شعرت بدوار بسبب إحساس يصعب تفسيره. لذا لم تستطع سوى طرح سؤالها على إدوين بصوتٍ مرتجف.
“هل كنتَ تراقب كلماتك وتصرفاتك خشية أن تُخِلّ ببنود تلك الاتفاقية؟”
“لو أننا لم نكتبها لكان الأمر مختلفًا، أما وقد وُجدت، فلا يمكنني تجاهلها.”
“لو كان الأمر لي، لتمكنتُ من الحديث عن الماضي مهما كانت البنود. لأن من يحب يرغب في معرفة المزيد عن الآخر والاقتراب منه أكثر. كنتُ سأفعل ذلك لأنني أفهمه.”
“لا تُدخلي المشاعر في أمر كهذا. طالما أن الاتفاقية موجودة، فالقوة القانونية تحتل الأولوية حتى بين أفراد العائلة.”
من هذا الرجل؟
كان مظهرًا غريبًا على كورديليا، لكنه في الوقت ذاته أقرب صورة إلى حقيقته.
“لا يمكن للمشاعر أن تسبق القانون.”
“…….”
“ولا تملك من القوة ما يكفي لتغيير معتقد.”
بات صوت إدوين هادئًا لدرجة البرود. نظرت إليه كورديليا بوجهٍ شاحب كصفحة الورق.
هوت أشعة القمر الحادّة على وجه إدوين، كان وجه رجل لا تعرفه. رجل غريب عنها.
وهكذا ظلّ الصمت مخيّمًا بينهما طوال طريق العودة إلى القصر.
***
“سيدي.”
بعد المشادة التي نشبت داخل العربة بشأن الاتفاقية، قفزت كورديليا منها فور وصولهما إلى القصر، وكأنها تهرب من وجودها معه في المكان ذاته.
“ماذا.”
أجاب إدوين وهو يتابع بعينيه ذيل فستان كورديليا التي اختفت عن الأنظار، ثم التفت إلى سكوت.
“هناك أمر يجب أن أبلّغك به…”
لم يكن يعرف شكل ملامحه في تلك اللحظة، لكنه أيقن أنها لا بد أن تبدو مخيفة، بالنظر إلى مقدار التوتر الذي ارتسم على وجه سكوت.
“ما هو.”
في العادة، كان سكوت سينسحب دون تردد حين يرى سيده في تلك الحالة، لكن يبدو أنّ الأمر الذي جاء ليبلّغ عنه مهم بما يكفي ليتمسك بموقفه. لذلك سأل إدوين التفاصيل.
“ليام هامبتون فرّ هاربًا.”
وبالفعل، كان خبرًا يستحق الوقوف عنده.
“اتبعني.”
قالها إدوين بخطوة سريعة، ولحق به سكوت إلى المكتب. خفّف إدوين ربطة عنقه، وخلع القفازات التي كانت تضيق على يديه، ورماها داخل جيب سترته.
“كيف حدث ذلك؟”
“اختفى أثناء وقت تبديل ورديات الحرس. يبدو أنه استخدم شيئًا حادًا لفتح القفل.”
“تركوا مواقعهم جميعًا أثناء التبديل؟ هل الشرطة مجرد حمقى بعيون؟”
رغب في الشراب أو في السيجار. فتح درج المكتب وأخرج علبة السيجار. قصّ طرف السيجار وأشعله، لكن نكهته كانت رطبة بلا طعم، وكأنه لم يُخزَّن جيدًا.
“مثير للشفقة…”
نفد صبره، فمرّر أصابعه بعصبية بين شعره المرتّب بعناية، ثم رمى السيجار الجديد تقريبًا جانبًا.
“أعتذر.”
“ليس خطأك. بل خطأ الشرطة التي ابتلعت أموالي ولم تقم بعملها.”
انحنى سكوت معتذرًا وهو يلمح السيجار الفاخر على الأرض. أما إدوين ففكّ ربطة عنقه كلياً ووضعها على الطاولة، منفيًا مسؤولية سكوت عن الأمر. ولم يكن مخطئًا في ذلك.
تمامًا كما لم يكن خطأ كورديليا ذكر اسم سالي هنترز رغم أنها سمعته مصادفةً من مكان ما.
“اقضِ عليه فور العثور عليه. لا أريد أي ضجيج آخر.”
ورغم أنه تخلص من ربطة العنق التي كانت تخنقه، ظلّ يشعر بانقباضٍ يكتم أنفاسه. كان ذلك ضغطًا نفسيًا وليس شيئًا ماديًا.
“هل كنتَ تفكّر دائمًا بالاتفاقية قبل علاقتنا؟”
كان يمكنه أن يتصرّف بنضج أكبر وكان يعلم ذلك جيدًا. لكنه في تلك اللحظة لم يكن قادرًا.
“إدوين، عليك أنت أيضًا ألا تغفل.”
كان كلام لورنسن واضح الهدف وهو يعرّف أوين جيرالد لكورديليا، ذلك الرجل الذي لم يتخلَّ عن مشاعره تجاهها، ثم يهمس له ألّا يُهمل حذره. كان ذلك كافيًا لإثارة ثقل مزعج في مؤخرة عنقه.
“هل اسم زوجتك السابقة هو سالي هنترز؟”
لو كان الموضوع مختلفًا، لما أبدى كل ذلك التوتر. لكن سماعه اسم سالي هنترز من فم كورديليا جعل جسده يتصرف تلقائيًا، خارج سيطرة عقله. كان ردّ فعلٍ أقرب إلى نوبة.
تنهد إدوين. لقد أدرك أنه أساء إلى امرأة طيبة القلب بردّ فعلٍ مبالغ فيه، لكنه مع ذلك لم يشأ أن تبحث كورديليا في ماضيه. لأنّ ما ستجده لن يحمل لها خيرًا.
فكل ما يمكن أن يظهر على السطح هو قصصٌ بغيضة لا تجلب سوى دموع زوجته.
***
استدارت كورديليا إلى الجهة الأخرى من السرير، مسترجعة سبب بداية الجفاء بينها وبين إدوين.
فبعد الحوار البارد داخل العربة، هربت من العربة قبل أن يمدّ لها يده. ولم يلحق بها. بل مضى كلٌّ منهما في طريقه.
ومع أنها لا تظن أنها كانت ستتصالح معه لو أمسك بها، إلا أن الكلمات التي قالها داخل العربة كانت كافية لتُظهر حقيقة مشاعره.
وقد كان ذلك مؤلمًا بقدر لا يُحتمل.
صحيح أنّ إدوين ترييد كان دائمًا رجل عقل ومنطق منذ عرفته. فكثيرًا ما كان يمنعها من التصرف بدافع العاطفة وحدها، وقد كان محقًا غالبًا.
لكنّ هذا الأمر كان مختلفًا تمامًا. كان شأنًا بينهما فقط، لا يراه أحد سواهما. وكان يكفي أن يغمض إدوين عينيه حتى تزول تلك الحدود التي خطّها بينهما.
“…….”
ومع ذلك، ذكّرها إدوين بذلك الحد مجددًا، بينما كانت تنظر إليه، بل ورسمه بوضوح أكثر، وكأنه يقول: “إياكِ أن تتجاوزيه مجددًا.”
ما أهمية تلك الاتفاقية السخيفة؟
ونسيت كورديليا أنها كانت على وشك طرح سؤال بسيط عن زوجته السابقة والذي تحول إلى خلاف. وبدافع الغضب الذي أثارته ذكريات حديث إدوين، رمت الغطاء جانبًا ونهضت، وأخرجت صندوقها من الخزانة. فتحت غطاءه، فظهر عقد الزواج المسبق الذي كتبته مع إدوين.
كان يمكنها تمزيقه وينتهي الأمر.
أمسكت بالورقة بقوة استعدادًا لتمزيقها. انشقّ طرفها العلوي قليلاً.
لكن ما الجدوى؟
فنسخة أخرى بيد إدوين. وهذا وحده يكفي لتفعيل بنوده. عند إدراكها ذلك، جلست على طرف السرير تحدق في الورقة التي وقّعت عليها بيدها.
“لماذا كتبنا شيئًا كهذا…”
لو لم يكتباه، لما سمعت تلك الكلمات المؤذية الليلة.
ربما كان ذلك حديثًا ساذجًا، لكنها حينها لم تكن تعرف أن من يحب يريد أن يمتلك ويعرف كل شيء عن من يحب. ولم تكن تعرف أن إدوين رجلٌ عقلاني إلى هذا الحد، لدرجة البرود.
لماذا يخفي بشدة كل ما يخص زوجته السابقة؟
شعرت بأنها دُفعت خارج جدارٍ ما، فاضطرب قلبها. حاولت أن تقاوم دموعها بينما تعيد طي الاتفاقية.
وفجأة استوقفها توقيع “إدوين ترييد”.
كان توقيعًا مميزًا، وشعرت بأنها رأته سابقًا. وما إن خطرت الفكرة في ذهنها حتى تحركت بسرعة. توجهت إلى طاولة الزينة، وأخرجت الرسالة من الدرج، ثم وضعت رسالة الحب التي تلقتها سالي هنترز بجانب الاتفاقية.
“…….”
الخط واحد.
قرأت الرسالة والاتفاقية مرارًا وتكرارًا وهي لا تكاد تصدق. كان الخط مطابقًا. ولأنها شاهدت إدوين يكتب الاتفاقية بنفسه، فمن المستحيل أن تكون مزيّفة أو مكتوبة بخط آخر. هذا يعني أن الرسالة غالبًا من كتابة إدوين نفسه.
فإن كانت سالي هنترز موجودة فعلاً، فماذا يعني أن تكون الرسالة موجّهة إلى هايلي ترييد؟ وماذا عن بطاقة الهدية المرفقة؟ وما الذي أراد إدوين إخفاءه؟
عصفت الرياح قرب النافذة، فهزّت وعي كورديليا، وقطعت سلسلة الأسئلة التي كادت تغرق فيها.
“توقفي، يكفي.”
حتى لو خرجت هذه الفكرة تلقائيًا، فهي فكرة مجنونة. لكن دقّات قلبها المتسارعة لم تهدأ.
“سموكِ.”
كان ذلك صوت السيدة ليمونت وهي تطرق باب الغرفة بحذر. تماسكت كورديليا كي لا يرتجف صوتها، ثم أجابت.
“لقد وصلتكِ رسالة من وليّ العهد.”
كانت السيدة ليمونت تحمل رسالة مختومة بختم العائلة المالكة. فتحت كورديليا رسالة لورنسن بسرعة، فذهنها كان ممتلئًا بارتباك وأوهام لا تُحتمل، وبحاجة لأي شيء يشغلها.
– كورديليا، بحثت عن شخص يُدعى سالي هنترز. ورغم أن الاسم غريب، ظننتُ أنه قد يكون مرتبطًا بإدوين لأنني سمعته من قبل، وتبيّن أنه بالفعل اسم زوجته السابقة. –
التعليقات لهذا الفصل " 92"