في اللّحظةِ ذاتها، أوقفَ الدّوقُ جوادَه فجأةً، وكان في منتصفِ طريقه من العاصمة إلى قصره. صهلَ الجوادُ الأسودُ صهيلاً غاضبًا، وهو يشعرُ بشدّة اللّجام وقد سُحِب بعنفٍ مفاجئ.
“سموّك، ماذا حدث؟”
وبطبيعة الحال، توقّفَ جميعُ من كانوا يتبعونه فور سماعِهم أمرَ سيّدهم.
ظلّ الدّوق كارلايل صامتًا برهةً، وعيناه تحدّقان في العتمة أمامه، كأنّه يُفكّر في أمرٍ ما… أو يحاولُ أن يُبصرَ شيئًا خفيًّا هناك.
تبادلَ الفرسانُ النّظراتِ فيما بينهم في حيرة، ثمّ أعادوا أنظارهم إلى ظهرِ سيّدهم.
“ألا تسمعون؟”
“نسمع ماذا، سموّك؟”
“هذا الصّوت.”
“أيّ صوت؟”
عندها فقط، أنصتوا حقًّا. كان ثمّة صوتٌ خافت، رتيب، أشبهُ ببكاءٍ مكتوم… كأنّ أحدًا ينتحبُ في مكانٍ بعيد.
“أنا… أنا أسمعه أيضًا!”
كان أوّلَ من التقطَ الصّوت بعد كارلايل هو جود هايون، أصغرُ الفرسان سنًّا.
سحبَ جود سيفه من غمده على عجل.
ذلك الصّوت الخافت كان صادرًا من حجرِ السّحر المغروس في نصل سيفه.
“إنّه رنين…”
أومأَ هادين برأسه مؤكّدًا كلامه.
“هل يُعقل أنّه قريب؟”
“على الأرجح، هناك كمّيّةٌ هائلة من المانا تنبعث من مكانٍ ما داخل العاصمة.”
شرحَ هادين لجود، إذ كان هو الآخر من أوائل من التقطوا صدى هذا الرّنين. كان قد سمع بإمكانيّة حدوث ذلك من قبل، لكنّه أمرٌ نادرٌ للغاية.
وفوق ذلك، لا يحدث الرّنين إلّا إذا وقع انفجارٌ سحريٌّ عنيفٌ بصورةٍ غير معقولة. عندها فقط، يمكن لأحجار المانا القريبة أن تُصدر صوتًا.
عندئذٍ، بدأ جميعُ الفرسان يتفقّدون سيوفهم.
“لكن… كيف يمكن لانفجارٍ سحريٍّ بهذه القوّة أن يحدث في هذا الوقت، وفي قلب العاصمة؟”
“ما الّذي قد يتسبّب به؟”
“ربّما فُتِحَ زنزانة—”
“لا تمزح بهذا الشّكل، أيّها الأحمق!” صرخَ جود وقد شحب وجهه خوفًا.
لو أنّ زنزانةً فُتِحت في وسط العاصمة، كما قال أحد الفرسان، لكانت كارثةً حقيقيّة.
“لنذهب إلى هناك.”
قادَ لينوكس، وهو يُنصتُ إلى صراخ حجرِ السّحر الحادّ في سيفه، المجموعةَ خارج العاصمة. وبحلول الوقت الّذي اقتربوا فيه من الغابة القريبة من وجهتهم، كانت آذانُه تؤلمه من شدّة بكاءِ الحجر.
قادهم صوتُ النّواح إلى مبنىً حجريٍّ مهجور عند أطراف العاصمة. كانت معابدُ حجريّةٌ قديمة، متداعية كهذه، منتشرة في أرجاءِ الإمبراطوريّة، ولم يزرها أحدٌ منذ زمنٍ طويل.
“لماذا هنا تحديدًا؟”
“هاه؟”
كان جود أوّلَ من اكتشفَ وجودَ جولييت.
“هناك… هناك شخصٌ هناك!”
بفضلِ القمرِ الصاعد، الّذي أنار المكان كما لو كان نهارًا، بدت أطلالُ المعبد القديم واضحةً تمامًا. وكما قال جود، كانت امرأةٌ تقف في وسطِ المبنى الحجريّ المتداعي، قبل أن تهويَ بلطفٍ إلى الأرض.
“اللعنة…!”
توقّفَ جود فجأةً، وهو على وشكِ الترجّل والاندفاع عبر الأحراش.
فعلى الرّغم من وجود أربعةِ جثثٍ في زاوية المعبد، إلّا أنّ الدّم الّذي لوّن الأرض لم يكن لهم.
كانت هناك جثّتا زوجين من النّبلاء في منتصف العمر، بدا أنّهما متزوّجان، مرتّبين في ملابسهم، وإلى جوارهما جثّتا خادمٍ وفارس.
أربعةُ أشخاصٍ في المجموع.
‘إذًا… هل تكون هذه المرأة ابنتهم؟’
تطلّعَ لينوكس إلى المرأة الممدّدة على الأرض بنظرةٍ عميقةٍ فاحصة.
بدت له… مألوفة على نحوٍ غريب.
كان فستانُها الأزرق الجميل في ما مضى ممزّقًا ومشوّهًا، ملوّثًا بالدّم. لكنّه لم يكن دمَها. فمن الأساس، لو أنّها نزفت كلّ هذا الدّم، لما بقيت على قيد الحياة، ولم تكن هناك جروحٌ كبيرة ظاهرة في جسدها.
“سيّدي، هل نعتني بالجثث؟”
سأل أحد الفرسان لينوكس.
وقبل أن يُجيب، انطلقت من شفتي المرأة أنّةٌ يائسة.
“أه…”
“لا… لا تلمسوني!”
أرادت جولييت أن تصرخ.
في الحقيقة، ومنذ اللّحظة الّتي ظهر فيها هذا الرّجل، كانت تحاول الصّراخ. لكنّ الصّوت الّذي خرج من فمها لم يكن سوى لهاثٍ متقطّع، كأنّ أنفاسها توشك أن تنقطع في أيّ لحظة.
حدّقت جولييت فيه بعينين محمرّتين من شدّة الألم. أمّا الرّجل، الّذي كان يراقبها بصمت، فقد بدا وكأنّ ابتسامةً خفيفةً ارتسمت على شفتيه لحالها.
“لا تلمسوا الجثث، يا هادين.”
“سموّك؟”
“لا تلمسوا شيئًا، وابقوا على بُعدِ عشرِ خطوات.”
في النّهاية، تراجعَ الفرسانُ كما أمر.
وحين أصبحت المسافة كافيةً لئلّا يصل صوته إليهم، تحوّل نظرُ الرّجل إلى جولييت.
“أنتِ… كان لا بدّ أن تكوني أنتِ.”
جثا على ركبةٍ واحدة، ولمس الأرض، وخفّض قامته ليكون في مستوى نظرها.
“هل تعرفين ما الّذي فعلتِه؟”
كان في نبرته شيءٌ من التسلية.
بدلًا من الإجابة، حدّقت فيه جولييت. وحتى لو استطاعت الكلام، لما عرفت كيف تُجيب. فهي نفسها لم تكن تعلم ما الّذي حدث.
حين استعادت وعيها، وجدت نفسها وحيدةً في هذا المكان.
…أو ربّما ليست وحيدة تمامًا.
نقاطٌ ضوئيّة صغيرة، بحجم أطراف الأصابع، كانت تتلألأ وتخفق حولها. أضواءٌ على هيئة فراشاتٍ دقيقة، كأنّها كائناتٌ حيّة.
“(المتعاقدة.)”
“(هل تسمعينني؟)”
بدت تلك العناقيد الضّوئيّة، الشّبيهة بفراشاتٍ مضيئة بحجم الأظافر، مصدرَ ذلك الصّوت.
كان الهمس يتردّد بوتيرةٍ أسرع ممّا قبل فقدانها الوعي.
‘مزعج…’
تمتمت، لكن بلا جدوى.
كان جسدُها يحترقُ بحمّى، وكان تحريكُ أصابعها صعبًا كأنّ أطرافها مكسورة. لم يكن شيءٌ على ما يُرام، ولا حتّى صوتها.
وهكذا، انتظرت أن يأتي أحدٌ لينقذها… وبشكلٍ غير متوقّع، كان هذا الرّجل هو من ظهر.
لينوكس كارلايل.
الرّجل الّذي حاولت جولييت بكلّ يأسٍ أن تتجنّبه.
في حياتها السّابقة، أنقذها هذا الرّجل، وأحبّته بجنون.
وفي يديه… انتهت حياة جولييت.
“تسك…”
لعقَ الرّجل لسانه بخفّة، كأنّ شيئًا ما لم يُرضه، ثمّ وضع يده على جبينها.
حين لامست يدُه الكبيرة الباردة بشرتها، كادت جولييت أن تصفعها. لكنّها، للأسف، لم تكن تملك القوّة حتّى لتحريكها.
“آه…”
كان أمرًا غريبًا.
بمجرّد أن لمسها، اختفت الأصوات الّتي كانت تثرثر في رأسها تمامًا.
عمّ الصّمتُ فجأة.
ذلك وحده خفّف صداعها كثيرًا. لكنّها، بالمقابل، شعرت بحرارة جسدها بوضوح. لا بدّ أنّ الدّوار كان سببه الحمّى.
“لا تعرفين كيف تُغلقين السّحر، ولا كيف تُسيطرين عليه.”
ولوهلة، بدا وكأنّ فراشات الضّوء قد ارتعشت.
“وأنتِ تُسرّبين المانا بلا أيّ ضابط.”
قال ذلك وهو يبتسم ابتسامةً جانبيّة.
“ستموتين قريبًا.”
‘ماذا؟’
‘أيّها الوغد…!’
امتلأت عينا جولييت بالدّموع في الحال.
“ومع ذلك، ظننتُ أنّني قد أساعدك قليلًا… لذا أنصتي جيّدًا.”
‘نعم؟ ما بك؟:
كأنّه أشفق عليها، عدّل لينوكس وضعيّته، وهمس بالقرب من أذنها بصوتٍ لطيف.
“إن لم تُغلقي السّحر، ستموتين.”
ومن نبرة صوته، كان واضحًا أنّه يعرف كيف يُغلقه… لكنّه يتعمّد ألّا يساعدها.
بل بدا وكأنّه ينتظر منها شيئًا.
غير أنّ الألم كان ينهش جسد جولييت، ولم يبقَ في ذهنها سوى البكاء.
“هك…”
‘هل… حلقي؟’
حتّى بكائها لم يخرج كما ينبغي.
عندها، مدّ الرّجل الجالس إلى جوارها يده، ومسح خدّها بلطف، بينما أسند ذقنه بيده الأخرى.
كأنّه… يُعطيها دواءً.
برودة يده المريحة جعلتها تشعر بتحسّنٍ مؤقّت.
من الخارج، قد يبدو وكأنّه يحاول إنقاذها فعلًا، لكنّ جولييت شعرت بعكس ذلك.
كان لديها حدسٌ واضح.
‘هذا الرّجل… سيتركني أموت.’
فـ لينوكس كارلايل الّذي تعرفه ليس شخصًا يُظهر لطفًا بلا سبب.
حتّى عيناه اللامبالتان قالتا ذلك. عينان حمراوان جميلتان على نحوٍ لافت، لكنّ تعبيره كان خامدًا إلى حدٍّ مخيف. نظرةٌ كأنّه يتأمّل حيوانًا غريبًا بعض الشّيء… لا أكثر.
كان دائمًا كذلك.
هي تعرفه.
في حياتها السّابقة، كان قاسيًا، بلا رحمة، كأنّه بلا دمٍ ولا دموع… باستثناء شخصٍ واحدٍ فقط في هذا العالم.
ومع ذلك، لم تستطع كبح غضبها.
‘إن كان الأمر سينتهي هكذا… فلماذا حاولتُ بكلّ هذا اليأس أن أتجنّبه؟’
تسارعَ نَفَسُها، وسرى الخدر في جسدها، وبدأ وعيُها يتلاشى. أغمضت جولييت عينيها بسلاسة، ولم تلبث أن فقدت وعيها تمامًا.
لكن، قبل أن تغيب كليًّا، شعرت بيدٍ تُداعب خدّها برفق. ثمّ أحسّت بشيءٍ يلامس شفتيها لمسًا خفيفًا… قبل أن يبتعد.
التعليقات لهذا الفصل " 20"