“غادري.”
شعرت وكأنها ستتقيأ.
كانت المرأة أمام عينيها مروّعة.
“سموكِ، أرجوكِ…”
“قلتُ فهمتُ، اختفي من أمام عيني حالاً!”
حين صرخت كمن يُفرغ شرّه، انهارت هايلي باكية كما لو أن عالمها انهار، ثم نهضت مترنّحة.
كورديليا، وهي تكبح الغثيان المتصاعد، أغمضت عينيها بإحكام.
سيأتي إدوين قريبًا.
ذلك الرجل الذي ظهر ليلة أمس في ساعة متأخرة، وفتح الباب المتصل، وهمس بأنه يريد التحدث قليلاً بعد انتهاء العمل.
هي التي قررت قبول اعتذاره، وتجاهل كل ما لا خير في نبشه، أيّ وجه عليّها أن تواجهه به……؟
مرّ وقتٌ عبثيّ بلا أي إجابة.
وفي داخله، بقيت كورديليا وحيدة، كطفلٍ ضائع لا يستطيع الذهاب إلى أي مكان.
حتى عاد إدوين أخيرًا.
***
توقّفت العربة التي عبرت البوابة الكبرى أمام المبنى الملحق، ونزل إدوين.
راقبت كورديليا ذلك التسلسل كاملاً من خلال النافذة.
‘هل ينبغي أن أهبط الآن لأصفعه؟
كيف تجرّأ على خداعي؟
وبأي جرأة أبقى زوجته السابقة في المكان نفسه، وكذب على الجميع مدّعيًا أنها ماتت، وخدع القصر الملكي بأسره؟
أيّ مشاعر بقيت له تجاه تلك المرأة؟’
“…….”
طال التردّد.
وقفت كورديليا مسندة ظهرها إلى النافذة، كأنها ستخرج في أي لحظة، لكنها لم تستطع أن تخطو خطوة، واكتفت بالتحديق في باب غرفة النوم.
“سموكِ.”
وكأنها كانت تعلم أن أحدًا سيأتي.
“إنه إدوين.”
سمعت كورديليا صوته بوضوح، لكنها لم تُجب.
مرّ وقت طويل، وطال أكثر، ومع ذلك لم يطرق إدوين الباب ثانية، ولم يعجّلها بنداء أو إلحاح.
“…ادخل.”
كانت تنوي أن تغضب إن فتح الباب ودخل من تلقاء نفسه، وتتّخذ ذلك ذريعة.
لكنه لم يترك لها حتى ذلك.
رجلٌ ماكر.
وبصوتٍ خافت، بالكاد سمحت كورديليا لإدوين بالدخول.
فُتح الباب فورًا.
رأت كورديليا، خلف الباب المنفتح إلى الداخل، الرجل الجميل كما هو دائمًا، وحتى باقة الزهور الكبيرة التي حملها بين ذراعيه.
ظنّت أنها ستشعر برغبة في صفعه فور رؤيته، لكن حين واجهت وجهه لم يخطر لها ذلك تحديدًا.
كان الأمر عاديًا فحسب.
كأن كل ما حدث سابقًا لم يكن سوى حلم.
دون أن يتبادلا أي حديث، أُغلق الباب خلف إدوين.
وقف أمامه، كما لو أنه لن يقترب قبل أن تسمح له كورديليا.
لم يملأ غرفة النوم سوى عبير الباقة الكبيرة التي تكاد تفيض بين ذراعيه.
“ما الذي جئت لتتحدث عنه؟”
ابتسم إدوين ابتسامة محرجة وهو يقطّب وجهه قليلاً.
كان يعلم أنها لن ترحّب به، لكنه بدا كمن لم يتوقّع هذا القدر من البرود وعدم الاكتراث.
“جئتُ لأقدّم اعتذاري.”
لو كان الأمر سابقًا، لكانت فرحت فحسب.
حتى لو كان المخطئ، لرأت في انحنائه أولاً عزاءً.
ولظنّت أن لديه سببًا مقبولاً.
“عن ماذا تعتذر؟”
لكنها الآن لم تعد تستطيع ذلك.
لأنها تعرف ما حاول إخفاءه.
تعرف أنه ليس سببًا مقبولاً، بل كذبة.
“لقد أخطأت.”
مع أنه لا ينوي أبدًا قول الحقيقة، إلا أنه يجيد الاعتذار الفارغ إلى حدّ مدهش.
ارتسمت على شفتي كورديليا ابتسامة باهتة.
“وبمَ أخطأتَ؟”
“كنتُ قاسيًا في كلامي.”
“…….”
“كلّها أعذار، لكن تلك القصة ليست ذكرى طيبة لي، وأظنها لم تكن كذلك لكِ أيضًا، يا أميرة.”
“إذًا لديّ ما أودّ سؤالك عنه.”
تردّد إدوين لحظة.
كان واضحًا أنه يتحسّب لأن تسأله عن زوجته السابقة مرة أخرى.
“……تفضّلي.”
ربما ظنّ أن كورديليا، وقد فوجئت بردّة فعله، لن تجرؤ على السؤال عن أسرار الماضي مجددًا.
“زوجتك السابقة، هل ما زلتَ تحبّها؟”
لم يكن تقدير إدوين خاطئًا.
من المضحك أن كورديليا لم تستطع في هذه اللحظة أن تنطق بعلاقة سالي هانترز، وهايلي ترييد، وإدوين ترييد دفعة واحدة.
مع أنها كانت تعلم أن هذا هو التوقيت الأمثل لتقذف سؤالها في وجه الرجل المنبطح معتذرًا لها، إلا أنها لم تستطع فتح فمها.
“كما قلتُ لكِ في المرة السابقة، تلك العلاقة انتهت تمامًا.”
توقّف إدوين لحظة، ثم تنفّس زفيرًا وهزّ رأسه.
يبدو أن تكرار الكلام نفسه لا ينسجم مع طبعه.
“تلك المشاعر زالت منذ زمن، ولن تعود.”
كان صوته حاسمًا.
لم يعد بينه وبين هايلي ترييد أي رابط، ولا مشاعر معلّقة، ولن يكون في المستقبل كذلك.
لم يكن من الصعب فهم ذلك.
مهما حاول المرء تبرير الأمر، فهي امرأة تخلّت بسهولة عن زوجٍ كان يتنقّل في ساحات الحرب مستعدًا للموت، بسبب شائعة واحدة.
كان غريبًا لو بقي في قلبه لها حنين أو حب.
“أنا فقط لا أرغب في نبش الماضي.”
“…….”
“لأنكِ موجودة معي.”
قالها إدوين.
بلطفٍ ونعومةٍ أكثر من أي وقت مضى.
وربما لهذا السبب، بدت إجابته هذه أيضًا مقنعة.
لو لم تكن كورديليا تعرف ماضيه مع هايلي ، لكانت هزّت رأسها مأخوذة دون تردّد.
“هل كان هذا جوابًا كافيًا؟”
“لديّ سؤال آخر.”
“سأستمع.”
“البطاقات التي كنتَ تضعها مع الهدايا كل مرة، هل كتبتَها بنفسك؟”
نظر إدوين إليها بنظرة غريبة عند هذا السؤال المفاجئ الذي لا يمتّ بصلة للأسئلة السابقة.
كأنه يقدّر إن كان خلفه قصدٌ خاص، رغم أنه بدا بلا جدوى.
“كنتُ فقط فضولية.”
حين أشارت كورديليا إلى ان لا معنى خاصًا وراءه، أغمض إدوين عينيه ببطء.
“نعم.”
وأجاب بلا أي تردّد.
أخبرها إنه كتب البطاقات بيده وأرسلها مع الهدايا.
“ولماذا أثار ذلك فضولك؟”
“من دون سبب.”
“من دون سبب؟”
“لأني أردتُ أن أعرف إن كنتَ تحبّني حقًا.”
ابتسم إدوين لكلامها.
بذلك الوجه اللطيف الجميل الذي كان دائمًا يجعل قلب كورديليا يخفق.
“دائمًا.”
ولهذا، لم تستطع أن تسأله كيف أمكنه أن يخدعها ويزيّف عليها كل ذلك.
كانت كورديليا امرأة ساذجة، تعرف الحقيقة، لكنها لا تملك الشجاعة لمواجهته بها والغضب فورًا.
إن عرف أهلها الحقيقة، فسينتهي هذا الزواج كما هو.
“أعطني باقة الزهور.”
اقترب إدوين مصغيًا حتى للهمس، ووضع الباقة بين ذراعي كورديليا.
شدّتها إلى صدرها بقوة.
فاض من الزهور التي لا تتّسع لها ذراعاها عبيرٌ حلوّ حدّ الإيلام.
سخنت عيناها في لحظة.
لم يكن غضبًا.
كان يأسًا بعيدًا، للمرة الأولى في حياتها الهادئة.
كانت تعرف أنها خُدعت، ومع ذلك لم تعرف ماذا تفعل، وما زال الرجل أمامها عزيزًا عليها.
كان يكفيها أن يقول إنه يحبّها، لتغمض عينيها وتحاول الصمود.
فإن تظاهرت بالجهل، فلن ينبش إدوين الماضي أبدًا.
ولن يعود إلى هايلي ترييد.
ظنّت أن ذلك وحده قد يكون كافيًا.
مع أنها تعرف أن هذا ليس شكل الحب الذي تمنّته منذ زمن بعيد.
ومع أنها تعرف أنه لا يمكن أن يكون حبًا حقيقيًا.
“قبّلني.”
مال إدوين برأسه إلى أسفل.
أغمضت كورديليا عينيها وتلقّت شفتيه.
فتحت قلبها طواعيةً للرجل الذي تسلّل بين شفتيها، وشدّت ذراعيها حول عنقه بإحكام.
سقطت باقة الزهور بينهما بصوتٍ خافت، ولم تعد أمرًا يستحق الالتفات.
حين لاحظ إدوين بتلاتٍ غضة وسيقانًا تُداس تحت قدمي كورديليا، لفّ ذراعَيه حول خصرها النحيل.
ثم سقطت أجسادهما فوق السرير.
رفعت كورديليا نظرها بصمت إلى الرجل الذي ألقى ظلّه فوقها.
“آرون قال لنتناول العشاء معًا.”
“سيُفضّل هذا أكثر.”
أجاب إدوين هكذا، ثم عاد يلتهم شفتي كورديليا.
كأنه لن يقبل سماع أي رفض أو اعتراض.
ولذلك، حتى حين شعرت كورديليا بيده ترفع طرف فستانها، لم تحاول منعه.
أن تشعر بحرارته وتحتضنه بجسدها كله.
ذلك كان ما تريده هي أيضًا الآن.
التعليقات لهذا الفصل " 94"