سأل لورنسن بهدوء. حقيقةُ أن سالي هانترز، أي هايلي ترييد الحالية، هي الجانية، كانت ضمن توقعاته. بل إنه فضّل هذه النتيجة على الاستنتاج بأنها حدثت خارج نطاق سيطرته.
“هكذا أصبحت الأمور.”
لكن جرأتها الوقحة لم تكن تعجبه كثيرًا.
“على أي حال، أود لو تجيبني عن اقتراحي.”
“الحديث مطولاً هنا ينطوي على مخاطرة كبيرة. انتظري دعوتي لكِ على انفراد.”
وإلحاحها على أن يجيبها كان مزعجًا بالقدر نفسه. لم تكن لديه حياتان ليخاطر بهما، وكان من السخيف أنها تتصرف وكأنها تمسك بضعف كبير لديه.
“حسنًا. ولكن…”
”…….”
“الأفضل ألّا تفكر في قتلي عند لقائنا. لقد رتبت الأمور بحيث تُنشر مادة صحفية إن مرّ أكثر من يومين دون أن أتواصل مع أحدهم.”
لكن يبدو أن هايلي، بعد أن ذاقت مرارته مرة، أعدّت بعض الاحتياطات كذلك. ابتسم لورنسن بهدوء، كي لا يظهر ما يضمره من انزعاج.
“حسنًا.”
تجاوز لورنسن هايلي متجهًا إلى المكان الذي يفترض أن ينتظره فيه خادمه مع العربة. كان من المفترض قبل المغادرة أن يلقي التحية على إدوين، بطل الحفل، لكنه لم يرغب بذلك. لم يشأ إفساد مزاج كورديليا التي لا شك أنها كانت تستمتع الآن.
لا، في الحقيقة…
أكثر من أي شيء آخر، كان إدوين قد أغاظه بجرأته على رفض عرضه دون لحظة تردد.
يا لوقاحته.
ما إن صعد لورنسن إلى العربة حتى أغلق السائس الباب باحترام. ولم تمضِ لحظات حتى بدأت العجلات بالدوران.
“أين الجريدة؟”
“هنا، يا سموك.”
ناولَه السكرتير الصحيفة على عجل، وهو يراقب ردات فعله بحذر. كانت المقالة تندد بالمأساة التي وقعت داخل مقاطعة كورديليا، وتوجه اللوم إلى تصرفات كورديليا نفسها.
“والمقال الثاني؟ هل نال رضاك؟”
قالوا إن هايلي هي من سربت المقالين الأول والثاني. وها هي تلوّح بالمقال الثالث أيضًا. يبدو أنها حدّدت كورديليا ككبش فداء، ووجدت صحفيًا يناسب هواها.
لم تكن هناك كثير من الشخصيات التي لا تخشى لا شرف العائلة المالكة ولا ثروة أسرة ترييد. وبالتالي، لم يسع لورنسن إلا الاعتراف جزئيًا بقدرة هايلي ترييد على إيجاد الشخص المناسب.
“هل أنتِ سالي هانترز؟”
“من أنت؟”
“الشخص الذي يستطيع أن يمنحكِ الثروة والسلطة التي تريدينها.”
لم يكن مستغربًا أن امرأة قادرة على التخلي عن زوجها في لحظة مقابل وعد بالثروة والسلطة، لن تكون امرأة عادية. ولا يمكن أن يكون طمعها شيئًا بسيطًا.
“سالي هانترز وافقت على الزواج من بارتون ترييد، كما اقترحتَ، يا سموك.”
لم يستغرق التفكير يومًا واحدًا. فقد عاد السكرتير بالجواب من فوره. وقد أحبطت سرعةُ قرارها لورنسن، الذي كان يفاضل بين قتلها أو إقناعها بالابتعاد عن إدوين.
“رتّب موعدًا للقاء هايلي ترييد.”
“أترغب بلقائها؟”
تركها دون مراقبة رغم معرفته بحقيقتها كان خطأً. لقد أمضى حياته أميرًا، وكان معتادًا على عقلية الأرستقراطية وتحركاتها، بل وعلى التنبؤ بأفعالهم بسهولة. لكن لم يكن سهلاً التنبؤ بأولئك الذين نشؤوا في قاع المجتمع.
“عليّ أن أراها بنفسي. لأعرف ما طبيعة الورقة التي تظن أنها تمسك بها.”
“حسنًا، سأحاول ترتيب أقرب موعد ممكن.”
أومأ لورنسن بينما يضع الصحيفة بإهمال إلى جانبه. لقد اتضح له ما يكفي: حان الوقت لعدم الاستهانة بأمور تافهة تبدو بلا قيمة.
وبالطبع، كان إدوين ترييد الذي رفض عرضه، من الأمور التي لا يجب الاستهانة بها أيضًا.
***
“إدوين ترييد؟”
في الماضي، سعى لورنسن للتفريق بين هايلي وإدوين كي يستخدمه كدمية لصالحه، لا من أجل تخريب حياة كورديليا ودعم رجل يشتري اللقب بالمال لينعم بالمجد.
“أهو ابن آرون ترييد؟”
“نعم، يا سموك. ويقال إنه بطل الانتصار في المعركة البحرية الأخيرة.”
أول مرة سمع فيها باسم إدوين كانت بعد الهزيمة الأولى في البحر.
رغم تفوق كل الظروف، خسر أسطول روتشستر خسارة فادحة. وسبب ذلك هو ثقتهم العمياء بتفوقهم العددي واستهتارهم بالعدو، إلى جانب أن بعض الموانئ كانت تتحدث علنًا عن خططهم العسكرية.
بل إن الصحف أعلنت خططهم ومستوى تجهيزاتهم، ونفخت في أبواق النصر المتوقع، فكانت الهزيمة صنيعة جيش غبي وإعلام أصفر جشِع.
“وكيف قلب المعادلة؟”
اختفت نصف السفن ونصف الرجال. والأدهى أن الأميرال قد قُتل. ومع فقدان القائد، كان من شبه المستحيل للأسطول المحاصر أن يعود سالمًا. وغرقت البلاد في أجواء الحداد، وقد اقتربت نساء كثيرات وأطفالهن من فقدان معيلهم.
“يُقال إنه أطفأ الأضواء ليلاً، واصطدم عمدًا بسفينة تحمل خشبًا مخصصًا لصنع براميل الماء.”
“وبهذا فقط؟”
“ثم استدرجهم لإطلاق النار وقت تغيّر الرياح إلى الجنوب، فتناثرت نيرانها على جميع سفن العدو.”
كان إدوين ترييد هو من قلب الموقف.
فقد تعلم الكثير عن البحر من والده آرون الذي كان يجوب به البحار على متن سفنه التجارية.
لم يكن ملمًا بفنون الحرب، لكنه استخدم ما لديه من معرفة وفطرة حادة ليقود أسطول روتشستر إلى نصر ساحق.
وهكذا صار إدوين بطل البحرية في ليلة وضحاها.
لكن بعد هزيمة المعركة الأولى بسبب الصحافة، فرضت العائلة المالكة رقابة على الأخبار المتعلقة بالمعارك، فلم يعلم بهذا النصر إلا كبار السياسيين وأفراد العائلة المالكة.
“عائلة ترييد، إذن…”
”…….”
“كان آرون ترييد يحاول أن يمدّ الجسور يمينًا ويسارًا لنيل لقب النبالة، على ما يبدو.”
وهنا لمح لورنسن فرصة لتهدئة الجدل الدائر ضد العائلة المالكة، وتحقيق خطة قديمة لديه باستخدام إدوين.
روتشستر تحظر بيع الألقاب، لذا كان آرون، المتعطش للقب، في ذروة اندفاعه.
“صحيح، يا سموك.”
فالعائلة تملك ثراءً ضخمًا، وإدوين يحظى بدعم الشعب، والعائلة المالكة قادرة على منحه لقبًا.
“هل إدوين ترييد أعزب؟”
وكان التحالف عبر الزواج خيارًا مثاليًا. الشروط كلها كانت متكاملة.
“لا، يا مولاي. يُقال إنه متزوج. ولكن شقيقه بارتون أعزب.”
“آه، فهمت.”
كان بارتون خيارًا متاحًا، لكنه لم يكن يحبذه. لم يكن يتمتع بأي حضور ملفت.
وفي خضم الغضب الشعبي والضجة الحالية، وبعد الخدش الذي أصاب شرف العائلة المالكة بسبب الهزيمة، ومع زيادة الشكوك حول قيادتها، كان لا بد من حدث صادم يعيد الثقة والهيبة. مثل زواج بطل الأمة المرتقب، إدوين ترييد، من العائلة المالكة.
لكن كون إدوين متزوجًا كان عائقًا كبيرًا لهذه الخطة. إذ لا يمكن تكوين تحالف زواج مع العائلة المالكة إن كان متزوجًا بالفعل.
“ابحث عن تلك المرأة.”
“أمرك يا سمو الأمير.”
استغرب السكرتير اهتمام لورنسن بإدوين وزوجته، لكنه أدى مهمته بإخلاص. وبفضله، عرف لورنسن أي حياة بائسة كانت تعيشها سالي هانترز، ومدى دناءة رغباتها. وهكذا تلاشى ما تبقى لديه من ضمير ورجولة.
منح لورنسن لسالي اسم هايلي الجديد، ومنحها لقب أسرة ليبرتي كما وعد، ثم استخدم ذلك الاسم لإتمام زواجها من بارتون ترييد.
السبب في اختيار بارتون تحديدًا، رغم قدرته على تزويج هايلي لأي غني كان، كان بسيطًا.
كان يفكر في احتمال أن يُنافس بارتون أخاه لو أجاد دوره، لكنه لم يعقد آمالاً كبيرة عليه. فهو بنفسه كان سيدعم إدوين ويجعله بطل البلاد. كان من المعلوم مسبقًا من سيكون ربّ العائلة القادم.
كان تزوير هوية سالي هانترز وزواجها من بارتون وسيلةً لتعظيم يأس إدوين ترييد وغضبه، ولإجباره على العودة إلى عائلة ترييد. كما كان الهدف منه أيضًا منع إمكانية أن يعود إليها ويتواطأ معها مرة أخرى بعدما يشعر بخيانة كبرى.
ورغم أنه كان يخطط لإجبارهما على الزواج، فإن لورنسن كان شقيق كورديليا الذي يشترك معها في الدم النبيل. ومن الطبيعي أنه لم يرغب في أن تُصاب كورديليا بالتعاسة بسبب خيانة زوجها.
وهكذا، جرت معظم الأمور حتى الآن كما خطط لورنسن تمامًا. ولو سارت الأمور على هذا النحو، لكان تحقيق حلمه قريبًا جدًا. لولا تمرد إدوين الوقح، وانتقام هايلي المتعجرف.
***
”…هل لي أن أسأل عمّا تنوي التحدث به مع هايلي ترييد؟”
“من يدري. سيعتمد ذلك على قرار إدوين ترييد. هل سيدعمني، أم سيواصل الرفض حتى النهاية.”
كانت الأمور الخارجة عن توقعاته مزعجة فعلاً. لذا كان من حسن الحظ، على الأقل، أنّ هايلي هي الزوجة الحالية لبارتون. فإذا لم يغيّر إدوين قراره وواصل رفض عرضه حتى النهاية، فسيستطيع ببساطة إبعاده، ثم يمسك بيد هايلي ويحصل على دعم عائلة ترييد.
“لكن إن تخلّيت عن إدوين ترييد، فالأميرة كورديليا…”
“لنأمل ألّا يحدث ذلك.”
ابتسم لورنسن ابتسامة خفيفة، قاطعًا أي سؤال إضافي. وخلال ذلك، كانت العربة قد وصلت إلى القصر الملكي. نزل لورنسن منها وهو يفكر:
التعليقات لهذا الفصل " 58"