أدارت كورديليا بصرها نحو النافذة مرة أخرى كأنها تحاول صرف انتباهها. كانت العربة تدخل من بوابة القصر في تلك اللحظة. لم تكن قد تلقت أي خبر مسبق، لذلك لم تتمكن من معرفة إن كان القادم آرون، أم إدوين، أم بارتون.
وكان الأمر ذاته ينطبق على هايلي التي كانت تتمشى في الحديقة. كانت تتحدث مع أحد الخدم، ثم بدأت تسير ببطء نحو العربة التي توقفت أمام المبنى الرئيسي.
وأخيراً فُتح باب العربة، وظهرت ساقا رجل طويل القامة، وسترة تناسب جسده القوي، ثم رأسه ذي الشعر البني الداكن كجذع الشجرة. كان ذلك إدوين.
لم تكن تعرف لماذا قصد المبنى الرئيسي بدلاً من الذهاب مباشرةً إلى المبنى الملحق كما يفعل عادةً. حتى هايلي بدت متفاجئة بلقاء غير متوقع، فتوقفت قرب العربة مرتبكة، وكأنها كانت تتوقع رؤية زوجها أو والد زوجها.
بعد أن نزل من العربة، ألقى إدوين نظرة سريعة على هايلي، ثم استدار دون أن ينطق بكلمة. حدقت هايلي طويلاً في ظهره بينما كان يختفي داخل المبنى الرئيسي بعد أن تلقى تحية بنجامين.
راقبت كورديليا ذلك المشهد من بعيد، ثم أنزلت نظرها إلى الرسالة التي أرسلها لورنسن مُجدداً.
لم أستطع معرفة سوى أنها امرأة ذات شعر بني يميل إلى الحمرة وعينين ذهبيتين.
هناك امرأة واحدة تعرفها بتلك المواصفات.
“…….”
لا.
قطعت كورديليا أفكارها بوعي.
هذا مستحيل.
وضعت كفها على صدرها وقد ضاق نفسها. سألتها السيدة ليمونت بقلق إن كانت تشعر بتوعّك.
كان ضوء الشمس الدافئ الممتد عبر النافذة يبعث شعورًا يكاد يكون كالإحساس بالحرارة، على خلاف الجو البارد الخفيف الذي بدأ يغمر المكان مع تغيّر الفصول.
***
انتشرت في قصر ترييد همسات خفيفة عن أن العلاقة بين زوجي المبنى الملحق ليست على ما يرام. فالدوق وزوجته اللذان اعتادا مشاركة غرفة النوم يوميًا كأي زوجين من عامة الناس، بدآ الآن باستخدام غرفتين منفصلتين. وزاد من وطأة الشائعات أن كورديليا لم تعد تظهر عند خروج إدوين أو عودته.
“ما الذي جرى حتى تتشاجري مع السيد إدوين؟”
حتى السيدة ليمونت، التي كانت تظن أن الأمر لا يتعدى شجارا زوجيا عاديًا، بدأت تشعر بالقلق.
“لا شيء.”
“لا تكذبي. حتى عندما حاولتُ من قبل ثنيكما عن ذلك، كنتما تصران على مشاركة غرفة النوم، لكنكما منذ أيام تتصرفان وكأن بينكما جفاء.”
حثّت السيدة ليمونت كورديليا على الإجابة، قائلةً إنه حتى لو لم تستطع تقديم فائدة كبيرة، فإن الإصغاء قد يخفف عنها قليلاً.
“……لا بأس.”
كانت كورديليا قد كادت تستسلم وتبوح، لكنها لم تستطع في النهاية.
“سموك.”
نادتها السيدة ليمونت بلطف محاولةً تهدئتها، لكن كورديليا هزت رأسها بصمت. لم ترغب في الحديث.
فما يدور في قلبها كان أمر مرعب للغاية، وغير مؤكد أيضًا. كانت تأمل أن تدفنه في ذاكرتها، ثم تنساه مع مرور الوقت.
“إدوين قال إنه يريد التحدث قليلاً بعد عودته من العمل. إذا اعتذر اليوم، فسوف أقبل اعتذاره.”
كان هذا هو مخططها، إن هو انحنى لها معتذرا.
“سموك، أنا لينا.”
حينها، جاء صوت طرق على الباب وصوت لينا من الخارج. قرأت السيدة ليمونت إيماءة كورديليا وفتحت الباب.
“السيدة هايلي جاءت لزيارتكِ.”
كانت هذه زيارة غير مرحّب بها. فلم تكن كورديليا في مزاج يسمح لها برؤية هايلي الآن.
“دعيها تدخل.”
لم يكن بإمكانها رفض استقبال أحد أفراد العائلة وهي ليست مريضة أو عاجزة.
“سموك، أعتذر لقدومي المفاجئ.”
لم تكن هايلي بلا إدراك، ولذلك بدأت بالاعتذار فور دخولها. أومأت لها كورديليا بفتور.
“أيمكنكن تركنا وحدنا قليلاً؟”
“نعم، سموك.”
“اجلسي.”
لم تكن تعلم ما الذي جاءت من أجله، لكنها تمنّت أن تنهي حديثها وتغادر سريعًا.
ربما لأن تصرف كورديليا كان مختلفًا عن المعتاد، اختفت تدريجيًا الابتسامة من وجه هايلي. راقبتها كورديليا بصمت، ولاحظت عليها علامات التوتر.
شعرها الأحمر اللامع المائل للبني. عيناها الساحرتان ذات الطرف المرتفع قليلاً. بريق الذهب الواضح في عينيها وصوتها الواثق.
“ما الذي جاء بكِ؟”
“آه… والدي قال إنه يريد عشاءً يجمعنا اليوم.”
كان جوابها حذرًا، وكأنها شعرت بنظرات كورديليا التي تفحصتها.
“فجأة؟”
“يبدو أنه قلق بسبب الشائعات التي تقول إن علاقتكما ساءت.”
كان تفسير هايلي مقنعًا. فآرون لم يكن يتحمل رؤية المسافة تكبر بين كورديليا وإدوين.
“إن كان الأمر كذلك، لكان بإمكانه إرسال أحد الخدم فقط.”
ومع ذلك، كان من الغريب أن تتولى هايلي نقل الرسالة بنفسها.
“كما أنني كنت قلقة بعض الشيء أيضًا…”
“قلقة؟”
كان رد هايلي ذا معنى خفي.
“آه، ذاك…”
ترددت هايلي في الإجابة، متململة، تقبض يدها وتبسطها. وفي تلك الأثناء، كانت تلمس بطنها المستدير كأنها تشعر بشد فيه. تصرفات مضطربة تتكرر.
“أشعر أن علاقتكما تدهورت منذ أن طلبت منكِ مساعدتي في البحث عن ذلك الكتاب…”
وكان هذا كل ما خرج منها أخيرًا. لكنه كان كفيلاً بلمس أعصاب كورديليا الحساسة المتوترة منذ أيام.
“ولماذا؟ هل ذلك الخطاب خطير إلى حد أنه قادر على التفريق بيني وبين إدوين؟”
“ماذا؟ لا، أبدًا يا سموك.”
أجابت هايلي بسرعة وهي ترتجف من الدهشة. مما زاد في غليان قلب كورديليا.
كم حاولت ألا تفكر في الأمر… فلماذا تصر على إثارة جروحها؟
“هل أنتِ سالي هانترز؟”
اختفت أي بقايا ارتياح من وجه هايلي. واهتزت عيناها الذهبية، الشبيهة بالشمس، بعنف.
“م-ماذا تقصدين…؟”
كان صوتها يرتجف، كما لو أنها تحاول الإنكار غريزيا قبل أي شيء. أمسكت يديها المرتجفتين معًا، وأخفتهما داخل كمّيها الواسعين. كأنها تحاول إخفاء ارتعاشها بأي شكل. راقبتها كورديليا بصمت.
لم تستطع منع نفسها من التفكير. وجود سالي هانترز، الخطاب المكتوب بالخط ذاته، عقد ما قبل الزواج، وحذر إدوين المفرط عند سماع اسم سالي هانترز… ما الذي يعنيه ذلك كله؟
لم يكن يذكر العقد لأنه لا يريد تذكّر الماضي فقط، بل لأنه كان يريد إخفاء شيء ما.
“…….”
إخفاء أنه كان زوج سالي هانترز.
ولماذا؟
“ألم تكوني تريدين إخباري بذلك، لذلك ذكرتِ موضوع الرسالة مرارًا؟”
لأن كورديليا ليست الشخص الذي يجب أن يعرف هوية سالي هانترز. ولكن لماذا يخفي هوية امرأة ميتة بكل هذا الإصرار؟
“ل-لا يا سموك. إطلاقاً.”
إلا إن كانت سالي هانترز ما تزال على قيد الحياة. وإن كانت هويتها تهدد علاقتهم.
…وإلا إن كانت سالي هانترز هي هايلي ترييد.
وحين وصلت كورديليا إلى هذا الاحتمال، رغبت في هز رأسها مراراً وهمس “هذا غير منطقي، هذا مستحيل”… محاولة إقناع نفسها بذلك.
لكن… هل هو حقًا غير منطقي؟
كانت النتيجة التي توصلت إليها كفيلة بتفسير كل شيء منطقيًا. حتى سبب كراهية إدوين الشديدة لهايلي مقارنةً ببارتون.
“قولي الحقيقة.”
دقّ قلبها بقوة، دق، دق، دق، بصوت مزعج. لكنها لم تعد تستطيع تجاهل الأمر. كان عليها مواجهة النهاية.
“أتسخرين مني؟”
“…….”
“الرسالة تحمل اسم سالي هانترز وتوقيع إدوين ترييد. ومع ذلك، تقولين إنها رسالتكِ؟”
ومع هذا، كانت ترجو في داخلها أن تنكر.
“إن لم يكن لك علاقة بالأمر مطلقاً، فلن تمانعي إن أخبرت آرون لأجل التحقيق، أليس كذلك؟”
ازدادت نبرتها توترا. قبضت كورديليا على كفيها، وهي تكبح رغبتها في الإمساك بذراع هايلي والصراخ في وجهها.
“هل تتلاعبين بي؟ أتمسين كرامة العائلة المالكة؟”
قولي إنني مخطئة… أرجوكِ.
“أ… أعتذر!”
صرخت هايلي وهي تهوي من على الأريكة إلى الأرض، وتهرع لتركع. قبضتا يدَيها المرتجفتين أمسكتا بكاحل كورديليا، بينما اصطدم جبينها بقدمها.
“أرجوكِ، أرجوكِ لا تخبري أحدًا. بارتون… زوجي… لا يعلم شيئًا.”
كانت دموعها تتساقط بغزارة على قدم كورديليا. نظرت كورديليا إلى رأسها المنحني بذهول.
“عندما رحل إدوين إلى ساحة الحرب، شعرت بالوحدة… وانكسرت روحي عندما سمعت شائعة موته…”
ذكرت إنّها كانت تعتني بفيكونت ليبرتي العجوز، الذي لفتت نظره، فتبناها. وبعدها، حين وجدت شخصًا يشبه إدوين… بارتون… وقعت في الحب دون قدرة على مقاومة ذلك. ثم… لم يمض وقت طويل حتى عادت والتقت بإدوين الذي كان حيّاً.
“لم يكن لدي أي نوايا أخرى. لم أحمل مشاعر محرّمة. أما الرسالة… فقد نسيتها، ونسيت التخلص منها… والآن، لم يعد في قلبي سوى بارتون، يا سموك.”
“…….”
“لن أذكر شيئاً لأحد مطلقًا. ويمكنكِ حرق الرسالة فورًا إن أردتِ.”
كان صوتها المتهدّج وهي تبكي يصل لكورديليا كأنه يأتي من مسافة بعيدة.
“أرجوكِ، أبقي الأمر سرّاً فقط. لا أريد سوى أن ألد طفل بارتون، وأن أعيش معه حتى أموت. أرجوكِ… أرجوكِ… يا سموك.”
رفعت كورديليا نظراتها المرتجفة، تتفحص ما حولها. هايلي المنحنية على الأرض، غروب الشمس المائل، الضوء الدافئ، صوت البكاء، الرجاء، ودقات قلبها المزعجة التي كانت تهدر في أذنيها. كانت كل شظايا السلام التي اعتادت عليها تتكسّر فجأة إلى عشرات القطع وتتداخل بعشوائية.
التعليقات لهذا الفصل " 93"