ هراء. إن قدرة ريتشارد سبنسر الحديدية جعلته يتجاوز الامتحانات ومباريات الرغبي دون شكوى، لكنه الآن يئن مثل معدن أصابه الصدأ، غارقاً في عصير البنفسج وكأن فولاذ عزيمته قد تآكل.
“هل هناك ما يزعجك؟”
“يزعجني؟ أنتِ تمزحين بالتأكيد.”
أجبر ريتشارد نفسه على الابتسام.
‘في الحقيقة، هناك الكثير في عقلي’
أراد أن يصرخ بها للعالم، لدرجة أنه فكر في استشارة منجم ليتنبأ بمستقبله، فمدينة باث كانت ملاذاً للعرافين الذين يتربحون من العشاق.
لكن هل يعقل أن يرتاد اللورد الشاب الموقر ريتشارد سبنسر مثل هذه الأماكن؟ خلال ساعة سيعرف سكان باث جميعاً، وخلال اثني عشرة ساعة سيصل الخبر إلى ليدون.
هذا هو قدر الرجل المشهور والنبيل.
“على أي حال، هل توطدت علاقتك بغريس؟”
قال سيباستيان إن ريتشارد لا يزال ينظر إليها بشك، بينما تمضي غريس في طريقها.
سألت الليدي مونتاج بنبرة عتاب خفيفة، آملةً أن يتفقا.
“وماذا سأجني من توطيد علاقتي بها؟”
تظاهر ريتشارد بالجهل. وفي الحقيقة، لم تكن لديه رغبة في الاقتراب منها.
سابقاً، كان يكرهها لأنه خشي أن تكون مغوية، والآن يكرهها لأنه يخشى ألا تكون كذلك! فلو كانت مغوية حقاً، لكان عذابه أهون بكثير.
“ولكن إذا أصبحت غريس ابنتي…”
بدت ماري مونتاج جادة، وبدون أن يشعر، حشد ريتشارد كل طاقته في أذنيه ليركز في كلماتها.
هل سيكون تبني غريس أمراً جيداً حقاً؟ بما أنه لم يجد نقاطاً مريبة حولها، فلا بأس بالتبني، وكما قال سيباستيان، هي لن تبذر ثروتها.
إذاً، لماذا يشعر بهذا الانقباض؟ لماذا بدا النسيم بارداً فجأة؟ ولماذا شعر وكأن السماء أظلمت؟.
“آمل أن ترعاها وكأنها أختك الصغرى. أعلم أن لديك فريا، ولا أطلب منك الاهتمام بغريس بقدرها، لكنني وأنتوني كبرنا الآن ولا نفهم كل ما يدور في عقل الفتاة.
أنت صاحب مكانة في المجتمع، وإذا كنت لطيفاً معها، فسيساعدها ذلك على التأقلم. فضلاً عن أنكما في نفس العمر تقريباً، سأكون ممتنة جداً لو عرفتها على أشخاص جيدين.”
آه، كم هذا منطقي. من بين كل ما سمعه مؤخراً، كان هذا الطلب هو الأكثر عقلانية.
لم يستطع ريتشارد الإجابة فوراً وعض شفته بإحباط، فأساءت ماري الفهم وظنت أنه مستاء، وبدا وجهها وكأنها على وشك البكاء، وهي حيلة تتبعها دائماً للتأثير عليه.
“ربما طلبت منك الكثير، أنا آسفة يا ريتشارد، انسَ ما قلته.”
بدأت الدموع تملأ عيني ماري الخضراوين بنفس لون عيني ريتشارد، كانت تلمع كقطرات الندى.
لهذا السبب كان اللورد أنتوني يلين أمامها دائماً؛ فهو لا يطيق رؤية دموع النساء.
استسلم ريتشارد وأومأ برأسه، وفوراً استعادت عينا ماري بريقهما الواضح.
“شكراً لك يا ريتشارد، أنت تعلم أنني أثق بك، أليس كذلك؟”
أومأ ريتشارد بصمت مجدداً، فذلك كان حقيقة على أي حال.
“بالمناسبة…”
تلفتت ماري حولها لتتأكد من خلو المكان، ثم خفضت صوتها وقالت له بلهجة شقية كالاطفال
“في الواقع، لقد بدأت أبحث عن خطابين محتملين لغريس.”
“عفواً؟”
للحظة، شك ريتشارد في سمعه. خطّاب لغريس؟
“تبحثين عن خطّاب قبل أن يتم تبنيها رسمياً حتى؟ هل يعني هذا أنكِ تخططين لتزويج غريس غورتون فوراً؟”
كان سؤال ريتشارد يحمل نبرة استنكار.
إن إحضار امرأة قضت أيامها في الدراسة بمدينة غرينتابريدج الهادئة إلى ليدون يعني منحها عامين أو ثلاثة لتكوين صداقات واكتساب خبرة اجتماعية، أليس كذلك؟
أما التعجيل بزواجها وكأنها طبخة سريعة، فهو أمر لا يليق بسيدة نبيلة.
“ليس فوراً بالطبع، لكنني أريد الاستقرار على عريس في أقرب وقت، حتى لو دامت الخطبة لعام أو عامين.”
على عكس ريتشارد، كان رد ماري يفتقر للحماس؛ فلو لم تكن مريضة وتعرف أن أيامها معدودة، لما شعرت بكل هذا الاستعجال لتأمين مستقبل غريس.
“مع ذلك… أفهمكِ.”
لانَ صوت ريتشارد، لكن هذه المرة بدا هو الكئيب.
“على أي حال، بالنظر لوضع غريس، هناك شابان يبدوان مناسبين كزوجين محتملين.”
“من هما؟”
“تيريسيوس ويلفورد من كورنوال، وإدموند بوفورت من بيمبروك.”
رفع ريتشارد حاجبه الأيمن، مكرراً الأسماء عدة مرات قبل أن يستوضح
“من قلتِ؟”
“أوه، لا تتظاهر بأنك لم تسمع، فأنا أعرف أنهما من زملائك، بل سمعت شائعات بأنك تلاكمت معهما خلال مباريات الرغبي.”
ضحكت ماري مونتاج وكأن الأمر مسلٍ.
“لم أكن أعلم أنك تميل للعراك، لم تفعل ذلك حتى مع لانسلوت.”
“لم يكن أمراً جدياً.”
“لن أسألك عن التفاصيل، فالرجال يكبرون أحياناً بتبادل اللكمات، المهم هو أنك كنت تضرب بقوة أكبر وأكثر.”
“……”
قطب ريتشارد جبينه. تباً، لقد انتشرت الشائعات بالفعل.
هذه هي ضريبة الشهرة، على الأقل كان محقاً في تجنب العرافين.
“كلتا العائلتين في وضع مادي مريح وتحملان ألقاباً تناسب غريس. السؤال هو, أي نوع من الرجال هما؟ وأنت الشخص الوحيد الذي يمكنه إجابتي، أليس كذلك؟”
نظرت ماري إلى ريتشارد بتأمل، فكتم صرخة مكتومة. لقد وصلت الأمور إلى هذا الحد إذاً.
يتبع…
🦋——————–🦋
سبحان الله وبحمده 🍒
سبحان الله العظيم🍒
استغفر الله واتوب اليه 🍒
تمت الترجمة بواسطة لونا 🎀
*حسباتي على الواتباد ، هيزو مانغا ، نادي الروايات :luna_aj7
التعليقات لهذا الفصل " 34"