بعد كل شيء، أنا السبب الأكبر في انحراف القصة. أنا الحجر الذي سقط في ماءٍ هادئ وغيّر مساره كله.
لكن…
وضعتُ يدي على صدري، أشعر بنبض قلبي.
لم أعد أهتم.
هذه السعادة… هذا الدفء… لن أتركه.
حتى لو… حتى لو ضحيت بهاذا العالم
رفعتُ نظري إلى السماء مرة أخرى. الظلام لم يعد يبدو مخيفًا.
ابتسمتُ دون أن أشعر.
أريد أن أراه…
توقفتُ عن التفكير للحظة، ثم ضحكت بخفة. أنا رأيته قبل قليل عند العشاء…
ومع ذلك… كان الشوق حقيقيًا.
لم يكن الوقت متأخرًا بعد.
نهضتُ من مكاني، شعرت بخفة غريبة في خطواتي، كأن قرارًا بسيطًا جعل العالم أقل ثقلًا.
توجهت إلى الباب، وفتحته بهدوء، وخرجت إلى الممر.
خلفي… بقيت النافذة مفتوحة على مصراعيها، والستارة البيضاء تتحرك ببطء مع نسيم الليل، كأن الغرفة نفسها تبتسم لسرٍ صغير لم يُقال بعد.
~~~~~~
كان الليل قد استقر فوق القصر، ثقيلاً وهادئًا، لا يُسمع فيه سوى صوت أوراقٍ تُقلَب بين حينٍ وآخر.
وقف كلود في مكتبه، يحدّق في الأريكة أمامه.
كانت ليتي مستلقية هناك، غارقة في نومٍ عميق، وكأن العالم كله لا يعنيها بشيء. خصلات شعرها الوردي تناثرت فوق الوسادة، وأنفاسها الهادئة ترتفع وتهبط في إيقاعٍ منتظم، مثل موجٍ صغير يلامس الشاطئ ثم يعود.
اقترب ببطء، وجلس على حافة المكتب، ثم مدّ يده يزيح خصلة شعرٍ عن خدّها.
ابتسم.
وقال بصوتٍ خافت، كأنه يخاطب حلمًا: – كيف يمكنني العمل الآن… يا ليتي؟
توقفت عيناه عند وجهها، فتسللت إليه ذكرى ما حدث قبل قليل…
كان جالسًا خلف مكتبه، منهمكًا في العمل، وقد نسي كم مضى من الوقت.
الليل كان طويلاً، والملفات لا تنتهي.
فجأة—
فُتح الباب بقوة، دون طرق.
رفع رأسه فورًا، متجهّمًا… لكن تجهمه تلاشى في اللحظة التالية.
– ليتي؟
كانت واقفة عند الباب، تتنفس قليلًا كأنها ركضت، وملامحها مترددة رغم تلك الجرأة التي دفعتها للدخول.
حين التقت عيناهما، بدا وكأن شجاعتها تلاشت فجأة. انكمشت قليلًا، واحمرّ وجهها، وأدارت نظرها إلى الجانب.
لم يستطع كبح نفسه.
ضحك.
ضحكة حقيقية، دافئة، خرجت منه دون تفكير. قبل لحظات فقط كان التعب يثقل كتفيه، لكن منظرها… بدد كل ذلك كأنه لم يكن.
نهض من مكانه، وتقدم نحوها بخطوات هادئة، حتى توقف أمامها مباشرة.
كانت تحدّق في الأرض، ووجنتاها محمرّتان بشكلٍ واضح، ويداها متشابكتان بتوتر.
وضع يده على فمه، محاولًا كتم ابتسامة تسللت رغماً عنه.
كيف يمكن لإنسان… أن يكون لطيفًا إلى هذه الدرجة؟
هل هذا سحر… أم أنني أصبت بمرضٍ لا شفاء منه؟
ثم ابتسم في نفسه.
نعم… إنه مرض.
مرض اسمه ليتي.
بينما كان غارقًا في أفكاره، تكلمت أخيرًا، بصوتٍ خافت متردد: – أ… أنا آسفة لمجيئي رغم انشغالك…
توقّف كلود عن التنفس للحظة، كأنه يريد أن يسمع صوتها بوضوح، أن يحفظ تلك النبرة المرتبكة في ذاكرته.
ثم أكملت، بصوتٍ أخفض: – لكني… شعرت برغبة في رؤيتك… لذلك…
تلاشى صوتها في النهاية.
وفي تلك اللحظة… شعر كلود أن شيئًا داخله انكسر.
صبره.
ابتسم ابتسامة بطيئة.
هي من جاءت… بنفسها.
وقبل أن تتمكن من قول شيء آخر، رفعها بين ذراعيه فجأة.
شهقت: – م… ماذا تفعل؟ أنزلني!
لكنه لم يجب.
حملها بسهولة، وسار بها نحو المكتب، ثم أجلسها فوقه برفق.
انحنى قليلًا، ونظر إلى عينيها مباشرة.
كانت نظراته ماكرة، دافئة، وعميقة إلى حدٍ أربكها.
قال بصوتٍ منخفض: – اشتقتِ إليّ… أليس كذلك؟
شعرت ليتي أن قلبها يخفق بعنف، وأن تلك النظرة وحدها كافية لإرباكها.
حاولت التراجع قليلًا، لكن المسافة كانت قصيرة جدًا.
– ه… هذا…
لكن كلماتها تلاشت حين اقترب أكثر، وهمس بالقرب من وجهها، مما جعلها تغلق عينيها للحظة دون أن تشعر.
مرّت لحظات قصيرة… دافئة، مربكة، جعلت الزمن يبدو أبطأ من المعتاد.
ثم ابتعد قليلًا، وقال بنبرة خفيفة فيها مرح: – كيف عليّ إرضاء ثعلبتي إذًا؟
– كلود…!
قالتها باحتجاج خجول، تحاول أن تبدو غاضبة، لكنها فشلت تمامًا.
ظل يضايقها قليلًا، يمازحها، حتى بدأت تحتج بصوتٍ أعلى، ووجنتاها تزدادان احمرارًا.
أخيرًا، ضحك، وتراجع خطوة، مانحًا إياها فرصة للهرب.
توقع أن تهرب فورًا.
لكنها لم تفعل.
ذهبت وجلست على الأريكة، ثم قالت بصوتٍ حازم، تحاول استعادة هيبتها: – لا تفكر حتى بالاقتراب. سأجلس هنا قليلًا… ثم أغادر.
رفع حاجبه، وجلس خلف مكتبه من جديد. – هممم… مادمتِ ستجلسين هنا، ألا تفضلين الجلوس في حضني؟ سيكون أكثر راحة.
– لا، شكرًا.
قالتها بسرعة، دون تردد، مما جعله يبتسم بخفة.
عاد إلى عمله، لكنه كان يشعر بنظراتها عليه بين الحين والآخر.
نظرات صامتة… دافئة.
وذلك… كان كافيًا ليشعر بسعادة غريبة، هادئة.
ومع مرور الوقت، خفتت تلك النظرات.
رفع رأسه…
فوجدها قد نامت.
اقترب منها ببطء، وانحنى قليلًا، ثم حملها بين ذراعيه بحذر، كأنها شيءٌ هش يمكن أن ينكسر.
تأمل وجهها النائم… كان هادئًا، طفوليًا، خاليًا من أي قلق.
همس: – عنيدة… حتى في النوم.
توجه بها إلى غرفته، ووضعها برفق على السرير.
وقف لحظة ينظر إليها.
كانت تبدو… جميلة بطريقة هادئة، كدمية زجاجية يخشى المرء لمسها بقوة.
غيّر ملابسه، ثم استلقى إلى جانبها.
تردد لحظة… ثم مدّ ذراعه واحتضن خصرها برفق.
شعر بحرارة جسدها القريبة، وبأنفاسها المنتظمة.
وأخيرًا…
لأول مرة منذ أيام طويلة،
أغلق عينيه،
وغرق في نومٍ عميق… هادئ… بلا أحلام مزعجة.
~~~~~~~~~~~~~
ادري حاقدين علي
بس اسمعوني 🫠🥲
فقدت حسابي في الواتباد وهناك كانت الفصول مكتوبة وعلما حليت المشكلة ….. اسفة على التأخير على اي حال غيرت حسابي على الواتباد وراح اعطيكم الحساب الجديد قريبا
التعليقات لهذا الفصل " 48"