Chapters
Comments
- 8 منذ 7 ساعات
- 7 منذ 7 ساعات
- 6 منذ 8 ساعات
- 5 منذ 8 ساعات
- 4 2025-08-09
- 3 2025-04-19
- 2 - سـبـبُ الانـفـصـال 2025-04-17
- 1 - مـقـدّمــة 2025-04-17
عرض المزيد
فجأة، سَمِعَت صوتَ عجلاتِ عربةٍ تدور، وبعد قليل، توقَّفَت عربةٌ أمام بيتِ الشاي.
وكان الشخصُ الذي نزلَ من العربة واقتربَ هو تمامًا مَن كانت جولييت تتوقَّعه.
ـ “لقد جئتُ لأُرافقَكِ، آنِسَتي.”
كان الرجلُ ذو الندبة الكبيرة على وجهه يبدو وكأنَّه سلاحٌ بشريٌّ بحدِّ ذاته.
لكن بدلاً من أن تنهض، حدَّقت فيه جولييت مطوّلًا وتحدَّثت:
ـ “كاين، أليس كذلك؟”
ـ “نَعَم، آنِسَتي.”
ـ “لماذا لم تكن هنا في وقتٍ سابق؟”
تَردَّد كاين قليلًا، عاجزًا عن الردِّ على سؤالها المباشر.
في هذه الأثناء، ابتسمت جولييت ابتسامة مشرقة.
ـ “قال لي جود إنَّ السيِّد كاين اضطرَّ للذهابِ في أمرٍ عاجل، لذا يجب أن يُرافقَني بدلاً منك. لماذا لم تكُن هنا؟”
ـ “أعتذر، لكن لا يُمكنني الإفصاحُ عن ذلك.”
كان التهرُّبُ من السؤال هو الردُّ المعتاد في مثل هذه المواقف.
ولكن جولييت مُوناد لم تكن شخصًا عاديًّا. فبدلاً من أن تكتفي بإجابةٍ مقبولة، انحنت إلى الأمام وألحَّت في السؤال. كان في عينيها بريقٌ يوحي وكأنَّها تعرف الحقيقة بالفعل، وتُريد فقط التأكُّد.
ـ “هل استدعاكَ صاحبُ السموّ؟”
ـ”لا.”
رغم أن نبرتها لم تكن حادَّةً أو تحقيقية، إلَّا أن كاين تمنّى في داخله أن تتوقَّف عن السؤال.
كان وجهُه عادةً بلا تعبير، لذا لم يَظهر عليه الانزعاج، لكنَّه كان في موقفٍ صعب.
فهو يعلم جيدًا أنَّه ليس بارعًا في الكذب.
كان أكثر براعةً في القتال بالسيوف من التحدُّثِ بالكلمات. فقد كان عبدًا مُقاتِلًا في حلبات المصارعة، ثم أصبحَ قائدًا بارزًا في صفوف المرتزقة.
والسببُ في أنَّه، وهو المرتزق، استطاع أن يصل إلى مستوى “سيِّد السيف” هو أنَّه عمل في خدمة دوق الشمال، وهو أمرٌ نادرٌ جدًّا في عالم المرتزقة.
فالدوق كارلايل كان يُوظِّف الأكفاء، بغضِّ النظر عن أصولهم أو خلفياتهم.
ولحسن الحظ، لَفَت كاين نظرَ الدوق كارلايل، ومنذ انتقاله إلى العاصمة، أصبح يُدرِّب فرسانَ الدوق على فنون القتال، ويُرافق الآنسة جولييت كمُرافقٍ خاصٍّ لها. ولكن، وبشكلٍ دقيق، لم يكن كاين فارسًا رسميًّا.
بل لم يكن حتى من عامَّة الشعب؛ إنَّما كان عبدًا هاربًا من ساحات القتال في حلبات المصارعة.
وكانت جولييت مُوناد هي الشخصَ الوحيدَ الذي كان يُنادِيه بلقب “السيِّد”.
قبل بضع ساعات، استدعاه الدوق كارلايل فجأة وسأله عن جولييت مُوناد. سألَه: أين كانت في الآونة الأخيرة؟ ومن قابلَت؟ ومع مَن تواصلت؟
ـ هل كان هناك شيءٌ غيرُ معتاد؟
لم يكن كاين يعرفُ سببَ هذه الأسئلة، ولكنَّه شعرَ بحدَّة اهتمامِ الدوق. لذلك، دافعَ عن الآنسة جولييت قَدرَ استطاعته، وقال إنَّها بخير، ولم يَظهَر عليها شيءٌ يُثير الشك.
لكن لم يكن من حقِّه أن يُفصحَ عن كلِّ ما جرى لِجولييت بشكلٍ مباشر.
فسيِّده هو الدوق كارلايل، وليس الآنسة جولييت مُوناد. ولكن، لسببٍ ما، شعر كاين بوخزِ ضمير.
ـ” ماذا قال صاحبُ السموّ؟ هل ذكرني؟”
ـ “لا يمكنني الإفصاحُ عن ذلك، أعتذر.”
قرَّر كاين أن يتوقَّف عن المراوغة، فرفضَ بصراحة.
ـ “أفهمُ ذلك.”
توتَّر كاين داخليًّا، خائفًا من أن تُلحّ جولييت في السؤال، لكن، وعلى غير المتوقَّع، تفهَّمَت الموقف فورًا. لم تسأل أكثر، ولم تبدُ عليها خيبةُ أمل.
نظر كاين إليها بحذر.
ـ “هُمم…”
بدا وكأنَّ جولييت فقدت الاهتمام. لم تَبدُ منزعجة.
وبعد دقائق من الصمت، ابتسمت فجأة ابتسامةً عريضة، وكأنَّها تذكَّرت شيئًا، ودفعت بكأسِ الشاي في اتجاهه.
ـ”تفضَّل بالجلوس، واستمتع بالشاي. إنَّه منعشٌ وحُلو.”
ـ “حاضر.”
أخذ كاين الكأس، وجلسَ قبالتها في المقعد المخصَّص له.
وفي تلك اللحظة، تفاجأ صاحبُ المقهى، الذي كان يُحدِّق عبر النافذة بشرود.
قائدُ المرتزقة السابق، القادر على خوضِ المعارك بيديه العاريتين، وعشيقةُ الدوق، يجلسان سويًّا على طاولة الشاي، ويستمتعان بالشاي.
كان منظرًا غريبًا بالفعل.
لم يكن هذا معروفًا لكثيرين، لكن كاين لم يكن يُحبُّ المشروبات الكحولية القويَّة. بل كان يُفضِّل المشروبات الحلوة والمنعشة. كان هذا الذوقُ مُغايرًا تمامًا لمظهره.
وجولييت كانت من القلائل الذين لاحظوا ذلك. كانت غالبًا ما تدعوه لمُشاركتها وقتَ الشاي الخاصّ بها.
تمامًا كما الآن.
كان كاين يستمتعُ بهذا الوقت كثيرًا.
جولييت مُوناد لم تكن تتكلَّم كثيرًا، لكن كان لديها موهبةٌ غريبة في خلقِ جوٍّ مريح.
وقد تساءل كاين أحيانًا، لِمَ كان الدوق كارلايل، سيِّده، يُبقيها بجانبه؟ ربَّما لهذا السبب تحديدًا.
وحين أنهى كاين كوبه، نظر نحو جولييت نظرةً خفيفة.
كانت لا تزال لا تُبدي اهتمامًا، ولم تَمسَّ شرابها، بل كانت تنظرُ حولها بلا مبالاة، ثم ابتسمت له بهدوء.
ـ أتُريد كوبًا آخَر؟
ـ نعم.
ورغم أنَّ الشراب كان كما وصفتْه: حُلوًا ومنعشًا، إلَّا أن كاين لم يكن قادرًا على تذوُّق طَعمِه حقًّا.
—
الـمـسـاء.
وصَلَ لينوكس كارلايل إلى قاعةِ الحفلِ في القصرِ قبلَ الموعدِ المُحدَّدِ بقليل.
لكن، بدلًا من أن ينزلَ إلى القاعةِ ويُظهِرَ نفسَه، وقفَ في الشُرفةِ العُلويةِ ذاتِ الحضورِ القليل، يُطلُّ على المشهدِ في الأسفل.
قال له أحدُ الفرسانِ بهدوءٍ وهو يقترب:
ـ “لقد وجدناه.”
كان فارسًا يرتدي درعًا سوداء، يتحدَّثُ بصوتٍ هادئ. إنهم الفرسانُ النُخبة، الذين يعملونَ سرًّا تحتَ أوامرِ الدوق كارلايل، ويُعرَفون بـ “ذِئابِ الدوق”.
وكان هادين هو قائدُ أولئك الذئاب.
ـ” إنَّه رجلٌ يسكُنُ في الحيّ الثامن، يُدعى دونوفان.”
وفقًا لأوامرِ الدوق بإحضارِ الرجلِ المُريبِ الذي زارَ مقاطعةَ والدِ جولييت، تمكَّنَت “ذِئابُ الدوق” من العثورِ على رجلٍ مجهولِ الوجهِ والاسم.
قال لينوكس بصوتٍ مُقتضب:
ـ “نعم.”
غيرَ أنَّ ملامحَ وجهِ لينوكس كارلايل لم تتغيَّر إطلاقًا أثناءَ استماعهِ للتقرير.
فالحيُّ الثامن هو منطقةٌ يسكنها عامَّةُ الناس من الأثرياء، وقد شكَّلوا فيها ما يُشبهُ دولةً صغيرةً مُستقلَّة.
ـ “إذًا، كان ذلك صحيحًا بالفعل.”
الرجلُ المجهولُ الذي زارَ ضَيْعَةَ والدِ جولييت مرارًا، لم يكن من نسجِ خيالِ الخادمة.
سأل القائد بهدوء:
ـ “يا صاحبَ السمو، ماذا نَفعلُ به؟”
أجابه الدوق:
ـ “انتظروا الآن. سأُقرِّرُ ما يجبُ فعلُه بعدَ انتهاءِ الحفل.”
ورغم أنَّ الفارسَ المُدرَّعَ انسحبَ بهدوء، لم يُغادِر لينوكس الشُّرفة.
وفي تلك الأثناء، بدأ الحفلُ في الأسفل.
وبينَ الحاضرينَ المُتأنِّقين، الذين راحوا يتراقصونَ ويتبادلونَ الأحاديث، لَفَتَت انتباهَه امرأة.
كانت ترتدي ثوبًا أزرقَ داكنًا، وتقفُ بهدوءٍ بجانبِ الجدار. شعرُها الكستنائيُّ بدا وكأنَّه يتلألأُ بلونِ الفِضَّة تحتَ الأضواء، وعُنُقُها الأنيقُ وكتفاها المستديرانِ مكشوفانِ بالكامل. كانت ذاتَ قَوامٍ ساحر.
وعلى الرغمِ من هيئتِها التي تُشبهُ “زهرةَ الجدار”، إلَّا أنَّ هذه المرأة، التي أزعجته طوالَ اليوم، لم تكن سوى جولييت.
قال لنفسه:
ـ’لو لم تظهرْ في قاعةِ الحفلِ مُتحجِّجةً بمختلفِ الأعذار، لكنتُ ذهبتُ بنفسي للبحثِ عنها وجَلْبِها.’
لكن جولييت ظهرت في حفلِ القصرِ بشجاعة، كما وعدَت تمامًا.
وبصراحةٍ، شعر لينوكس ببعضِ الإعجابِ بها اليوم.
عشيقته، التي طالما كانت هادئةً مثل اللسانِ في الفم، كانت تَعرفُ كيف تُجرِّبَ صبرَه متى شاءت.
كانت جولييت مُوناد عشيقةً لا تتطلَّبُ جهدًا يُذكر. ولأكون أكثرَ دقَّة، كان ذلك مُريحًا له.
فهي لم تطلبْ يومًا شراءَ أشياءَ كثيرة، ولم تَتذمَّرْ أو تُطالِبْ بمزيدٍ من الحُبِّ أو الاهتمام.
والأهمُّ من ذلك أنَّ جولييت لم تَفرضْ عليه مشاعرَ من طرفٍ واحد. لم تتوقَّعْ منه مبادلةً عاطفيَّة.
في الحقيقة، لينوكس كارلايل لم يكن يضعُ معاييرَ عاليةً في اختيارِ عشيقته.
كان يرى أنَّ قِلَّةَ الذوقِ أو ضعفَ المكانةِ الاجتماعية لا بأسَ بها. ما كان يُفضِّلُه هو أن تكونَ العلاقة قابلةً للقطعِ متى شاء، بسهولةٍ وبدونِ تعقيد.
لم يكن يُهمُّه إن كانت عشيقته تُنفِقُ المالَ بسَخاء، أو تستمتعُ برفاهيَّةٍ زائدة. ما كان يُهمُّه فعلًا هو “نهايةُ العلاقة”.
فهو يُنهي العلاقة عندما يُريد، بطريقةٍ نظيفة.
فهو ليس مراهقًا في الخامسةَ عشرةَ من عمره، يُحبُّ أول حبٍّ في حياتِه.
بل كان يَكرَهُ إضاعةَ الوقتِ في عباراتِ الحُبِّ السَّخيفة.
ورغم أنه كان يُحيطُ نفسَه بالنساءِ متى احتاج، إلَّا أنَّه لم يُحافِظ على علاقته مع أيٍّ منهنَّ طويلًا، لهذا السبب تحديدًا.
ولكن…
ابتسم لينوكس كارلايل ابتسامةً جانبيَّة.
جولييت، بملامحِها الرقيقة، وحاجبَيْها العنيدَيْن، وأنفِها الصغير، وجبهتِها المُدوَّرة، وعُنُقِها المُتأنِّق، لم تكن كثيرةَ الكلام، لكنها كانت نافذةَ البصيرة.
كانت مُختلِفةً قليلًا عن النساءِ السابقات، اللاتي كُنَّ يَجلِسنَ إلى جانبِه ويملأنَ الأجواءَ ثرثرةً لا طائلَ منها.
في الواقع، جولييت لم تكن تُشبهُ ذوقَه المُعتاد.
فهو يُحبُّ الأمورَ المُترَفة والمُبهِرة، بينما جولييت مُوناد تُشبِهُ الجمالَ الهادئَ المرسومَ في لوحاتِ المعابد التي يُفتنُ بها النبلاء.
ومنذ البداية، كان قرارُه بأخذِ جولييت مُوناد عشيقةً له قرارًا اندفاعيًّا.
ومع ذلك، لم تكن جولييت تزعجه بكثرةِ الكلام، ولم تطلبْ شيئًا قبلَ الأوان، ولا ألَحَّت في أيِّ شيء.
ولهذا، كان لينوكس يجدها مثيرةً للاهتمام أحيانًا.
ـ’مريحة، أليس كذلك؟’
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"