“ألهذا السبب طلبتِ منّي، فجأةً، أن ننفصل؟”
وقبل أن تتمكّن جولييت من الردّ، التوت شفتا الرجل بابتسامةٍ قاسية، وهو يُمسك بكتفيها بقوّة.
“لكن إن كنتِ تنوين الهرب ومعكِ طفلي، فما كان عليكِ أن تُمسَكي.”
“إذًا… ألهذا طاردتني حتّى هنا؟”
شحب وجه جولييت عند كلماته الجارحة.
بالطبع… هكذا إذًا.
نعم، بالطبع، لم يكن عليها أن تتوقّع منه شيئًا آخر.
شعرت بأنّها حمقاء، لمجرّد أنّها تمسّكت، ولو للحظة، بأملٍ هشّ، وتوقّعت كلماتٍ مختلفة تمامًا…
كلماتٍ كانت تتمنّى سماعها طوال الوقت الذي قضته معه.
ماذا كانت تنتظر، في النهاية؟
ضحكت من نفسها.
“هل ظننتِ أنّكِ سرقتِ السلالة النبيلة وهربتِ؟”
كانت تعرف جيّدًا ما تعنيه “السلالة” لرجلٍ مثل لينوكس كارلايل.
أليست تلك السلالة نفسها هي التي دفعت صبيًّا في التاسعة من عمره إلى ساحة الحرب؟
حتّى أمّه، ابنة النبلاء، خدعت والده وأنجبته.
وفجأة، تسلّل الفضول إلى جولييت.
لو اعترفت الآن بأنّها تحمل طفلَه تحت قلبها…
كيف سيكون ردّ فعله؟
هل ستُؤخَذ إلى مكانٍ ما، تمامًا كغيرها من النساء اللواتي ظهرن يومًا ومعهنّ أطفال، ثمّ “تصرّف” معهم؟
في الأساس، لم يكن لينوكس كارلايل مهتمًّا بإنجاب وريثٍ للعائلة النبيلة.
ولهذا السبب، كان يُفضِّل العلاقات السهلة، القصيرة، على الدخول في زواجٍ رسميّ.
ومع ذلك، كان معروفًا أنّ كثيرين ادّعوا أنّ لديهم أطفالًا من نسل كارلايل، وجاؤوا يطالبون باللقب.
ولادة طفلٍ بعينين حمراوين وشعرٍ أسود من العائلة النبيلة…
كانت قصّةً مشهورة.
لكن أحدًا لم يكن يعلم ما الذي حدث لتلك النساء، ولا لأطفالهنّ.
همس البعض بأنّ جولييت موناد الماكرة لا بدّ أنّها فعلت شيئًا بهم.
لكن جولييت نفسها…
كانت من أكثر الناس فضولًا لمعرفة ما حلّ بهم.
“لا… لم أسرِق شيئًا.”
أجابت جولييت بهدوء، وهي تُنزل رأسها بفتور.
غير أنّ كلماته التالية أغرقتها في يأسٍ أعمق.
ابتسم لينوكس كارلايل ابتسامةً خبيثة.
“إذًا… أيُّ رجل هو؟”
“لينوكس!”
احمرَّ وجه جولييت خجلًا.
عضّت شفتها، محاولةً منع الدموع من الانهمار.
لكنّ ذلك لم يكن كافيًا.
“جولييت؟”
“دعني أرحل فقط.”
بدا أنّ حبيبها قد غضب أكثر ممّا توقّعت، لأنّها هربت دون أن تنبس بكلمة.
كان رجلًا لا يُفلِت ما يقع في يده.
“لكنّني أملك من التمييز ما يكفي لألّا أخلط بين هذا وبين الحبّ.”
أيشبه الأمر كلبًا أليفًا أفلت من طوقه وركض هاربًا؟
هذا أقرب إلى الضغينة، أو الرغبة في الانتقام، لا إلى الحبّ.
ومع ذلك، لم تجد جولييت سببًا يبرّر أن تُعامَل بهذه القسوة.
للمرّة الأولى…
شعرت بيأسٍ عميق.
لم تمكث إلى جانبه سبع سنوات…
لتنتهي على هذا النحو.
لينوكس كارلايل لن يعرف، ولن يفهم أبدًا، ولكن—
“حسنًا… أصدّقكِ.”
قالها فجأة، والرجل الذي كان يحدّق بها وهي تحبس دموعها، ثبّت عليها نظرةً غريبة.
“لكن، في المقابل… لنعد معًا. زواج، أو أيّ شيءٍ آخر… سأفعل ما تشائين.”
تجمّد وجه جولييت.
“ماذا… ماذا قلتَ للتوّ؟”
“اللعنة، قلتُ إنّني سأفعل ما تريدين. زواج، طفل، أيّ هراء.”
كرّر كلماته بوجهٍ هادئ، لكن داخله كان مضطربًا على غير عادته.
“فلنعد.”
“من فضلك.”
مدّ يده نحوها.
كانت حركةً لطيفة… على نحوٍ غير مألوف.
غارقًا في أفكاره، لم يُدرك لينوكس أنّه، وللمرّة الأولى في حياته، كان يتشبّث بامرأة.
لقد حُرِم من الطقوس في المعبد.
ولو أُقيم حفل زفاف، لعمّت الفوضى.
لكن… هل يهمّ الأمر الآن؟
إن كانت الحرب ضروريّة، فسيخوضها دون تردّد.
إنّه دوق الشمال.
الجيش الذي لا يُهزَم، وأرض الذهب الأسود.
حتّى الإمبراطور لا يستطيع إخضاع الشمال، فماذا عساه يفعل معبد؟
لم يكن يؤمن بأي شيء، ولا بأولئك العجائز الذين يزعمون أنّهم خدّامها.
“جولييت لن تهربِ مجدّدًا.”
لم يعد شيءٌ آخر مهمًّا.
ما إن نطقها بصوتٍ عالٍ، حتّى اتّضح كلّ شيء.
“زواج… تقول؟”
“نعم.”
لكن جولييت لم تبتسم فرحًا، ولم تذرف دموع التأثّر.
حتّى وهو يعرض عليها عرش الشمال الذي لا يرغبه أحد،
رفعت نظرها إليه بعينين فارغتين.
“وماذا عن الطفل؟”
“افعلي ما تشائين.”
مرّر لينوكس يده بعصبيّة في شعره.
لم يكن يرغب في نقل تلك السلالة الملعونة إلى لحمه ودمه.
ثمّ إنّ الأطفال مزعجون.
لكن…
ربّما كان سيتحمّل الأمر، لو كان الطفل يشبهها.
نظر إلى جولييت، التي ما زالت واقفة، مذهولة.
إن وُجِد طفل، فلن تتمكّن من الهرب بهذه السهولة مرّةً أخرى.
كانت جولييت كحيوانٍ صغير هشّ.
ضعيفة.
كانت كلماته اندفاعًا لحظيًّا، لكنّه شعر بالارتياح وهو يُفكّر فيها.
حقًّا… حتّى النهاية—
انفرجت شفتا جولييت الحمراوان، كبتلتين.
“أنتَ قاسٍ.”
“ها؟”
“إلى أيّ حدٍّ يجب أن تُعذِّب إنسانًا… لتشبع نفسك؟”
“قاسٍ؟”
شكّ لينوكس كارلايل في سمعه.
قبل يومٍ واحد فقط، كانت تحتضنه بلطف نسيم الربيع.
وخلال نصف يوم…
خدعته، وهربت.
هي من أفلتت يده أوّلًا.
هي من تخلّت عنه.
من الذي يصرخ بالقسوة الآن؟
أراد أن يردّ…
لكنّه لم يستطع.
“جولييت؟”
وفجأة، انهمرت دموعها.
بلا إنذار.
كمن بلغ حدّ الانكسار.
كقطرةٍ فاض بها الكأس.
بكت جولييت بصمت.
كان يعلم أنّ تلك الدموع ليست دموع امرأةٍ تتلقّى عرض زواج.
وبارتباك، أمسك معصمها متأخّرًا.
تمتمت جولييت بصوتٍ أجوف:
“إن عدتُ…؟”
“ماذا؟”
“ماذا سيتغيّر… إن عدتُ معك الآن؟”
تقلّصت ملامح لينوكس عند السؤال غير المتوقَّع.
لم تسأله مثل هذا من قبل.
المستقبل غامض…
لكن شيئًا لن يتغيّر.
ولم يكن يريد له أن يتغيّر.
كان يعرف جولييت موناد جيّدًا:
بشرتها الناعمة، أنفاسها الدافئة، رموشها المرتعشة،
وغمازتي وجنتيها.
هذا… كان كافيًا.
لم تطلب حبًّا، لم تُقيّده، لم تتشبّث به.
لا شيء.
لن تتغيّر علاقتهما.
وهذا ما كان يريده.
ستبقى جولييت موناد عشيقته، وسيعودان معًا إلى مقرّ الدوق في الشمال.
زواج، طفل…
سيصنعون قفصًا أقوى، كي لا تهرب مجدّدًا.
كلّ شيء سيُحلّ.
الآن… لو أنّها فقط أومأت برأسها—
“لينوكس.”
لكنّ جولييت لم تُومِئ.
“أريد أن أتوقّف.”
“جولييت؟”
“لم أعد أحبّك.”
دائمًا تنتظر…
متى سيُتخلّى عنها.
“سئمتُ هذا.”
بيب… بيب!
في تلك اللحظة، دخل القطار الرصيف بصوتٍ مدوٍّ.
“صاحب السموّ.”
دفعت جولييت صدر الرجل، الذي كان يُمسك بها وكأنّه يسندها، وهزّت رأسها.
“أعلم… في هذا العالم، لا بدّ أن تكون هناك امرأة تُجثي رجلًا مثلك على ركبتيه، وتعلّمه التواضع.”
“رفرفة—”
وقبل أن يمدّ يده نحوها غريزيًّا، ظهرت فجأة فراشات زرقاء، أجنحتها تتلألأ على نحوٍ يؤلم العين.
مرّ سربها بمحاذاة طرف تنّورتها، واهتزّ القماش كلّه.
كأنّها تمنع أيّ شيء…
أو أيّ شخص من الاقتراب منها.
وفي تلك الأثناء، ابتعدت المرأة خطوة… ثمّ أخرى، نحو القطار الساكن.
“لكن… لن أكون أنا.”
نظرت جولييت إلى الرجل المتجمّد في مكانه، ورسمت على شفتيها ابتسامةً كاملة.
“قلتُ لك من قبل… لم أسرِق شيئًا. لم تكن كذبة.”
أدركت جولييت، بغريزتها، أنّها تمسك مقبض السكين.
الفرصة الوحيدة لترك أثرٍ لا يُمحى في رجلٍ لا يتألّم ولا يهتزّ…
كانت بين يديها الآن.
وضعت يدها، بهدوء، على بطنها الخالي.
“لأنّ هذا… ليس طفلك.”
ضحكت جولييت ضحكةً خفيفة، وهي تكذب…
للمرّة الأخيرة.
التعليقات لهذا الفصل " 15"