دخل كلود بخطواتٍ هادئة، يرتدي قميصًا أبيض فضفاضًا من الكتان، أكمامه مطوية إلى منتصف ساعديه. كان الضوء ينعكس على بشرته ليمنحه دفئًا يُشبه شمس هذا الصباح.
حين رآها مستيقظة، انفرجت شفتاه عن ابتسامةٍ حقيقيةٍ هذه المرة — ابتسامة تذيب كل أثرٍ للبرد والمرض.
اقترب منها بسرعةٍ هادئة، وجلس على حافة السرير. وضع راحة يده على جبينها يتحسس حرارتها، ولم يقل شيئًا في البداية.
كانت يداه دافئتين إلى حدٍّ جعل وجهها يشتعل حمرة، فخفضت نظرها في ارتباكٍ واضح.
قال بنبرةٍ خافتة، وفي صوته حنانٌ لا يُخفى:
> “حرارتك انخفضت… هذا جيد. هل تشعرين بتحسن؟”
تلعثمت وهي تجيبه:
> “أجل، أنا بخير تمامًا.”
لكن خديها المحمرّين فضحاها أكثر من كلماتها.
تأملها كلود للحظة، ثم ناداها بصوتٍ ناعمٍ لكنه حازم:
> “ليتي… انظري إليّ.”
رفعت رأسها بخجل، وعيناها الزرقاوان تلمعان تحت الضوء كبحيرتين صافيتين بعد المطر.
اقترب أكثر، حتى صار صوته يُهمس عند حافة الهواء، ثم انحنى قليلًا… وطبع على خدّها قبلةً خفيفة، دافئة، كأنها وعدٌ صغير لا يُقال بالكلمات.
تجمدت ليتي في مكانها، أنفاسها تعثّرت، وحرارة جديدة ارتفعت إلى وجهها.
ضحك كلود بخفةٍ وهو يبتعد قليلًا، ثم قال بنبرةٍ مرحةٍ لم تعهدها منه:
> “والان عليك تناول الفطور .”
وهكذا وفي لحظة كان الطعام قد وضع امامها
~~~~~~~
كانت شمس الظهيرة تتسلّل عبر الزجاج الشفاف للدفيئة، تنعكس على أوراق النباتات فتمنحها بريقًا يشبه الحياة ذاتها.
سرت بخطواتٍ بطيئة بين صفوف الزهور، أتنفّس عبيرها العذب وأنا ألمس برفقٍ بتلاتٍ لا تزال نديّة.
وأنا أتنقّل بين الألوان، وجدت نفسي أبتسم — ابتسامة صغيرة تحمل شيئًا من الراحة، وشيئًا من الامتنان.
> “مرّ ثلاثة أيام فقط… لكنها بدت كعمرٍ كامل.”
تسللت الذكريات من بين طيات ذهني كأنها تُعرض أمامي من جديد.
في اليوم الأول بعد مرضي، كنت أظن أني سأجنّ.
لم يكن هناك ما أفعله سوى النظر إلى السقف أو احتساب عدد الأزهار على ستائر الغرفة.
حينها، لم أعد أحتمل أكثر، فرفعت صوتي قائلة لكلود الذي كان يكتب شيئًا قرب النافذة:
> “أريد أن أخرج قليلًا، فقط إلى الشرفة!”
رفع رأسه من الأوراق دون أن يبدو عليه الانفعال، وقال بنبرةٍ هادئة لكنها قاطعة:
> “لن تخرجي حتى يسمح الطبيب. لا فائدة من المجازفة الآن.”
تنهّدت بملل، ثم قلت وأنا أعقد ذراعيّ:
> “لكنني أموت من الضجر! حتى الهواء صار ثقيلاً هنا!”
“إذن تنفّسي ببطء، ولا تموتي.”
نظرت إليه بحدة، فابتسم بخفة جعلتني أزداد انفعالًا.
> “كلود، أنا أتحدث بجدية!”
“وأنا كذلك. لن تغادري السرير.”
أطرقت رأسي للحظة، ثم تمتمت بنبرةٍ حزينة:
> “أبقى وحدي طوال النهار بينما أنت تختفي في عملك… هذا ما يجعل الوقت لا يمر.”
سكت.
لم يعلّق بكلمة واحدة، لكنني رأيت في عينيه نظرةً غريبة، كأنه أدرك شيئًا لم أقله تمامًا.
بعدها غادر الغرفة دون أن يجيب.
ظننت أنه غاضب، فشعرت بندمٍ خفيف.
لكن حين استيقظت في صباح اليوم التالي، فوجئت بمنظرٍ لم أستوعبه فورًا.
كانت طاولته الكبيرة قد وُضعت في الزاوية، وأوراقه مرتبة بعناية على الرف القريب من سريري.
وكان هو جالسًا هناك، يكتب بصمتٍ كما يفعل دائمًا — في غرفتي.
تساءلت بصوتٍ متعجّب:
> “ماذا… تفعل هنا؟”
التفت إليّ بابتسامته الهادئة ذاتها، وقال بكل بساطة:
> “أنقل مكتبي.”
> “ولماذا بالضبط إلى هنا؟”
“لأنك قلتِ إنك تشعرين بالملل وحدك.”
تجمدت كلماتي في حلقي، ولم أستطع الرد.
ضحك بخفة وأردف:
> “لا تقلقي، لن أزعجك، فقط… سأعمل هنا حتى لا تشعري بالوحدة.”
ذلك اليوم كان الأطول، لكنه أيضًا الأدفأ.
كان صمته يملأ الغرفة بطريقة مريحة، وصوت أوراقه وهي تُقلّب صار موسيقى خلفية لنومي.
وهكذا قضيت الأيام الثلاثة كلها — لا أرفع قلماً، ولا أضع قدمي على الأرض، فقط أراقبه يعمل، يقدّم لي الدواء بصرامة، ويتأكد كل مساء أن الغطاء يصل إلى كتفيّ.
بعد ثلاثة أيامٍ من الحبس في السرير، بدا الهواء اليوم وكأنه ولادة جديدة.
التعليقات لهذا الفصل " 41"