كانت سالي هنترز ابنة غجرية، وُلدت ونشأت في الشوارع. كانت والدتها حامل بلا زوج تتجول بلا وجهة، ثم تخلّت عن طفلها ورحلت، فكبرت سالي بين المتسولين دون أن تعرف من هم والداها.
كانت حياة بلا أمل، تعيش في الأزقة المنزوية تسرق أموال الآخرين أو تحتال عليهم لتعيش.
“أعطوني نقودًا… مجرد قطعة واحدة فقط. ليس لدي مال لأشتري طعامًا.”
كانت تجوع طويلاً، و تُضبط وهي تسرق الطعام فيضربونها حتى تفقد الوعي، كانت تتوسل للمارة.
“ما هذا؟ كم هي قذرة!”
“يا إلهي… الرائحة…”
أحيانًا كان يظهر بعض النبلاء شفقة عليها، فيلقون إليها بعض النقود، لكن في الغالب كانوا يهربون وهم يتقيؤون من رائحتها.
“أبعدوها عن طريقي!”
ومتى صرخ النبلاء، كان الحرس أو شرطة المدينة يركلون سالي ويطردونها بعيدًا. وفي يومٍ ما، داس أحدهم على يدها التي كانت مرتكزة على الأرض، فصرخت من الألم صرخة اخترقت الهواء.
ومع ذلك، عاشت سالي هنترز بعناد. لم تكن تعرف سبب وجودها في الحياة، لكنها ما دامت تتنفس، كانت تكافح كي تبقى على قيد الحياة.
“قذرة، صحيح… لكن وجهها ليس سيئًا.”
حتى الليلة التي استُغلت فيها من غريب لمجرد أنّ وجهها جميل بالنسبة لفتاة من عامة الشعب. وحتى الليلة التي أُشبعت فيها شهوات ذلك الوغد، ثم تُركت تُرمى كالجثة بعدها.
“…….”
لم تَعُد تريد العيش. ظنّت أن الموت بهذه الطريقة قد يكون أفضل.
“نحيّي سمو الأميرة!”
في تلك اللحظة، رأت من بعيد عربة تمر على الجسر. أولئك الذين داسوا عليها وسخروا منها كانوا الآن ينحنون الى الأرض طلبًا لاهتمام الشخص داخل العربة. كانت قوة المال والمجد متجسدة أمامها.
أريد أن أعيش هكذا… لا أريد أن أموت وأنا أعيش حياة لا تشبه الحياة شيئاً.
وُلد بداخلها في تلك اللحظة خليط من اليأس والرغبة. فرفعت جسدها المتهالك بصعوبة، قبضت على التراب بيد مرتجفة، ووقفت وهي تعض على شفتيها بعزم.
وهكذا، وُلدت سالي هنترز من جديد. منذ ذلك اليوم، بدأت تستدرج الرجال للحصول على المال، وتستخدمه لتجميل نفسها. ثم تستدرج الرجال مجددًا بذلك المظهر. صحيح أنّ حياتها أصبحت أقل صعوبة من قبل، لكن الحياة التي ترغب بها كانت لا تزال بعيدة… بعيدة حد الاستحالة.
وربما لهذا السبب، كانت تنفجر داخلها غيرة مرعبة كلما رأت فتاة من النبلاء في عمر قريب من عمرها. مجرد أنها وُلدت في مكان أفضل، وأنها لم تُولد في الشوارع… لهذا السبب وحده تحظى بالجمال والاحترام؟ كانت تغلي من الحسد حتى تكاد تفقد عقلها.
“يقولون إنّ الابن الأكبر لعائلة ترييد هرب من المنزل، أليس كذلك؟ آرون ترييد كاد ينقلب رأسًا على عقب.”
“كان يجب أن يبقى تحت جناح أبيه. ماذا سيفعل فتى مثله في الشوارع؟”
في ذلك الوقت سمعت سالي بخبر هروب الابن الأكبر لعائلة ترييد. كان يعيش حياة ترف أكثر من معظم النبلاء رغم عدم امتلاكه لقبًا، والآن قيل إنه يتجول في الشوارع.
“ومن أين عرفوا ذلك؟”
“كانت هناك منشورات معلقة في الأزقة.”
حفظت سالي ملامح إدوين من الرسم المرفق في المنشور، وخرجت تبحث عن الرجل المتجول.
“هل أنت إدوين ترييد؟”
رغم كونه من العامة، إلا أنه كان من المستحيل على رجل مثله— الذي نشأ في ظروف مختلفة تمامًا عن المتسولين— أن يتأقلم مع حياة الشوارع. كانت واثقة بأنه سيبدو بارزًا، مثل مسمار يلمع في التراب. وكان حدسها صحيحًا. وجدته ذات ليلة متأخرة، يتجول بقلق، بملابس خالية من أي بقعة، غير قادر حتى على النوم.
وهكذا، حصلت على إدوين. أمسكت بقلب رجل يتوق إلى الحب، همست له بالكلمات التي تجعله متعلقًا بها.
كانت تعتقد أنّ كل شيء يسير كما تشاء… إلى أن أعلن آرون أنه سيحرم إدوين من كل حقوقه داخل عائلة ترييد. فقط لأنه تجرأ وتزوج رغم معارضة والده.
“كيف يفعل بك هذا؟”
“لم أتوقع منه شيئًا أصلاً. لا بأس… سأجد طريقة لأُعيلك مهما كلّف الأمر.”
على عكس سالي التي كادت تفقد وعيها من الصدمة، تقبّل إدوين قرار حرمانه من الإرث ببرود. ثم التحق بالبحرية ليجني القليل من المال مقابل حياته.
لم تكن هذه رغبتها. لم تُغْوِ إدوين ترييد لتعيش بهذه الطريقة.
وبسبب شغب سالي وإلحاحها، قرر إدوين أن يكسب المزيد من المال، حتى لو كلفه ذلك الذهاب إلى ساحة الحرب. لكن هذا أيضًا لم يكن ما أرادته. كان قرارًا اتخذه وحده.
ولهذا، كانت تتمنى لو مات إدوين في الحرب. كانت تريد أن تصبح أرملة مسكينة، فيكون بإمكانها الزواج من جديد بدفعة التعويض التي ستنالها فور موته.
“هل أنتِ سالي هنترز؟”
لم يمت إدوين في الحرب، وكانت آمالها تتلاشى، حتى جاء اليوم الذي طرق فيه أحدهم بابها.
“من تكون؟”
“شخص قادر على إعطائك الثروة والسلطة التي تريدينها.”
كان الطارق هو سكرتير لورنسن. اخبرها بطريقة تمكنها من الهروب من إدوين. أن تتظاهر بالموت وتختفي، ثم تصبح ابنة بالتبني للنبيل ليفرتي.
وعدها بأن لورنسن سيجعل ذلك ممكنًا. وإذا أصبحت ابنة ليفرتي المتبناة، فبإمكانها أن تجعل بارتون ترييد صهرًا للعائلة من خلال إقناع السيدة ليان. وبذلك ستستطيع الزواج منه. وكان على سالي في المقابل أن تدعم لورنسن من خلال الاستيلاء على نفوذ عائلة ترييد وثروتها.
“لقد أرسلني سمو ولي العهد. أرجو أن تقبلني ابنة لك.”
كانت الصفقة مريبة لكثرة ما تحققه لها من مكاسب. كان بإمكانها الرفض. لكنها لم تتردد. فمن وجهة نظرها، كان إدوين هو من فشل في تحقيق ما تريد.
“…….”
وعندما أصبحت هايلي ترييد، وقابلت إدوين مجددًا داخل منزل ترييد، ورأت اليأس والغضب في عينيه، لم تشعر بأي ندم. لو أنه عاد إلى العائلة من البداية وأعطاها ما تريد، لما وصل الأمر إلى هنا.
لم تشعر بالذنب إطلاقًا. طالما وصلت الأمور إلى هذه الدرجة، فعليها أن تتخلص من إدوين بأي طريقة، لتجعل بارتون سيدًا لعائلة ترييد. كان هو أملها الوحيد في الحصول على ما ترغب به.
“لقد تزوج إدوين من الأميرة كورديليا وحصل على لقب دوق.”
بهذه الفكرة وحدها ظلت تعادي إدوين بشراسة… حتى أخبرها آرون بالأمر.
وعندما سمعت إعلان آرون، فهمت لماذا جاء لورنسن للبحث عنها رغم انعدام أي صلة بينهما.
لقد أراد أن يجعل إدوين سيدًا للعائلة، ثم يزوج أخته به ليستولي على ثروة عائلة ترييد. ولتحقيق ذلك، كان عليه التخلص من أكثر العقبات إزعاجًا— زوجة إدوين.
“كيف تجرؤ على اللعب بي؟”
اشتعل بياضٌ قاسٍ أمام عينيها من شدة الغضب. ولهذا السبب تجرأت على مهاجمة العائلة الملكية التي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها. كانت تريد الانتقام من لورنسن.
وفي الوقت نفسه، أرادت أن تثبت أنها ذات قيمة… أنها ليست شيئًا يُستغنى عنه بسهولة كما في الماضي.
استخدمني… ثم ارفعني إلى الأعلى.
“…….”
كانت هايلي تعرف نفسها جيدًا. لم تكن لتكتفي بهذه المكانة. لذا كانت مستعدة لأن تمد يدها مجددًا لولي العهد.
***
“اعرفوا من الصحفي الذي كتب المقال الخبيث عن إقطاعية كورديليا.”
خرج لورنسن بخطى غاضبة في الممر وهو يعطي أوامر صارمة. انحنى سكرتيره وقال إنه سيتحقق في الحال. كان مزاج ولي العهد سيئًا على نحو خطير.
“أياً كان، فليُعتقل فورًا بتهمة إهانة الأسرة الملكية.”
“مفهوم، سموك.”
“وتحقق أيضًا مما إذا كان مرتبطًا بمن كتب المقال السابق… وانظر إن كانت سالي هنترز متورطة…”
“أحيّي سمو ولي العهد.”
في تلك اللحظة، بينما كان لورنسن يعطي أوامره المتتابعة، خرجت هايلي من خلف عمود، من الظلال، وظهرت بهدوء.
“سالي هنترز.”
“ألستَ تذكر الاسم الجديد الذي منحتني إياه يا سموك؟ هايلي ليفرتي… بل هايلي ترييد.”
تحركت عينا لورنسن نحوها.
“ولماذا تلقين إليّ التحية فجأة؟”
“لأن لدي ما أقوله لك، بالطبع.”
حدّقت هايلي في عيني لورنسن الزرقاوتين اللتين كانتا تركزان عليها، ثم ابتسمت بهدوء. لم تكن تخشى تلك العينين الحادتين؛ لأنها كانت على يقين.
“ما رأيك في المقالة الثانية؟ هل أعجبتك؟”
“…….”
“أفكّر في أن أكشف في المقالة الثالثة أن زواج الأميرة لم يكن قائماً على الحب، بل كان صفقة لعقد ألسنة الجدل والحفاظ على النظام القائم.”
شخصٌ يحنّ إلى مكان أعلى، ويريد أن يملأ يديه بالمزيد. شخصٌ لا يمكنه أن يرضى أبدًا بما لديه الآن. بهذا المعنى، كانت ترى أن لورنسن يشبهها.
“ما رأيك؟”
وفي النهاية، سيدرك هو أيضًا تلك الحقيقة… وسيمدّ يده الى يدها، لا الى يد إدوين.
التعليقات لهذا الفصل " 57"