سأل الملك وقد حان وقت النوم، حين عبر إلى غرفة نوم الملكة. رفعت الملكة، التي كانت تجلس أمام الطاولة، بصرها إليه، وهو يرتدي رداء النوم.
“أكتب رسالة إلى كورديليا.”
“إلى ابنتنا؟”
تلطف صوت الملك في لحظة، كبرعمٍ أخضر في الربيع. على أيّ حال، إذا كان الأمر يتعلّق بابنته، فإنه لا يستطيع التماسك. ابتسمت الملكة ابتسامة خفيفة وهزّت رأسها نفيًا. فقبّل الملك خدّ زوجته قبلة قصيرة.
“قريبًا سيحلّ عيد ميلادك.”
“آه، صحيح.”
“ويجب أن نرسل لكورديليا دعوة لتحضر مع إدوين أيضًا.”
كان الملك يومئ برأسه وكأنّ الأمر بديهي، ثم أطلق تأوّهًا خافتًا. عند ردّة الفعل الرافضة اللاواعية تلك، رمقته الملكة بنظرةٍ جانبية.
“هل يجب حقًّا دعوة ذلك الرجل أيضًا؟”
“لا تسأل سؤالاً بديهيًّا كهذا.”
عند موقف الملكة الحازم، أطلق الملك زفرةً طويلة. لا يزال إدوين ترييد لا يروق له، ويعلم أنّه لن يروق له أبدًا، لكن كما قالت الملكة، لم يعد هناك مفرّ.
لقد تزوّجت كورديليا بالفعل، وهي مغرمة بزوجها إدوين حدّ الانغماس. بل إنّ من دبّر ذلك الزواج هو الملك نفسه ووليّ العهد لورنسن. والاستمرار في إبداء الرأي بعد ذلك لن يؤدّي إلا إلى إزعاج كورديليا.
“صحيح…”
“وأيضا، نادِه بإدوين من الآن فصاعدًا. إلى متى ستظلّ تناديه بلا ودّ: إدوين ترييد؟”
سألت الملكة وهي تشير إلى الملك بطرف القلم الذي كانت تمسكه. ارتبك الملك من الطلب غير المتوقّع، فلف عينيه. فلو كان الأمر على هواه، لودّ أن يناديه: “لصّ دوقيّة ترييد”، لكنه كان يكبح نفسه أمام الملكة.
“إنه الآن فردٌ من العائلة المالكة. وهو أيضًا صاحب اللقب الدوق الذي منحتهَ إيّاه بنفسك.”
“هذا صحيح، لكن…”
فتح الملك فمه وكأنّه يدافع عن نفسه، ثم اضطرّ إلى إغلاقه. فالنظرة التي وجّهتها إليه الملكة كانت صارمة. وُلد ونشأ ليكون ملكًا، وأصبح ملكًا بالفعل، لكن صاحبة الهيبة التي عاشت حياتها كلّها كفردٍ من العائلة المالكة كانت الملكة.
“عزيزتي. كاميلا.”
“قلت لك لا تنادني هكذا.”
عانق الملك الملكة من الخلف، وفرك وجهه بخدّها وهو ينادي اسمها بدلال.
“وما المشكلة؟ نحن وحدنا على أيّ حال، أليس كذلك؟”
“لا تتكلّم كعجوزٍ منحرف.”
“هاه، لقد عشنا معًا بما فيه الكفاية؟ كيف تعاملين زوجك بهذا الجفاء؟”
بدت الملكة وكأنّها تشمئزّ من ردّه، لكنها سرعان ما انفجرت ضاحكة. قبّل الملك خدّها الناعم مرارًا، فقهقهت الملكة ضحكة رنّانة كما في أيّام الشباب الأولى حين بدأ حبهما.
“لا تغيّر الموضوع. عندما يأتي إدوين هذه المرّة، عامله بلطفٍ قليلاً.”
“…….”
“إنه الشخص الذي تحبّه كورديليا، أميرتنا. مهما كانت البداية، علينا الآن أن نقبله كفردٍ من العائلة.”
همست الملكة بذلك، ثم أدارت رأسها لتواجه الملك مباشرةً، وتداعب خدّه بيدها.
“كاليكس.”
صوتٌ خافت يهمس باسمٍ لم يعد أحد يناديه به، ونظرةٌ دافئة. لم يكن بوسع الملك إلا أن يستسلم أمام ذلك.
“حسنًا. انه كلامك، فكيف لي أن لا أسمعه.”
“ستفرح كورديليا أيضًا.”
قالت إنّ ابنتهما ستفرح، لكن الملكة نفسها كانت تبتسم بوجهٍ مشرق. وكان ذلك وحده سببًا كافيًا لامتثال الملك لكلامها. هكذا فكّر، وهو يقبّل شفتي زوجته.
***
كانت السيدة ليمونت تراقب كورديليا بحذر، عاجزةً تمامًا عن فهم ما يدور في رأسها. لعلّ صدمة معرفتها بحملها إثر النزيف المفاجئ هي السبب، لكن مزاج كورديليا بدا كئيبًا منذ أيّام. ولم تكن تمكث مع إدوين على الإطلاق.
“صاحبة السمو، ألن تأكلي قليلاً بعد؟”
بعد أن عرفت كورديليا أنّ في بطنها طفلاً، لم تعد تهمل الطعام. لكن الكميّة التي تأكلها لم تختلف كثيرًا عمّا قبل، وذلك كان مقلقًا. فالمغذّيات الآن لشخصين، لكنها لا تأخذ إلا نصيب شخصٍ واحد.
“لا شهيّة لي.”
“لكن…”
ربما كان من حسن الحظّ على الأقلّ أنّها لا تعاني من غثيان الحمل. ابتلعت السيدة ليمونت تنهيدة، وأشارت بعينيها إلى لينا لتجمع الطبق الذي دفعته كورديليا بعيدًا. فهمت لينا الإشارة، فحملت الطبق الذي تركت فيه كورديليا نصف الطعام، وغادرت غرفة النوم.
“صاحبة السمو.”
“…….”
“هل هناك ما يشغل بالكِ؟ أمرٌ مقلق، أو ما شابه؟”
لم تجب كورديليا. فهي على هذه الحال منذ فترة، ولم يعد بالإمكان فهم ما في قلبها. ففي السابق، كانت تتحدّث من تلقاء نفسها دون حاجةٍ إلى السؤال.
في تلك اللحظة، طرق كبير الخدم بنجامين باب غرفة نوم كورديليا.
“سأتولّى الأمر.”
خرجت السيدة ليمونت بدلاً من كورديليا، التي كانت لا تزال تستلقي على السرير، وتسلّمت الرسالة التي وصلت إليها. كانت رسالة مختومة بختم العائلة المالكة، مرسلة من الملكة.
“صاحبة السمو. جلالة الملكة أرسلت رسالة.”
ربما لم تكن كورديليا تعتمد اعتمادًا كاملاً على مربّيتها، لكن مع الملكة، وهي من عائلتها، لعلّ الأمر يختلف. قدّمت السيدة ليمونت الرسالة إلى كورديليا بقلبٍ مفعم بالأمل.
عثرت كورديليا داخل الظرف الذي فتحته لها السيدة ليمونت على رسالة وبطاقة.
تفحّصت البطاقة ثم وضعتها جانبًا، وفتحت الرسالة.
“…….”
لكن وجه كورديليا، وهي تقرأ الرسالة، لم يُبدِ حماسةً ولا ابتسامة، بل بدا وكأنّه ينهار شيئًا فشيئًا.
راقبت السيدة ليمونت ذلك، فحرّكت شفتيها ثم أطبقتهما. أرادت أن تسأل إن كان هناك خبرٌ سيّئ، لكن الجوّ لم يكن يسمح بذلك.
لم يكن الملك أو الملكة ليرسلا خبرًا قد يحزن كورديليا. ومع أنّها تعلم أنّ هذا ليس تصرّفًا يليق بخادمة، ألقت السيدة ليمونت نظرةً على الرسالة التي كانت كورديليا تمسكها.
– ابنتي الحبيبة، إنّ أباكِ يشتاق إليكِ حدّ العجز، ويغار من إدوين، تعالي إلى القصر الملكي ولنقضِ بعض الوقت معًا، أحبّكِ، جوهرتنا…–
كانت الكلمات والجُمل تتبدّى متقطّعة. لكن لم يكن في أيّ موضعٍ منها ما يوحي بنبرةٍ غريبة أو حزينة.
وبينما ازداد ارتباك السيدة ليمونت مرّةً أخرى، سقطت قطرة ماءٍ على الرسالة.
هل تمطر؟
رفعت السيدة ليمونت رأسها إلى السقف دون وعي، ثم أدركت أنّهما في الداخل، فأنزلت رأسها. كانت القطرات تتساقط تباعًا فوق الرسالة. كلّها كانت دموع كورديليا.
“صاحبة السمو.”
كان ذلك في اللحظة التي لم تعد فيها السيدة ليمونت قادرةً على كبت ضيقها، فانحنت تنادي كورديليا. كان الحبر الذي شكّل كلمات الرسالة ينتشر بشكلٍ بائس، وكان جانبا الرسالة التي قبضت عليها كورديليا يتشوّهان تحت ضغط قبضتها.
هيك.
تسرّب صوت نشيج. كحزنٍ ظلّ مكبوتًا حتى انفجر. كان ذلك، وإن بدا التفكير به وقحًا، أنينًا مؤلمًا لم تتوقّع السيدة ليمونت يومًا أن تسمعه من كورديليا.
***
حين نزل إدوين من العربة، رفع نظره، كعادته، إلى الطابق الذي تقع فيه غرفة نوم كورديليا. كان ضوءٌ خافت يتسرّب من النافذة، متباينًا مع السماء التي أظلمت.
منذ اليوم الذي توسّلت فيه إليه كورديليا أن يخرج، لم يسمع بكاءها مرّة واحدة.
“…….”
وكان ذلك ما جعل قلب إدوين أكثر اضطرابًا.
لم يكن رجلاً تهزّه دموع النساء، بل إنه رأى كورديليا تبكي مرّاتٍ عديدة من قبل. لذلك، لم تكن دموعها أمرًا جديدًا عليه.
لكن شعورًا لا يمكن وصفه بالكلمات انتابه. منذ اللحظة التي رأى فيها امرأةً تبكي وهي تدفن وجهها في البطانية، وتكتم صوتها في الداخل. لم يكن من الممكن ألّا يدرك أنّ ما كتمته كورديليا لم يكن حزنًا بسيطًا، بل خيبةً ويأسًا.
في اللحظة التي علمت فيها أنّها تحمل طفل الشخص الذي تحبّه، عرفت حقيقته. أدركت أنّ اعترافاته بالحبّ وقبلاته كلّها كانت كذبًا.
كان عليه، على الأقلّ، أن يكذب.
ندمٌ متأخّر اجتاحه. تساءل إن كان ذلك ليخفّف حزنها قليلاً، لو فعل. مع أنّه ليس عاجزًا عن الكذب، إلا أنّه تجمّد كالأحمق أمام الموقف المفاجئ، ولم يستطع تقديم أيّ تبرير.
تنفّس إدوين بعمق، ومسح وجهه بكلتا يديه. ورغم أنّه خدع كورديليا وكذب عليها مرارًا، إلا أنّه، في النهاية، بشر، وكان يشعر بوخز الضمير إزاء ما يجري.
“أنت…فظيع حقًّا”
الاستياء المرعب وخيبة الأمل التي لا توصف في العينين اللتين كانتا تنظران إليه دائمًا بإعجاب.
لم يعد يعرف كيف يمكنه أن يواجه تلك العينين الآن. ولا كيف ينبغي أن يعتذر. لذلك، بحجّة إعطاء كورديليا وقتًا لتهدأ، أمضى أيّامًا ملتصقًا بالشركة.
لكن لا يمكنه الهروب إلى الأبد. بعد أن أغلق عينيه وفتحهما مرّةً واحدة، وضبط قلبه، خطا إدوين بخطواتٍ واسعة نحو الملحق. مهما كان ردّ الفعل، فقد عزم اليوم على الاعتذار لكورديليا.
فهي امرأة لا تقسو. إذا أخبرها إنّه آسف، وشرح لها الموقف آنذاك جيّدًا…
“صاحبة السمو.”
أخذ نفسًا عميقًا وطرق باب غرفة النوم مرارًا، لكن لم يصدر أيّ ردّ من كورديليا. حتى السيدة ليمونت، التي كانت تلازمها دائمًا، لم تظهر.
في تلك اللحظة، انتابه إحساسٌ بأنّ شيئًا ما ليس على ما يرام. لم ينتظر إدوين جوابًا بعد ذلك، بل اندفع وفتح باب غرفة النوم بعنف.
التعليقات لهذا الفصل " 100"