كانت رقائق الثلج تتساقط ببطء، تتراقص في الهواء قبل أن تستقر بخفة على أطراف الأشجار والمقاعد الحجرية. الحديقة كانت صامتة إلا من صوت تنفسهما والهمسات البعيدة للريح التي تمرّ بين الأغصان العارية. كان الليل ناعمًا، باردًا حد الوجع، لكنّ دفء اللحظة بينهما جعل البرد يبدو كأنه شيء بعيد جدًا.
جلست ليتي على أحد المقاعد الخشبية، كتفاها مغطّيان بمعطف أسود واسع لا يخصّها.
كان معطف كلود — ثقيلًا عليها، يلامس أطراف فخذها تقريبًا، تفوح منه رائحة خشبٍ دافئ ممزوجة برائحة المطر.
كانت أنفاسها تخرج على شكل ضبابٍ صغير في الهواء، ثم عطست فجأة بخفة.
– “عطستِ؟” سألها كلود وهو يلتفت نحوها بقلق، حاجباه يرتفعان قليلًا، وصوته يختلط بين الجدية والدفء.
– “أنا بخير…” تمتمت وهي تحاول أن تبتسم، لكنها بدت أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
نظر إليها طويلًا، ثم مدّ يده برفق، ووضع راحة كفه على جبينها. كانت حرارته تذيب البرد عنها للحظة.
– “أنت دافئة أكثر مما يجب…” قال بنبرة قلقة وهو ينهض قليلًا. “أظن أن علينا الدخول، لا أريدك أن تمرضي.”
لكن قبل أن يبتعد، شعرت ليتي بشيء من الذعر، مدّت يدها الصغيرة وأمسكت طرف معطفه.
نظر إليها متفاجئًا، فرفعت وجهها المحمر من البكاء والبرد وقالت بصوتٍ ضعيف لكنه مليء بالرجاء:
> “لا… دعنا نبقى قليلًا بعد. أرجوك، كلود.”
توقف للحظة، يتأمل ملامحها المنهكة، عينيها اللتين احمرّتا من الدموع ومن البرد، وابتسم بخفة كأن قلبه استسلم لرجائها.
جلس مجددًا بجانبها وقال بصوت منخفض:
> “حسنًا… قليلاً فقط.”
ساد صمت قصير. كان الثلج يغطي الأرض شيئًا فشيئًا، كأنهما جالسان في حلم أبيض لا يريد أن ينتهي.
رفعت ليتي نظرها نحوه بهدوء، ثم همست وهي تتأمل وجهه الذي صار مألوفًا حد الوجع:
> “كلود… هل كنت تعرف من أنا منذ البداية؟”
لم يجب فورًا. اكتفى بالنظر إلى رقاقات الثلج وهي تتساقط على شعره الأسود، حتى غطّت أطراف كتفيه بطبقة رقيقة من البياض.
أخيرًا، قال بصوت عميق:
> “نعم… كنت أعرف.”
اتسعت عيناها قليلًا، لم تكن تتوقع تلك الصراحة الهادئة.
– “إذًا… لماذا لم تخبرني؟ لقد كان الأمر… مريبًا جدًا.”
التفت إليها، في عينيه ظل ضوء القمر، وابتسامة صغيرة تحمل شيئًا من الحنين.
– “لأنني كنت أراكِ من بعيد… صغيرة، عنيدة، وتتكلمين مع قطة لا تعرفين أنها تنصت لكل كلمة.”
مال برأسه قليلًا وأضاف:
– “كنتِ لطيفة بطريقة جعلتني لا أريد أن أفسدها. أردت فقط أن أراقبك… أن أراكِ تبتسمين. لم أرغب أن أحمّلكِ حقيقة ثقيلة كهويّتي.”
نظرت إليه مطولًا، قلبها يتأرجح بين الغضب والامتنان، ثم همست وهي تخفض رأسها:
> “كان الأمر مؤلمًا… شعرت أنني مجنونة، أنني أتحدث إلى لا شيء.”
اقترب منها قليلًا، حتى صارت المسافة بينهما لا تكاد تُذكر.
رفع يده برفق، ووضعها على خدها الذي احمرّ من البرد، وقال بصوت منخفض كأنما يخاف أن يوقظ العالم:
> “كنتِ تتحدثين إليّ دائمًا، ليتي. كل كلمة قلتِها… كانت دوائي الوحيد في تلك الوحدة. حتى حين كنتِ تبكين، كنتِ تجعلين هذا العالم يبدو أقل قسوة.”
رفرفت أنفاسها، وشعرت بأن كلماتِه تخترق صقيعها كنسمة دافئة.
خفضت نظرها ثم قالت بخجلٍ واضح:
> “أنا حقًا… بكيتُ كثيرًا اليوم. لا أعرف لماذا. كان الأمر محرجًا جدًا.”
ضحك كلود بخفة، ضحكة ناعمة بالكاد تُسمع.
– “الدموع لا تُحرج من تُحبين، ليتي. أحيانًا… تبكي الأرواح حين لا تستطيع القلوب الكلام.”
رفعت عينيها إليه، والثلج يتساقط حولهما، يذوب على أطراف رموشها.
همس هو بابتسامة هادئة وهو ينحني أكثر قربًا منها:
> “لقد وعدتِني أن نرى الثلج معًا، أليس كذلك؟”
هزّت رأسها بخجلٍ صغير، وابتسامة شفافة رسمت على شفتيها.
اقترب أكثر، حتى شعرت بأنفاسه الدافئة تلامس بشرتها الباردة، ثم قال بهدوء:
> “الآن رأيناه… معًا.”
وبينما الثلج يواصل هبوطه الصامت، أغمضت ليتي عينيها، لتشعر بيده تلامس يدها برفق، كأن العالم اختصر نفسه في تلك اللحظة الصغيرة.
لم يعد هناك ماضٍ أو مستقبل — فقط دفء الحاضر، وبياض الثلج الذي يغسل كل شيء سواه.
❄️ وكانت هذه المرة الأولى التي تشعر فيها ليتي أن البرد جميل، لأن من يجلس بجانبها كان كلّ دفئها. ❄️
……
كانت أصوات الهتاف تتصاعد من أعماق القلعة كأنها أنين وحشٍ يلتهم نفسه.
أصوات مكتومة، غليظة، مشبعة برائحة الشر والدم.
وفي تلك القاعة المخفية تحت الأرض — قاعة لا يُسمح بدخولها إلا لمن فقدوا ضمائرهم — كان الظلام سيد المكان.
الضوء الوحيد المنبعث كان من عشرات المشاعل المعلقة في أطراف السقف الحجري العالي، لكنها لم تكن كافية لطرد العتمة؛ بل كانت تخلق ظلالًا متراقصة على الجدران، كأنها أرواح الميتين الذين سقطوا هنا.
تتدلى في الوسط ثريا كبيرة انطفأت معظم شموعها، لا تضيء سوى جزء صغير من المسرح الحجري — المنصة الدائرية التي تتوسط القاعة.
وعلى تلك المنصة… وقف رجلان حافيا القدمين، عاريي الصدر، يلهثان من التعب والدماء تغطي وجهيهما.
كانا عبدين، أُحضرا من أماكن مختلفة من القارة، ولا يملكان سوى شيءٍ واحدٍ مشترك: مصيرهما ينتهي بالموت.
لم تكن مثل هذه المسابقات قانونية او مسموحة بالامبراطورية …. ولكن ماجعلها ممكنة ان الداعمون لها هم اناس مهمون بالامبراطورية مما جعل من الصعب ايقافها
ارتفع صوت الجلاد من بين الحشود:
> “الجولة التالية! الموت فقط هو من يحدد الفائز!”
تعالت الصيحات من حول المسرح، صيحات حماسٍ وحشيٍّ، يملؤها التوحش أكثر من الفرح.
التعليقات لهذا الفصل " 38"