بدا أن وليّ العهد عازمٌ، في نهاية المطاف، على التسبّب بحادثة ما. تنفّس إدوين الصعداء عندما بلغه خبرُ أنّ لورنسن يعتزم سنّ قانون نزع السلاح.
بحجّة أعمال الشغب في الدول المجاورة، سيُمنَع الجميع من حمل السلاح باستثناء الجيش والشرطة الضروريَّين للأمن، لكن بما أنّ المناصب القيادية في الجيش والشرطة يشغلها جميعًا أشخاص موالون للعائلة المالكة، فلم يكن من الصعب توقّع مَن ستحميه تلك البنادق ومَن ستوجَّه إليه.
ليس من المستحيل فهم ذلك القلق الذي يبعثه ضعفُ قوّة العائلة المالكة وسلطتها، وشرفُها الذي لم يعد سوى مظهرٍ فارغ. فكلّما كثر ما في اليد، كان الخوف من فقدانه أمرًا طبيعيًّا.
لكن كان ينبغي التفكير في إيجاد توازنٍ مناسب، لا أن يعودوا، كيفما اتّفق، إلى ماضٍ بات التفكير فيه نفسه غابرًا.
“سمو الدوق!”
كان ذلك في الوقت الذي كان فيه إدوين يرى أنّه لا بدّ من تفجير فضيحة الفساد السلطوي في شرطة العاصمة عبر مقال صحفي. عندها اندفع سكوت يبحث عن إدوين على عجل.
“ما الأمر؟ لِمَ كلّ هذه الجلبة؟”
“سمو الدوق، جاء شخص من القصر.”
“لماذا؟”
“يقولون إنّ سموها قد مرضت مجددًا.”
مجدّدًا؟ ما إن نهض إدوين فجأة من مكانه حتّى انزلقت الكرسي إلى الخلف مصدرةً صوتًا مزعجًا.
“ما الذي لم يكن على ما يرام؟ هل عادت الحمى للارتفاع؟”
“لا. الأمر ليس كذلك… يقولون إنّها تعرّضت لنزيف…”
في اللحظة التي سمع فيها الكلمة غير المتوقّعة، توقّف عقله. لم يستطع إدوين التفوّه بأيّ كلمة، ولم يتحرّك سوى شفتيه لبرهة.
“بمعنى، النزيف… هل كانت صاحبة السمو حاملاً…”
عند السؤال الذي ألقاه بغباء، أومأ سكوت برأسه بصعوبة.
“سأعود إلى القصر فورًا، لا تبحثوا عنّي ما لم يكن هناك أمرٌ عاجل.”
أمسك إدوين سترته وبدأ يهبط الدرج مسرعًا. كان ذلك قبل أن يتمكّن سكوت حتى من الردّ.
“إلى قصر ترييد. بسرعة!”
لم يكن لدى إدوين متّسعٌ من الوقت لانتظار العربة التي تحمل شعار العائلة، فاستوقف عربةً مأجورة عابرة وصعد إليها. وحين استعجل السائق، أمسك هذا الأخير باللجام على عجل وملامح الارتباك بادية على وجهه. كانت العربة رديئة المظهر، ومقاعدها بالغة الإزعاج، لكنّها سريعة، فاندفعت تتمايل يمينًا ويسارًا وهي تشقّ الطريق على عجل.
“يا صاحب السمو!”
في القصر الذي وصل إليه أخيرًا، كان الجميع في حالة من الاضطراب والحيرة أمام وضعٍ لم يسبق لهم اختباره. ما إن رأى إدوين بنجامين حتّى قفز من العربة المأجورة.
“بنجامين، كيف حال صاحبة السمو؟”
“هي تستريح الآن بعد أن خضعت للفحص. ولحسن الحظ، ليس إجهاضًا.”
أجاب بنجامين فورًا. كان وجهه يُظهر بوضوح الارتياح لعدم سماع خبرٍ فاجع داخل القصر.
“هذا جيّد.”
كان ذلك، على الأقلّ، باعثًا على بعض الطمأنينة. وإن كان لا يدري إن كان الأمر يُعدّ خيرًا لكورديليا أيضًا، التي لا بدّ أنّها شعرت بألمٍ وهي تنزف فجأة. مسح إدوين وجهه بيده وضبط تعابيره، ثم دخل إلى الملحق وطرق باب غرفة نوم كورديليا.
“صاحبة السمو، إدوين هنا.”
لم يُسمَع أيّ صوت من الداخل، لكنّ الباب فُتح سريعًا. دخل إدوين الغرفة على عجل وألقى نظرة حوله.
كانت كورديليا مستلقية على السرير، كأنّها غارقة بين الوسائد الناعمة، وكان الطبيب سييرس يرتّب حقيبة الزيارة الطبية، ثمّ عندما لمح إدوين، انحنى تحيّة صامتة.
“كيف حال صاحبة السمو؟”
“لحسن الحظ، لم يكن النزيف شديدًا، والطفل بخير.”
جلس إدوين على حافة السرير، وسأل الطبيب، الذي لم يغادر بعد، عن حالة كورديليا. فأجاب بلطفٍ قدر الإمكان عن السؤال الذي كان يتوقّعه. بدا أنّه ظنّ أنّ الزوجين لا بدّ أنّهما قد فزعا، بعد أن كادا يفقدان طفلهما.
“غير أنّ صاحبة السمو تبدو وكأنّها تعاني من توتّرٍ شديد، لذا أرى أنّه ينبغي العناية بالبيئة المحيطة بها بدقّة. كما يجب الامتناع، لفترة، عن أيّ تصرّفات قد تشكّل عبئًا.”
وبالطبع، حتى في خضمّ ذلك، لم ينسَ الطبيب ما ينبغي قوله. فهو طبيب، وحالة المريض هي الأهمّ. أومأ إدوين برأسه دلالةً على الفهم، ثم التفت إلى كورديليا.
كان وجهها الصغير الأبيض شاحبًا أكثر من المعتاد، وكأنّ الصدمة أصابتها بشدّة. كان قد شعر مؤخرًا بأنّ شيئًا ما ليس على ما يرام. من انغماسها المفرط في قضاء الليل معه، إلى تصرّفاتها التي بدت غير مستقرة على نحوٍ ما.
“صاحبة السمو.”
أمسك إدوين بيد كورديليا. فارتعشت، ونظرت إليه بوجهٍ شارد.
“هل أنتِ بخير؟”
لم تفتح كورديليا فمها. فلو قالت إنّها بخير لكان كذبًا، ولو قالت إنّها ليست بخير لكان كذبًا أيضًا. شعر إدوين أنّه طرح سؤالاً غريبًا، فضمّها إليه بهدوء. انساقت كورديليا بلا مقاومة، وأسندت وجهها إلى صدره.
“قالوا إنّي حامل.”
تحدثت كورديليا فجأة بصوتٍ خافتٍ كاد ينطفئ.
“لم أكن أعرف.”
“ولا أنا كنت أعلم.”
كان هذا أوّل اختبارٍ لكليهما في أن يصبحا والدين، ولم تكن هناك طريقة لمعرفة ما إذا كانت كورديليا حامل وسط الحياة اليومية العادية. لذا تمنى إدوين ألّا تشعر بالذنب لعدم معرفتها بذلك.
“من حسن الحظ أنّ الطفل لم يُصب بسوء.”
على أمل أن تجد كورديليا بعض العزاء في سلامة الطفل، طبع إدوين قبلةً خفيفة على رأسها.
“……كيف تشعر؟”
عندها سألت كورديليا بهدوء. ارتبك إدوين قليلًا من السؤال غير المتوقع. فبالنسبة إلى حياةٍ صغيرة لم يعرف بوجودها إلا قبل لحظات، كان من الجائز القول إنّه لا يكاد يحمل أيّ مشاعر تُذكر.
وكان ذلك أمرًا طبيعيًّا، ليس له وحده، بل لأيّ رجل. فهو ليس مَن يحمل الطفل في بطنه، ولا يمكنه أن يشعر بالأمر على الفور.
“أنا سعيد.”
لكنّ الجميع يعرف أيضًا أنّ هذا ليس حديثًا يُقال أمام زوجةٍ حامل. لذلك أجاب إدوين على هذا النحو، وطبع قبلةً على ظهر يد كورديليا. نظرت كورديليا بهدوء إلى يدها التي كان لا يزال يمسك بها ويقبّلها.
“لماذا؟”
كان سؤالًا آخر لم يُفكّر فيه. حاول إدوين أن يُعمل ذهنه على عجل.
“هل لأنّ في ذلك فائدة لكِ؟”
وقبل أن يلقي إدوين إجابته، طرحت كورديليا سؤالها ذو المغزى.
“ماذا تقصدين؟”
“لأنّه طفل أميرة. تساءلت إن كان ذلك مفيدًا لك أيضًا.”
“سيكون مفيدًا من حيث الصلة بالعائلة المالكة.”
لا. لعلّه بالغ في ردّة فعله لأنّ في الأمر ما يثير قلقه. وهو يفكّر بذلك، قدّم إدوين جوابًا عقلانيًّا. مع أنّه كان يؤمن، في قرارة نفسه، أنّه حتى لو أنجبت كورديليا طفله، فلن يقرّبه ذلك أكثر من العائلة المالكة. وعلى أيّ حال، لم يكن ليستطيع القول إنّ ذلك الطفل سيجلب له الشركة.
“إدوين.”
“نعم.”
“هل تحبّني؟”
خرج الصوت المدفون في صدرها كتمتمة، لكنّه لم يكن غير مفهوم إلى هذا الحدّ. ففي الآونة الأخيرة، كانت كورديليا تسأل عن الحبّ على نحوٍ مريب.
يقولون إنّ المرأة تشعر بالضياع والقلق حين تحمل، ولعلّ هذا كان أثرًا من تلك الآثار. وكان من حسن الحظّ أنّه اعتاد معاملتها بلطف. فلو سألها لماذا تتصرّف على هذا النحو الغريب، لجرح مشاعرها أكثر.
“تسألين عن أمرٍ بديهيّ مجددًا.”
لذا ابتسم إدوين بلطفٍ لم يسبق له مثيل، وأجاب سريعًا، واثقًا أنّ ذلك سيسعد كورديليا.
“……كاذب.”
لكنّ كورديليا، بعدما سمعت أنّه يحبّها، كانت تنظر إليه بعينين مليئتين باللوم.
“ليس صحيحًا.”
“صاحبة السمو، ما الذي تقولينه…”
“ليس صحيحًا!”
دفعت قبضتاها كتفي إدوين. فتراجع على مضض أمام تلك القوّة الضعيفة. لو قاوم لبذلت كورديليا جهدًا أكبر وأرهقت نفسها. لكنّها، رغم ذلك، أجهشت بالبكاء، وكأنّ حتى تلك المراعاة زادت من ألمها.
“لقد وقّعت عقدًا مع آرون. عقدًا ينصّ على أنّه إذا أنجبتُ طفلاً خلال سنة، تنتقل الشركة إليك فورًا.”
رمت كورديليا بالحديث كالصاعقة. كان ذلك سرًّا لا ينبغي أن يعرفه أحد سوى آرون وإدوين والمحامي.
“مَن الذي أخبرك بهذا…”
“إذًا هذا صحيح.”
رفع إدوين يده إلى فمه، غير قادر على إخفاء ارتباكه. أدرك متأخرًا أنّه كان عليه أن ينفي الأمر فورًا.
“كنتَ تهمس لي بالحبّ كذبًا لتغيّر رأيي في فكرة عدم إنجاب طفل. وبما أنّك لا تستطيع خرق ذلك العقد العظيم، فقد خطّطتَ لاستخدام بند الاستثناء في حال تغيّر المشاعر.”
كان اضطراب إدوين غير المألوف كافيًا ليمنح كورديليا اليقين.
“هذا فظيع.”
“……”
“فظيع حقًّا، أنت…”
ضحكت كورديليا وبكت، وقد أدركت كلّ الخداع الذي كان يحيط بها.
“اخرج.”
“……صاحبة السمو.”
“اخرج، أرجوك.”
توسّلت كورديليا إلى إدوين. لم تكن تملك طاقةً للجدال أو الشجار، فطلبت فقط أن يُبعد عن ناظريها الرجل الذي يستنزف قواها لمجرّد مواجهته.
لم يستطع إدوين أن يرفض ذلك الرجاء. وحين نهض على مضض وفتح الباب، لم تلتفت إليه كورديليا قط، وقبل أن يُغلق الباب كلياً، انحنت بجسدها نصف انحناءة فوق السرير، وانفجرت بالبكاء.
أنّت البطانية التي كانت كورديليا تعتصرها بيدها. واهتزّت النافذة تصطكّ مع الريح.
التعليقات لهذا الفصل " 99"