جلس دونوفان، وملامح اليأس مرتسمةٌ بوضوحٍ على وجهه، يُنصت بصمتٍ إلى حديث الرجلين، ثم تدخّل بحذر:
“انتظر… أنتما لم تحضِراني بسبب دَيني، أليس كذلك؟”
في لحظةٍ واحدة، استدار الاثنان ونظرا إليه ببرود.
جثا لينوكس أمامه، حتى صار على مستوى عينيه، ودخل في صلب الموضوع مباشرةً:
“هل تعرف جولييت موناد؟”
“مـ-موناد؟ هل تقصد الكونتيسة؟”
“ما طبيعة علاقتك بجولييت؟”
“عـ-علاقتي؟ انتظر لحظة! أيّ علاقة؟ لم أقابلها في حياتي!”
أنكر دونوفان بشدّة.
بدا أنّه أدرك أخيرًا حجم الورطة التي وقع فيها.
“إذًا، لماذا ذهبتَ لرؤيتها؟”
“أ-الأمر… معلومات المرضى مسألةٌ حسّاسة…”
نظر دونوفان إلى لينوكس بارتباك.
لكن ما إن وضع الفارس الواقف خلفه يده على مقبض سيفه، حتّى صاح دونوفان فورًا:
“بسبب أمّي!”
—
راح دونوفان، وقد استبدّ به الخوف، يسكب كلّ ما يعرفه دفعةً واحدة.
ورغم اضطرابه وكثرة كلامه، استطاع لينوكس وفرسان الدوق أن يُدركوا فحوى حديثه.
“أمّي صيدلانيّة… لا، أعني أنّها كانت صيدلانيّة.”
كانت والدة دونوفان تعمل في الحيّ الثامن منذ زمنٍ طويل، وبفضل اجتهادها وموهبتها، كوّنت عددًا كبيرًا من الزبائن الدائمين.
وكان النبلاء كثيرًا ما يرسلون إليها طلباتٍ لصناعة أنواعٍ خاصّة من الأدوية.
تحدّث عنها دونوفان بفخرٍ واضح.
فعلى الرغم من أنّ لكلّ أسرةٍ نبيلة طبيبها الخاصّ، إلّا أنّ بعض النبلاء كانوا أحيانًا بحاجةٍ إلى طلب أدويةٍ معيّنة بسرّيّة، فيلجؤون إلى صيدلانيٍّ بدل الطبيب.
“لكن، منذ فترةٍ غير بعيدة، توقّفت أمّي عن العمل بسبب المرض.”
وهكذا اضطرّ دونوفان، وكان آنذاك متدرّبًا في الطبّ، إلى العودة إلى منزله.
وبعد عودته، أودع أمّه دار رعايةٍ تحتاج إلى عنايةٍ متخصّصة، وتولّى شؤون الصيدليّة بنفسه.
لكنّه سرعان ما أدرك أمرًا مقلقًا.
إذ إنّ إصابة أمّه بالخَرَف قد تجعلها تُخطئ في تركيب الوصفات.
ظلّ هذا الشكّ يُطارده، فقرّر مراجعة جميع أوراقها.
“وخلال تفحّصي لوصفات السيّدة موناد… وجدتُ شيئًا غير طبيعي. سألتُ أمّي عنه، لكنّها لم تستطع أن تُجيب بسبب تدهور حالتها.”
“هل كانت جولييت تطلب منها الأدوية؟”
“نعم. كانت الكونتيسة موناد الراحلة زبونةً قديمة لأمّي، وكانت تتناول بعض الأدوية التي وصفتها لها.”
قال دونوفان بحذر، وهو ينظر إلى لينوكس وقد لاحظ شدّة صوته.
“وما نوع الدواء الذي طلبته جولييت؟”
“يُدعى سيلفيوم.”
“سيلفيوم؟”
“لـ-ليس دواءً ضارًّا! كما تعلم، كثير من السيّدات النبيلات يتناولنه.”
عقد لينوكس حاجبيه.
كان يعرفه هو أيضًا.
السيلفيوم عشبةٌ نادرة تنمو في المناطق الجنوبيّة من الإمبراطوريّة. وعند نقع جذورها قليلًا في الشاي وشربها، يكون لها تأثيرٌ مانع للحمل.
وبصرف النظر عن ثمنها الباهظ، لم تكن لها آثارٌ جانبيّة، ولذلك شاع استخدامها بفضل رائحتها الزكيّة.
عيبها الوحيد هو سعرها المرتفع، نظرًا لندرة العشبة.
حينها فقط، فهم لينوكس سبب تجوال هذا الرجل أمام مقرّ الكونت.
فعلى الرغم من سقوط أسرة موناد، فإنّها كانت عائلةً نبيلةً عريقة. وجولييت موناد سيّدةٌ غير متزوّجة، في سنّ الزواج.
لو حدث لها مكروهٌ نتيجة خطأٍ في الوصفة، لما استطاع دونوفان الإفلات من المسؤوليّة، ولهذا لا بدّ أنّه ذُعر وسعى للقائها.
…لكن لا.
لا بدّ أنّ هناك ما هو أكثر.
كان بإمكانه إيصال رسالةٍ عبر الخادمة فحسب، وتنتهي المسألة.
فما الذي جعله يُصرّ على مقابلتها بنفسه؟
“أفترض أنّ هذا ليس كلّ شيء؟”
“قبل بضعة أشهر، طلبت السيّدة موناد نبات الهدال وأزهار السيلفيوم. أرسلت لها أمّي الأعشاب المطلوبة، وكانت تلك آخر مرّةٍ تكتب فيها وصفةً لها.”
ومع ذلك، ظلّ دونوفان متردّدًا، يترقّب ردّة فعل لينوكس.
لو كان الأمر مقتصرًا على ذلك، لما احتاج إلى كلّ هذا الحذر.
وبشعورٍ نذيرٍ ثقيل، سأل لينوكس فورًا:
“فيما يُستعمل الهدال؟”
“لا مشكلة في الهدال. بل هو يمنع الإجهاض ويحمي صحّة الجنين. المشكلة أنّ السيّدة طلبته مع أزهار السيلفيوم.”
“الجنين؟”
“تأثير أزهار السيلفيوم مختلف تمامًا عن الجذور. الجذور تُستخدم لمنع الحمل، أمّا الأزهار فهي أشدّ سُمّيّة، وتُستعمل لتحفيز الإجهاض.”
تجمّد الهواء في الغرفة فجأة.
لكنّ شرح دونوفان لم يتوقّف عند هذا الحدّ.
“إن استُخدم كلٌّ منهما على حدة، فلا مشكلة. أمّا إن جُمِعا معًا، فهناك خطر الإجهاض. لذا، إن كانت السيّدة حاملًا فعلًا، فمن الأفضل ألّا تتناول الدواء، وأن تخضع لفحصٍ منفصل.”
لم يُتح لدونوفان أن يُكمل.
طَخ!
قبل أن تنتهي كلماته، كان لينوكس كارلايل قد اندفع خارجًا، مُغلقًا الباب بقوّة.
“سيّدي!”
أسرع الفرسان خلفه.
لكنّه لم ينتظرهم، وامتطى فورًا الحصان الأسود المربوط في الفناء.
كانت المدينة شبه خالية، بسبب الألعاب الناريّة المقرَّرة عند منتصف الليل.
وبينما كان لينوكس كارلايل يشقّ الطريق مسرعًا نحو مقرّ الدوق، لم يكن في ذهنه سوى اسمٍ واحد:
جولييت.
كانت تستطيع أن تُفسّر.
كان عليها أن تفعل.
“الهدال يمنع الإجهاض ويحمي الجنين.”
“أزهار السيلفيوم تُستعمل للإجهاض.”
منع الحمل.
سيلفيوم.
وجولييت.
وحين اجتمعت تلك الكلمات المُربكة والمُشؤومة، لامس ذهنه خاطرٌ قديم، فارتعد قلبه.
التعليقات لهذا الفصل " 10"