مرّ أسبوع تقريبًا منذ بدأتُ تدريباتي مع إيفلين.
أسبوع كامل من الوقوف باستقامة حتى يؤلمني ظهري، من إعادة الجمل نفسها عشرات المرات حتى تصبح نبرتي أكثر هدوءًا ورسمية، ومن السير ببطء محسوب، خطوة… ثم خطوة… وكأن الأرض نفسها تراقبني.
– لا ترفعي كتفيكِ هكذا، قالت إيفلين مرة وهي تدور حولي بنظرة ناقدة،
– النبيلة لا تبدو متوترة حتى لو كانت كذلك.
حاولتُ تصحيح وضعيتي، وأنا أتمتم: – هذا أصعب مما يبدو…
رفعت حاجبها قليلًا، ثم قالت بنبرة هادئة: – لأنكِ تفكرين كثيرًا.
ثم أضافت وهي تعود إلى كرسيها:
– أتقني الأساسيات فقط، وسيكون كل شيء بخير.
سيكون كل شيء بخير…
كلمات بسيطة، لكنها لم تُهدئ قلقي.
في تلك الليلة، كنت جالسة قرب النافذة في غرفتي.
كان الظلام دامسًا على نحوٍ غريب، بلا قمر، بلا نجوم… مجرد سماء سوداء صافية، كأنها بحر بلا قاع.
أسندت رأسي إلى الإطار الخشبي، أحدّق في الفراغ.
ما زالت الرواية تثقل كاهلي…
كل شيء تغيّر.
البطلة… تساعدني.
تزورني كل يوم.
تبقى لساعات، تدرّبني، تتحدث معي، وكأن هذا أمر طبيعي.
لكن… أين ولي العهد؟
هذا السؤال كان يلحّ عليّ منذ أيام.
من الغريب… بل من المستحيل تقريبًا، أن يسمح لحبيبته المقرّبة أن تزور قصر “الشرير” يوميًا دون أن يظهر مرة واحدة، ولو بدافع الفضول.
في الرواية، كان فضوله تجاهها واضحًا منذ البداية. وكانت هي أيضًا… مرتبكة أمامه، منجذبة نحوه بطريقة لا تخطئها العين.
أما الآن…
فلا شيء.
هل… لم تتكوّن علاقتهما بعد؟
عبستُ قليلاً. كنت متأكدة أن التوقيت في القصة كان قد تجاوز هذه المرحلة.
إذًا… ماذا تغيّر؟
تنهدت ببطء. كلما حاولت فهم ما يحدث، ازداد ارتباكي.
أبعدتُ نظري عن السماء، لكن السواد ظلّ عالقًا في ذهني… وذكرني بشيء آخر.
كلود.
لا أعرف لماذا… لكن الظلام يذكرني به دائمًا.
ليس لأنه مظلم… بل لأنه هادئ. ساكن. يشبه تلك اللحظات التي يقف فيها بصمت، وكأن العالم كله يتوقف حوله.
شعرتُ بشيء دافئ ينتشر في صدري.
غريب…
من الغريب أن مجرد التفكير في شخص ما يجعلني أشعر بالراحة.
أنا… لم أعتقد يومًا أنني سأحب أحدًا. ولا أن أحدًا قد يحبني.
كنت دائمًا أظن أنني سأعيش حياتي بهدوء، بلا روابط عميقة، بلا شيء يجعل قلبي يرتجف هكذا لمجرد ذكر اسم.
لكن الآن…
ابتسمتُ بخفة، وأنا أحدّق في الظلام. بسبب هذا الدفء الذي عرفته بفضله…
كلود أصبح أهم شخص في حياتي.
لأول مرة… أريد أن أحارب.
ليس من أجل النجاة فقط… بل من أجل شخص.
أغمضتُ عيني للحظة، وأفكاري بدأت تنتظم ببطء، كأن شيئًا ما استقر أخيرًا في داخلي.
صحيح…
لا يهمني ما سيحدث بين الأبطال. لا يهم إن أحبّوا بعضهم أم لا. لا يهم إن تغيّرت القصة.
كل ما يهمني… أن يكون كلود بخير.
أن يكون سعيدًا.
فتحتُ عينيّ، وابتسمت بمرارة خفيفة. ربما هذه رغبة أنانية…
التعليقات لهذا الفصل " 47"