لم يكن طعامًا بقدر ما كان اختبار صبر. جلسنا حول الطاولة نفسها، لكن المسافة بيننا كانت أثقل من أن تُقاس بالخطوات. الصمت كان خانقًا، يضغط على صدري مع كل نفس، وكل حركة أدوات الطعام كانت تبدو أعلى مما يجب.
حين نهضت إيفلين، فعلت ذلك بثقةٍ معتادة، وكأن شيئًا لم يحدث. – سأعود غدًا، قالت بهدوءٍ رسمي،
– سنبدأ حينها.
ثم غادرت.
لم أتابعها بنظري. بمجرد أن أُغلق الباب خلفها، شعرتُ أنني أستطيع التنفس مجددًا… ولو قليلًا.
نهض كلود بعدها مباشرة. لم ينظر إليّ في البداية، ثم قال بصوتٍ منخفض، متماسك بصعوبة: – سأذهب إلى المكتب.
توقف لحظة، وكأنه يفكر في شيءٍ ما، ثم أضاف: – سنتحدث الليلة.
وغادر.
بقيتُ وحدي.
جلست لثوانٍ أحدّق في الفراغ، أحاول استيعاب كل ما حدث. كان واضحًا… كلود منزعج.
بل أكثر من ذلك—غاضب، قَلِق، وربما خائف.
وأنا أعرف السبب.
الدخول إلى المجتمع الراقي ليس خطوة عادية. إنه… حرب.
ظهور فتاة مجهولة، بلا اسم نبيل، بلا تاريخ معروف، لتُعلن فجأة خطيبتها لدوق الإمبراطورية الوحيد؟ الضجة لن تكون عابرة. الشائعات ستنتشر، الألسنة ستنهش، والعيون ستراقبني في كل حركة، كل كلمة، كل نفس.
وأنا… لست من هذا العالم.
لست نبيلة. لست معتادة على الابتسام وفق قواعد، ولا على اختيار كلماتي كما تُختار الأسلحة. أنا لا أعرف كيف أقاتل في هذه الساحة.
شعرتُ بثقلٍ يضغط على صدري. كم سيكون هذا مرهقًا… كم سيكون قاسيًا…
اقتراح كلود كان يتردد في ذهني. اتركي كل شيء لي. تجاهليهم. اعتمدي عليّ.
كان عرضًا مغريًا… مغريًا جدًا. أن أختبئ خلفه، أن أسمح له أن يحمل كل العبء وحده، بينما أجلس بأمان.
لكن…
نهض شيء في داخلي ورفض.
لا أستطيع.
لا أستطيع أن أرمي كل شيء خلف ظهري، وأغلق عينيّ، وأتظاهر أنني مجرد متفرجة في حياتي. لا أريد أن أكون نقطة ضعفه. ولا أريد أن أكون ظلًا.
عدتُ إلى غرفتي بخطوات بطيئة. أغلقت الباب خلفي، وأسندت ظهري إليه للحظة، ثم تقدّمت واستلقيت على السرير.
حدّقتُ في السقف. كم مرة فعلتُ هذا من قبل؟
فكّرت في الماضي. في تلك الفتاة التي كانت تستسلم دائمًا، تترك الأحداث تجرفها، تقنع نفسها أن لا خيار لديها. تلك الفتاة التي تقبل بما يُفرض عليها، فقط لأنها متعبة.
لا أريد أن أكون هي مجددًا.
هذه المرة…
إن كان ممكنًا، أريد أن أتمسك بما أريده. أن أحارب من أجله. أن أختار.
لا أريد أن يُسلب مني شيء بعد الآن. لا أحلامي. ولا قراراتي. ولا نفسي.
شعرتُ بتعبٍ ثقيل يتسلل إلى أطرافي. أفكاري بدأت تتباطأ، وصوت قلبي صار أكثر هدوءًا.
لم أشعر بالنعاس وهو يقترب. فجأة…
غفوت.
لكن حتى في النوم،
كنت أعرف أن المعركة لم تبدأ بعد.
~~~~~~
كان الممر الحجري باردًا على نحوٍ غير معتاد، حتى بالنسبة للقصر الإمبراطوري.
مشى ليونهارد بخطوات ثابتة، عباءته الداكنة ما تزال تحمل غبار السفر، وسيفه لم يُنزَع بعد من خاصرته.
عاد لتوّه من الجنوب.
القراصنة الذين أقلقوا تجار الإمبراطورية تم قمعهم، الموانئ عادت آمنة، والبحر… صامت من جديد.
مهمة ناجحة، كما هو متوقع منه دائمًا.
ومع ذلك، لم تُمنح له فرصة للراحة.
استدعاء إمبراطوري… في هذا الوقت؟
توقف أمام باب القاعة الكبرى.
الظلام كان قد تسلّق السماء، والنوافذ العالية لا تعكس سوى ضوء المشاعل.
تنفّس بهدوء، ثم أشار للخادم الواقف عند الباب.
– ولي العهد، ليونهارد فون راين، يطلب الإذن بالدخول.
لم تمر سوى لحظات حتى جاء الرد: – فليدخل.
فُتح الباب.
دخل ليونهارد بنظرة متكاسلة ظاهريًا، لكن عينيه كانتا يقظتين كعادته.
انسحب الخدم بصمت، وأُغلقت الأبواب الثقيلة خلفه.
انحنى انحناءة رسمية. – تحياتي، جلالة الإمبراطور.
أشار الإمبراطور بيده. – قف.
رفع ليونهارد رأسه. – ما سبب استدعائي، يا أبي؟
ساد صمت قصير.
ثم قال الإمبراطور بنبرة هادئة… هدوء لم يعجب ليونهارد أبدًا: – أشعر أن أحدهم… يستخف بي.
تجهمت ملامح ليونهارد. – يستخف بك؟
اقترب خطوة، وصوته انخفض:
– من يجرؤ؟
ابتسم الإمبراطور.
ابتسامة بطيئة، عميقة، لا تحمل أي دفء.
– اهدأ، ليونهارد.
قالها وهو يستند إلى عرشه.
– أنا لا أحب التخلّص من الجرذان فورًا.
رفع ليونهارد حاجبه. – بل؟
– أستمتع قليلًا… برؤية الحشرات وهي تواصل الزحف، ظنًا منها أنها آمنة.
حشرات؟
شعر ليونهارد بانقباضٍ غير مريح. – إذًا… ما المطلوب مني؟
نظر الإمبراطور إليه مباشرة. – أريدك أن تراقبه.
– أراقب… من؟
– وأن تقترب منه.
ضاق صدر ليونهارد. – تحدث بوضوح.
توقفت ابتسامة الإمبراطور للحظة، ثم قال: – خطيبتك.
ساد صمت قاتل.
تجمّد ليونهارد في مكانه.
… ماذا؟
لم يحتج إلى السؤال. فهم فورًا.
شعر بشيءٍ أسود يشتعل في عينيه. انفلت منه صوت منزعج، أقرب إلى الزفير الغاضب.
– تلك الفتاة؟
ضحك الإمبراطور بهدوء. – نعم، إيفلين سكارت.
إيفلين.
الاسم وحده كفيل بإشعال غضبه.
تلك الفتاة…
لم تكتفِ بأنها التصقت باسمه كيرقةٍ مزعجة،
ولا بأنها فُرضت عليه كخطيبة،
بل الآن… تتحرّك من خلف ظهره؟
– تريدني أن أراقبها؟
قالها ببرود حاد.
– أم تريدني أن أتخلّص منها؟
ارتفعت ابتسامة الإمبراطور مجددًا. – لا.
قالها بوضوح.
– هي مهمة.
ضغط ليونهارد على فكه. – لأي خطة؟
– هذا لا يهمك الآن.
ساد الصمت. ثم انحنى ليونهارد انحناءة قصيرة، قاسية. – كما تأمر.
استدار. – أستأذن بالانصراف.
– بالطبع.
غادر القاعة.
ما إن أُغلقت الأبواب خلفه حتى انفجر غضبه. قبض على يده بقوة.
تلك الفتاة الكئيبة…
تلعب لعبة أكبر منها.
كان يريد قتلها. حقًا، كان يريد.
لكن كلمات والده كانت واضحة: هي مهمة للخطة.
فرك جبينه بانزعاج. – اللعنة…
توجه إلى جناحه بخطوات سريعة، يردد الشتائم بصوتٍ خافت.
التعليقات لهذا الفصل " 46"