Chapters
Comments
- 8 منذ 9 ساعات
- 7 منذ 9 ساعات
- 6 منذ 9 ساعات
- 5 منذ 9 ساعات
- 4 2025-08-09
- 3 2025-04-19
- 2 - سـبـبُ الانـفـصـال 2025-04-17
- 1 - مـقـدّمــة 2025-04-17
عرض المزيد
كانَ المشهدُ في مكتبِ دوق “كارلايل” يحملُ شيئًا من الجديّةِ والصرامة.
لم يكن هناك ما يُثيرُ الشُّبُهات.
وأثناءَ استماعه لتقريرِ أحد الفرسان، وَقَّعَ الدوقُ “كارلايل” على الصفحةِ الأخيرة من وثيقةِ الموافقة التي بين يديه.
وبذلك، تكونُ المهامُّ التي كان من الواجبِ إنهاؤها في العاصمة قد أوشكت على الانتهاء.
“هل انتهيتَ؟”
“نعم، سموّ الدوق.”
أومأ “إليوت”، كاتبُ الدوق، برأسه سريعًا.
“ليس هناك أيُّ أمرٍ عاجلٍ يحتاج إلى اهتمامكم في الوقتِ الحالي.”
كان الدوق “كارلايل” قد أمضى صباحه بأكمله وكأنّ إعصارًا قد اجتاح المكان، فقد قرّر فجأة أن يُنهي جميع الأعمالِ المُعلّقة في العاصمة خلال هذا اليوم.
ولم يجرؤ أحدٌ على الاعتراض على قرار الدوق.
قضى الكُتّابُ ساعاتٍ مرهقةً في مراجعة العقود واستقبال الضيوف كما لو كانوا في سباقٍ مع الزمن.
ورغمَ عَجَبِ الجميع من كيفيّةِ إنجازِ كلِّ شيءٍ في وقتٍ قصير، إلّا أنّ مقرَّ الدوق قد عادَ إلى هدوئه، وكأنّ عاصفةً قد مرّت ثم انقشعت، ليصفوَ الجوُّ من جديد.
كان “لينوكس كارلايل” يُحدِّقُ بتأمّلٍ من نافذة مكتبه.
فبعد أن أتمّ الأمور العاجلة، صارَ بإمكانه الآن تحليلُ المعلوماتِ الّتي تلقّاها مؤخرًا بشأن تحرُّكات “جولييت” والأماكنِ التي زارتها خلال الأشهر الماضية.
لم تكن “جولييت” من أولئك الذين يستمتعون بالحياة الاجتماعيّة، وكانت دائرتُها ضيّقة للغاية.
حياتها اليوميّة كانت رتيبةً ومتشابهة، ولم تُسجَّل أيُّ علاقةٍ لها بأشخاصٍ مشبوهين.
وفوق ذلك، كان الحارسُ المرافق لها يُبلّغ عن تحرُّكاتها كلَّ ساعةٍ تقريبًا.
حتى جدولُ يومها هذا، لم يكن يختلف كثيرًا عن المعتاد.
وكما هو حالُه، أمضت “جولييت” نصف يومها في جدولٍ مزدحمٍ لكن منظَّم.
لم يكن اليومُ مميزًا، سوى أنّه كان من المُفترض أن تعود إلى مقرِّ الدوق بحلولِ الظهيرة، لأنّه قد دعاها إلى العشاء.
وكان “لينوكس” قد علمَ مُسبقًا بما جرى في المعبد.
“الكونت كاسبر، أليس كذلك؟”
“نعم. هل تعرف اسمَ المركيز (غينيس)؟ إنّه خَطيبُ الأميرة (بريسيلا). يبدو أنّه فقدَ عقلَه تقريبًا. أظنّ أنّ السبب هو تلك الشابّة…”
بالطبع، كان “لينوكس” قد نَسِيَ منذ زمنٍ اسمَ ذلك الكونت التافه.
ولو أنّ “جولييت” قد استعملت أوهامَها الباهرة أمام الناس، لكان ما حدثُ أمرًا منطقيًّا تمامًا.
وما كان يُقلِقه في تلك اللحظة هو أمرٌ واحدٌ فقط:
رغم اتّفاقهما، لم تعُد “جولييت” إلى القصر حتّى بعد منتصفِ النهار.
“الآنسة ستتوجّه إلى قاعةِ الحفل في القصر مباشرةً بعد أن تنتهي من تجهيز نفسها في قصر آل (موناد).”
“فهمت.”
كان “جود”، الذي أُرسل لمرافقة “جولييت”، قد قدّم تقريرَه.
وفي العاصمة، لا يزال قصرُ عائلةِ “موناد” قائماً، وهو مِلكٌ لعائلة “جولييت”.
ولم يكن “لينوكس” قَلِقًا من احتمالِ أن تهرب “جولييت” فجأةً أو ما شابه.
فقد كان الحُرّاسُ الذين خصّصهم لحمايتها من نخبةِ فرسانِ الدوق.
“إذًا، لا شيء مُريب…” تمتم “لينوكس” وهو يُقلِّبُ بعضَ الرسائلِ الموضوعةِ على الطاولة.
كانت تلك الرسائلُ موجَّهةً لـ”جولييت”، تتضمّن دعواتٍ لحضورِ مناسباتٍ اجتماعيّةٍ عدّة.
وطبعًا، لم تكلّف “جولييت” نفسها حتّى فتحَ الأختام، فقد بقيَت كما هي.
بدا “لينوكس كارلايل” من الخارج وكأنّه على حالِه المعتادة.
فقد كان صارمًا مع موظّفيه لإتمامِ جميع الأعمال في موعدها، كما بدا وكأنّه لا يُعيرُ اهتمامًا كبيرًا لعدم عودةِ عشيقتِه حتّى الآن.
هذا ما بدا عليه في الظاهر.
لكنّ ذهنَ دوق “كارلايل” كان حادًّا كالسيف.
أخذ يُنقِّرُ بأصابعهِ الطويلةِ والمُهندمة على سطحِ الطاولة بتفكيرٍ عميق.
“هل تنوي أن تتصرّفَ بهذه الطريقة؟”
لقد تجنّبت “جولييت” لقاءه.
ولم تكتفِ بذلك، بل رفضَت قبولَ هديّته، وأعادت القلادةَ وكأنّها بلا قيمة، ثم توجّهت إلى قصر عائلتها، كما لو أنّها تُعلِنُ تمرُّدها عليه.
لم يكن هذا تصرُّف “جولييت موناد” التي يعرفُها.
ورغم شعورهِ بأنّ وراءَ سلوكِها هذا سرًّا ما، إلّا أنّ تقاريرَ تحرُّكاتِها الأخيرة لم تحتوِ على ما يُثيرُ الشُّبُهات.
فكيف ينبغي له أن يُفسِّر هذا التغيُّر المُفاجئ؟
“آه، تذكّرتُ أمراً لم أُخبرْ به سموّكم بعد.”
فتح “جود” فمه فجأة، قاطعًا صمتًا دامَ طويلًا، وكأنّه تذكّر شيئًا للتوّ.
“حينما أوصلتُ الآنسة إلى قصر آل (موناد)، التقيتُ بخادمةِ الكونت الراحل.”
رغم وفاةِ الكونت وزوجتِه، بقي عددٌ من الخدمِ يعتنون بالقصر القديم.
“قالت الخادمة شيئًا غريبًا. ذكرت أنَّ رجلًا غريبًا جاء إلى القصر عدّةَ مرّات.”
“رجلٌ غريب؟”
حبس “إليوت”، كاتبُ الدوق، أنفاسَه من غير أن يشعر، وهو يُراقبُ ردّةَ فعلِ دوق “كارلايل”.
أمّا “جود هايون”، الّذي لا يزالُ يجهلُ خطورةَ ما يقول، فكان يُتابع حديثَه بمرحٍ كما لو أنّه لا يدرك ما أثارَه كلامُه.
“نعم، لقد أراد لقاء الآنسة مُوناد. بدا وكأنّه شابٌّ في أواخر العشرينات من عمره. جاء لرؤيتها مرّتين أو ثلاثًا، وطلب لقاءها. وقد كانت الخادماتُ يعتزمن إبلاغ الآنسة جولييت عندما تزور قصر الكونت، لأنّ الشكوك بدأت تساورهنّ. ولكنّ الآنسة مُوناد لا تزور القصر كثيرًا، لذا لم تتسنّ لهنّ الفرصة لإبلاغها بعد.”
شابٌّ؟
لم يظهر على وجه دوق “كارلايل” أيُّ انفعال.
لكن “إليوت” لاحظ أنّ إصبع الدوق، الذي كان ينقر ببطءٍ على الطاولة، قد توقّف فجأة. كما برزت العروق في ظهر يده الممسكة بمسند الذراع وازرقّ لونها.
قال الدوق بصوتٍ باردٍ لا يُوحي بالمتعة مطلقًا:
“إنّه لأمرٌ مثيرٌ للاهتمام.”
لم يَعد “إليوت” قادرًا على تحمُّل التوتُّر، فحوّل نظرَه نحو المدفأة. كان اللهب فيها مشتعلًا بوضوح، ومع ذلك فقد انخفضت حرارة الغرفة فجأةً على نحوٍ غريب.
ولم يكن “إليوت” يتخيّل ذلك، فقد صمت “جود”، الذي كان مرحًا حتى لحظاتٍ قليلة، وتغيّرت ملامحُه وهو ينتصبُ واقفًا بانتباه.
جولييت مُوناد، التي خرجت من مقرّ الإقامة في الصباح ولم تعد بعد. والدوق، الذي أصدر أمرًا بإجراءِ تحقيقٍ سريٍّ حول تحرّكات عشيقته.
“إليوت”، الذي عمل سكرتيرًا للدوق “كارلايل” لعشر سنوات، كان على درايةٍ بكلّ النساء اللواتي ارتبطن به.
وحين فكّر في الأمر، تذكّر أنّ الدوق قد سبق وأن كانت له امرأة، حاولت أن تُدخِل رجلًا آخر إلى فراشها لكي تجذبَ انتباهه.
نعم، الأمر يبدو شبيهًا بذلك.
لكن… ماذا حدث لها في النهاية؟
حاول “إليوت” جاهدًا أن يتذكّر التفاصيل، لكنّه فشل. وفجأة، انطلق صوتٌ حازمٌ يناديه:
“إليوت.”
“نعم، سموّ الدوق.”
“أطلِقوا الذئاب.”
كلمة “الذئاب” كانت تُشير إلى فرقة النّخبة من فرسان دوق “كارلايل”.
انحنى “إليوت” برأسه، يُصلّي في قلبه ألّا تسوء الأمور.
“كما تأمر.”
—
بعد غيابٍ طويل، عادت “جولييت” إلى منزل عائلتها، ثم أخذت قسطًا من الراحة، قبل أن تخرج بهدوء إلى المدينة.
كانت الشوارع أمام المتاجر الفاخرة مكتظّة بعربات الخيول، إذ كانت الليلةُ ليلةَ حفلِ رأس السنة.
تجوّلت “جولييت” بهدوء بين الخدم الذين حملوا لها حذاءها وفستانها المحجوزَيْن.
وجهتها كانت دارَ شاي صغيرة، تقع في شارعٍ جانبيٍّ بعيدٍ عن الازدحام.
وحين دخلت، عرض عليها صاحب المكان طاولةً في غرفةٍ دافئة، لكنّها رفضت بأدب، قائلةً إنّها تُفضّل الجلوس في الحديقة. فاصطحبها إلى طاولةٍ صغيرةٍ هناك، تطلّ على منظرٍ طبيعيٍّ بديع.
وبعد لحظات، وُضِع على الطاولة كأسَان ووعاءٌ زجاجيٌّ شفاف يحتوي على شرابٍ مثلّج.
طلبت “جولييت” شايًا مثلّجًا، باردًا إلى درجة التجمّد، رغم برودة الجوّ.
“شكرًا لك.”
“على الرحب والسعة.”
استغرب صاحبُ المقهى من طلبها الغريب في طقسٍ شديد البرودة.
ورغم أنّه أحضر الشراب إليها بنفسه، إلّا أنّه ظلّ يُلقي نظراتٍ فضوليّةٍ نحوها.
فـ”جولييت” لم تُعرّف بنفسها، لكنّه كان يعلم جيّدًا من تكون.
جولييت مُوناد، الابنةُ الوحيدة للكونت الراحل “موناد”.
لقد كانت سيّدةً مشهورةً بالفعل.
فالضيوفُ الذين يتردّدون على دار الشاي لا يتوقّفون عن النميمة، واسم “جولييت مُوناد” غالبًا ما يُذكر في أحاديثهم.
بعضهم كان يُعبّر عن تعاطفه معها، باعتبارها فتاةً يتيمةً فقدت والديها في سنٍّ صغيرة، ولم تحظَ بمن يعتمد عليه. وآخرون كانوا يصفونها بازدراء، على أنّها عشيقةٌ تافهة لا تعرف مكانتها، تحاول جاهدةً أن تظفر بلقب الدوقة.
لكن في نظر صاحب دار الشاي، لم تكن “جولييت” لا فتاةً طائشة، ولا امرأةً لا تعرف قدرها.
كان ينظر إليها من خلف زجاج النافذة، فبدا له مشهدُها أشبهَ بلوحةٍ فنيّة: فستانٌ فاخر، ابتسامةٌ باهتة، ونظرةٌ شاردة، لكنها في الوقت ذاته، بدت له كسيّدةٍ هادئةٍ عاديّة.
لا بدّ أنّه من المُتعب أن تكوني عشيقة دوقٍ سيّئ السُّمعة.
وهكذا، نظر إليها صاحب المقهى بتأمّلٍ، وشعرَ فجأةً بشيءٍ من الشفقة نحوها.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"