“مِئَةُ عَيْنِ أَرغوس… سلِّمْها.”
على الرَّغم من أنّ الكاهنَ الأكبر كان متأهّبًا إلى حدٍّ ما، إلّا أنّه تراجع خطوةً إلى الوراء وقد بدا عليه الاضطراب.
مِئَةُ عَيْنِ أَرغوس.
أثمنُ أثرٍ تملكه المعبدُ الأعلى في العاصمة.
وكما يوحي اسمُه، كان هذا الأثرُ الجليل يمتلك قدرةً خارقة على تعقُّب أيّ شيءٍ ضمن نطاق آلاف الكيلومترات، قوّةً تُضاهي السلطةَ المقدّسة للكاهن الأكبر ذاته.
“لـ-لن أُعطيك إيّاه أبدًا! حتّى لو سقط رأسي! مهما بلغتَ من النُّبل يا دوق الشمال، فهذا سرقةٌ لأثرٍ مقدّس!”
“قلتُ إنّي أريد استعارته لوهلة، لا سرقته.”
“أهكذا الأمر؟”
عندها فقط تذكّر الكاهنُ الأكبر، متأخّرًا، أنّه استسلم بسرعةٍ مفرطة، بل وتفوّه بذكر عنقه، فشعر بالحرج.
غير أنّ كلمات دوق كارلايل العابرة لم تتوقّف، وسرعان ما عاد وجهُ الكاهن إلى التجهُّم.
“لكن… قتلكم جميعًا وأخذُه بالقوّة ليس خيارًا سيّئًا أيضًا. صبري محدود.”
“هـ…!”
شهق كاهنٌ شابّ كان يقف بجانب الكاهن الأكبر، يحمل فانوسًا، وقد ارتعد صامتًا.
“ماذا نفعل؟”
“مهما يكن… إعارة كنز المعبد بهذه السهولة؟”
“إن سلّمتَه، سأُعيد معبد الشمال مقابل ذلك.”
إعادة معبد الشمال… مقابل استعارة مِئَةُ عَيْنِ أَرغوس؟
كان ذلك شرطًا صاعقًا بحقّ.
بدأ عقلُ الكاهن الأكبر بالدوران بسرعة.
لعلّها فرصة.
إن كان دوق كارلايل يرغب في مِئَةُ عَيْنِ أَرغوس، فلا بدّ أنّه يبحث عن شيءٍ ما. شخصٍ كان أم شيئًا، لم يكن الكاهن يعلم.
غير أنّ الفضولَ تملّكه: من هذا الذي يدفع دوق الشمال إلى حدّ إعادة معبدٍ مغلق؟
على أيّ حال، الواضح أنّ دوق كارلايل هو المستعجل.
فكّر الكاهن أنّ الأمر يستحقّ رفع السقف.
ربّما أمكنه ابتزاز المال… بل وربّما نال ترقيةً في سلّم الكهنوت.
وبهذه الحسابات، ارتدى الكاهن الأكبر قناع الجديّة وقال:
“لكن، يا دوق، لا يمكنك استخدام أثرٍ مقدّس كيفما تشاء—”
“يبدو أنّك تعاني من وَهْمٍ لافت، أيّها الكاهن الأكبر.”
قَطع دوق كارلايل طموحَه بكلماتٍ قليلة.
الرجل الذي أمال رأسه قليلًا، مرّر يده في شعره ببطءٍ ولا مبالاة.
“متى قلتُ إنّنا سنتفاوض؟”
في العتمة، لمعَت عينان حمراوان متغطرستان، تفيضان ازدراءً.
—
كانت أطرافُ محطّة القطار في العاصمة موحشة، خالية من البشر.
وكان ذلك متوقّعًا؛ فالليل تجاوز منتصفه، والاحتفالاتُ قد أرهقت الناس بعد ساعاتٍ طويلة من الأكل والشرب واستقبال العام الجديد.
قبل قليل، رأت جولييت الألعابَ الناريّة ترتفع في السماء من جهة القصر الإمبراطوري.
حتى خارج العاصمة، كان الضوءُ المتفجّر يُرى بوضوح.
رفعت ياقةَ معطفها وهي تراقب الزهورَ الناريّة تتفتّح في السماء.
كان البردُ قارسًا إلى درجةٍ جعلت أنفاسَها تتحوّل إلى سُحُبٍ بيضاء صغيرة.
رفرفه…
فجأة، ظهرت عدّةُ فراشاتٍ زرقاء الأجنحة، دارت حولها في دوّامة.
عقدت جولييت حاجبيها قليلًا.
الأجنحةُ المتوهّجة كانت ظاهرةً أكثر من اللازم في الظلام.
يبدو أنّ سيطرتها قد ضعفت كثيرًا… فهي لم تستدعِها أصلًا.
لكنّ ذلك كان متوقّعًا، بعد أن استنزفت قدرًا هائلًا من المانا اليوم.
بدت الفراشات وكأنّها تحتجّ على الجزء الذي قُتل منها على يد الدوق.
وعلى الرَّغم من أنّها تبدو أفرادًا منفصلين، إلّا أنّها في الحقيقة وعيٌ واحد، انقسم مؤقّتًا.
حطّت إحداها على ظهر يد جولييت، وبدأت تُخبرها بما جرى بعد هروبها الناجح.
وكأنّها ترى وتسمع كلّ شيءٍ بعينيها.
“يبدو أنّه فكّ تعويذتك.”
“آه… أفهم.”
أصدر الشيطانُ المتّخذ هيئة فراشة طنينًا لا تسمعه إلّا هي، بنبرةٍ متحمّسة كطفلٍ مدلّل.
كانت تتوقّع غضبهم بسبب المهمّة القاسية، لكنّ شكواهم لم تكن عن ذلك.
بل عن قسوة الرجل الذي مزّق جزءًا من وجودهم.
“(طعَن أجنحتنا… أكرهه!)”
“هل آلمَك كثيرًا؟”
بالطبع، كان ذلك تمثيلًا.
جسدُ هذا الشيطان في حقيقته كيان هائل يتجاوز هذا البُعد، لا يشعر بالألم.
ومع ذلك، أصغت جولييت بصبر.
وبعد أن شبعوا لعبًا وكلامًا متكسّرًا بلغة البشر، انسحبوا راضين.
عادت جولييت وحدها.
لم تكن قلقةً كثيرًا من تحذيرهم لها بشأن مطاردته.
فهي ستغادر العاصمة قريبًا.
حتّى لو كان رجاله أكفّاء، فلن يعثروا عليها بهذه السرعة.
جلست وحدها على الرصيف الهادئ، تنتظر القطار.
كانت هناك مقاعد في الداخل، لكنّها تعمّدت الانتظار في الهواء الطلق.
طرقت جولييت الأرض بقدمها.
كانت ملابسها عاديّة إلى حدّ يستحيل معه تخيّل أنّها حضرت حفل رأس السنة في القصر قبل ساعات.
سترة داكنة، قميص أبيض، وتنّورة طويلة تصل إلى الكاحل.
ربطت شعرها بإحكام، وغطّت وجهها بحجابٍ أسود.
نظرت إلى قدميها تقدّر الوقت المتبقّي.
بدل الحذاء الفضيّ ذي الكعب العالي، كانت ترتدي حذاءً جلديًّا بسيطًا.
أحذيةُ الكاحل كانت الأفضل للسفر.
بدا لها مرورُها الواثق في قاعة القصر بحذاءٍ فضّيّ أنيق مجرّد حلمٍ جميل.
رغم أنّ ساعاتٍ قليلة فقط مضت.
تذكّرت فجأة قصّةً قديمة… فتاةً جميلة تهرب من الحفل عند منتصف الليل حين ينتهي السحر.
“لا بدّ أنّ الركض بحذاءٍ زجاجيّ ليس مريحًا.”
لكنّها لم تكن بطلةَ تلك القصّة.
كلّ ما امتلكته في بيت الدوق كان أشبه بتلك الأحذية الزجاجيّة.
ولهذا، اختارت الحذاء الجلديّ.
ثمّ انتبهت فجأة… أنّها ما زالت تفكّر في الأحذية الفضّيّة.
أضحكها ذلك، فضحكت بخفّة.
لم تتخيّل أنّها، في هذه اللحظة، ستفكّر بحذاءٍ تركته خلفها، لا بعاشقٍ قاسٍ بلا قلب.
لم تكن تلك الأحذية ذكرى حبّ، بل أشياء تركتها ببساطة.
كان لينوكس كارلايل عاشقًا سخيًّا على نحوٍ مفرط.
كان يغدق عليها الهدايا دون أن تطلب.
فَساتين، مجوهرات، كلّ ما تذكره يصبح لها.
“لكنّي… في الحقيقة لا أهتمّ حتّى بظفرٍ واحدٍ منه.”
من يعتاد هذا النعيم، قد يظنّ أنّه امتلك قلبه.
لكنّ جولييت لم تقع في هذا الوهم يومًا.
كانت تعلم أنّها ستُترَك في النهاية.
لم تكن الهدايا دليلَ حبّ.
“حبّ؟”
كان لينوكس كارلايل بعيدًا كلّ البعد عن هذه العاطفة.
“لن أُزعج سموّك.”
قالتها لنفسها، لا له.
قسمٌ بألّا تخطئ… وألّا تتمنّى.
تذكّرت امرأةً غامضة التقتها ذات يوم في حفل.
لم تعرفها، لكنّها قالت لها كأنّها تنتظرها منذ زمن:
“استمتعي ما دمتِ قادرة…”
“الدوق يملّ سريعًا.”
لم يكن في صوتها حقد.
ولو كان، لاعتبرته غيرة.
لكنّ جولييت ظلّت تفكّر في كلامها.
“كم هذا وقح!”
“لا تعرف معنى الخجل.”
“كونتيسة مونا، أنتِ تُسيئين لاسمه.”
واجهت كراهيةً بلا وجوه.
لكن منذ صارت عشيقته، اعتادت ذلك.
ابتسمت جولييت بخبث.
لم تكن بريئة لتبكي بصمت.
كانت تُسقط أكوابَ الشاي.
فليزدَد سوءُ صيته، وماذا في ذلك؟
تحمّلُها بجانبه لم يكن صعبًا.
لم تتوقّع شيئًا.
كان أن تكون عشيقة لينوكس كارلايل أمرًا سهلًا.
لكنّ حراسة القلب… لم تكن كذلك.
تـك.
تجاهلت جولييت عمدًا دمعةً سقطت على ظهر يدها.
التعليقات لهذا الفصل " 13"