لم تكن ديلارايلا تسمع صوت فيسينتي؛ بل بدا وكأن أحدهم قد سدَّ أذنيها لدرجة أنها لم تعد تسمع حتى صوتها.
وبسبب رغبتها الجامحة في الخلاص، بدأت تدفعه بعيدًا عنها وهي لا تدرك حتى من هو الشخص الذي يمسك بمعصمها. ومع كل محاولة منها، كانت قبضة يده تزداد قوة حتى بدأ لون معصمها يتحول إلى الأحمر.
“ديلارايلا.”
أحاط فيسينتي خصرها وقرب شفتيه من أذنها مناديًا إياها بنبرة تفتعل المودة، لكنها ازدادت تخبطًا.
“آه!”
“ألن تفيقي لنفسكِ؟”
أمسك فيسينتي بمعصمها المتورم وضغطه للأسفل دافعًا إياها نحو الطاولة. ارتجفت عيناها التائهتان بشدة، ويبدو أن ظهرها قد اصطدم بقوة بحافة الطاولة.
حينها فقط بدا أنها استعادت وعيها، فنظرت بحدة إلى فيسينتي الذي كان يضغط بجسده عليها. ومع رؤيتها لوجهه الوسيم كالعادة، عضت ديلارايلا على شفتها السفلية بقوة، ولم ترخِ فكها حتى عندما شعرت بطعم الدم المالح.
“أتفعلين هذا وأنتِ لا تدرين ما قد يحل بشقيقكِ العزيز؟ ألن تجيبيني؟”
اقترب فيسينتي منها لدرجة اختلاط أنفاسهما. وبما أنها كانت محاصرة بين جسده الصلب والطاولة، بدأت تحرك ساقيها محاولةً دفعه بعيدًا عنها. وكلما تحركت ساقا المرأة النحيلتان، زاد فيسينتي من التصاق جسده بها، فشعرت بالاشمئزاز من ذلك التلامس غير المريح.
كرهت ديلارايلا إصرار فيسينتي على انتزاع إجابة منها، وصُدمت من نذالته في استخدام عائلتها لتهديدها.
كان رأسها في حالة فوضى عارمة؛ إذ اختلطت رغبتها في حماية لوان بشعور الخيانة الذي ولّد كراهية تجاه فيسينتي.
تنهد فيسينتي بحسرة، ثم بدأ يلمس بإبهامه شفتها السفلية الدامية. وبقوة، بدأ يفتح شفتيها اللتين لم تكن ترغب في فتحهما بسهولة، مخرجًا جرحها للعلن.
“أوه …”
ومع إبعاد يدها بلا رحمة، تمزق الجلد الرقيق وسقطت قطرات من الدم. كانت تنظر إليه بعينين مليئتين بالدموع من الألم، لكن نظرتها لم تكن تمثل أي تهديد له. وبينما كان يتأمل مظهرها بتركيز، أدخل إبهامه فجأة داخل فمها الي تغطى بالدم.
أصاب ديلارايلا الذهول من هذا الاقتحام المفاجئ، فبقيت متجمدة بملامح شاردة. وبينما كان يضغط على الأجزاء الطرية في فمها، خدشت أظفاره أسنانها الصلبة.
شعرت ديلارايلا بالقشعريرة من ذلك الملمس. أما فيسينتي، فقد شعر ببرودة تسري في رقبته من ملمسها الذي لامس طرف إصبعه.
“هذا آخر كلام لي. كوني مطيعة.”
راقبت ديلارايلا فيسينتي وهو يحذرها دون أن تستطيع المقاومة.
“إن كنتِ ترغبين في رؤية حدود صبري، فاستمري في هذا السلوك.”
ومع كلماته تلك، أمال فيسينتي نظره ببطء نحو الشال الملقى على الأرض. تتبعت ديلارايلا نظره ونظرت إلى الشال أيضًا. عقدت حاجبيها وهي ترى نظراته التي بدأت تخبو تدريجيًا.
‘ما خطب ذلك الشيء؟ هل ارتداء شال يستحق كل هذا العكر في المزاج؟’
وعندما أرادت التحدث للاحتجاج، شعرت بملمس إصبعه في فمها فذعرت متأخرة. عضت ديلارايلا بقوة على إبهامه وشعرت بالاشمئزاز منه.
كان تصرفًا متهورًا لم تفكر في عواقبه. وأدركت خطأها بمجرد أن تذكرت أنه لا يجوز إلحاق الأذى بجسد فرد من العائلة الإمبراطورية. لكن فيسينتي أخرج إصبعه بهدوء دون أن يعقد حتى حاجبيه.
نظر إلى إصبعه الذي ظهرت عليه آثار أسنانها بوضوح، ثم ضحك بخفة. ورغم أنها أصابته بجرح، إلا أنه لم يبدِ أي رد فعل غاضب. بدا أنه يغضب بشدة إن لم تُطَع أوامره، لكنه لا يكترث بتلقي جرح جسدي.
مسحت ديلارايلا شفتيها بظهر يدها بقوة وهي تحاول استجماع أنفاسها. كان عليها معرفة مكان لوان أكثر من الاهتمام بتصرفات فيسينتي الغريبة.
هدأت ديلارايلا قليلاً بسبب تلك الأجواء المضطربة، وكتمت مشاعرها المتدفقة ثم سألت؛ إذ علمت أن التصرف بعاطفية لن يعود عليها إلا بالخسارة. ففيسينتي شخص لا يطرف له جفن أمام توسلاتها، بل ويقوم بأفعال غريبة.
“لوان … ماذا تنوي أن تفعل به؟”
“سيكون بخير ما دمتِ أنتِ مطيعة.”
“هل تنوي إبقاءه هنا؟”
رفعت ديلارايلا عينيها المنخفضتين بحدة لتنظر إلى فيسينتي.
“أجل.”
“هذا لا يجوز…! شقيقي مريض، ويحتاج لتناول الدواء….”
“أعلم ذلك. وكما قلتُ لكِ مرارًا يا ديلارايلا، كل شيء سيُحل إن كنتِ مطيعة.”
‘إن كنتِ مطيعة’ …. إلى أي مدى يجب أن تكون مطيعة؟ وما هو الحد الذي يعتبر فيه المرء عاصيًا؟ لم تستطع ديلارايلا تخمين معاييره بسبب غموض كلماته.
كان هناك أمر واحد واضح فقط: طالما كنتِ مطيعة، سيكون شقيقكِ بخير.
ومع ذلك، لم تكن متأكدة من نوع المعاملة التي قد يتلقاها ابن خائن. علاوة على ذلك، فإن وجود شقيقها هنا يعني إعدامه المحتوم.
لم يتم القبض على مارسيل بعد، وحتى لو قُبض عليه، فليس من المؤكد أن ذلك سيحقق نتيجة ملموسة. فبناءً على الشكوك، أصبح مارسيل شخصًا لا يمكن الوثوق به أبدًا.
“سأسمح لكِ برؤيته كعوض، لذا تعالي كل يوم.”
أمالت ديلارايلا جسدها قليلاً عندما شعرت بيده تحيط بخصرها. شعرت بالضغط منه الذي لم يبتعد عنها منذ مدة.
“لا يمكنني القدوم كل يوم.”
“لماذا؟”
ضغط بيده الكبيرة التي تمسك بخصرها. أنَّت ديلارايلا أنينًا خفيفًا من الألم الذي شعرت به وكأن عظامها ستتحطم.
“كيف يمكنني الدخول والخروج من القصر الإمبراطوري يوميًا؟”
“لقد قلتُ لكِ إنه يمكنكِ القدوم. ومَن غيري يتوجب عليكِ أخذ إذنه؟”
أُلجم لسان ديلارايلا أمام كلماته التي أصابت الحقيقة. وشعرت بالارتباك من حديثه الذي يوحي بأنه يعلم كل شيء.
كانت عبارة ‘لا يمكنني القدوم دون أمر من جلالة الإمبراطورة’ تدور على طرف لسانها.
ومع ذلك، لم يكن من السهل قول ذلك؛ فهي لا تعرف كيف تفتح الموضوع، ولا تدري إن كان الحديث مع ولي العهد في هذا الشأن أمرًا صائبًا.
وهل سيتغير شيء إن أخبرت ولي العهد الآن عن أفعال والدته الإمبراطورة؟
بكل تأكيد، سيؤدي ذلك لنتائج سيئة في أي اتجاه. قد لا يصدق كلامها، وحتى لو حاول إيقاف الإمبراطورة، فلا يبدو أن جيزيل ستتراجع بسهولة.
بل قد يزداد الأمر سوءًا، ولن يمنح ديلارايلا أي فرصة للتنفس.
“لا يمكنني القدوم للقصر الإمبراطوري …”
لذا اكتفت بتكرار الكلمات ذاتها. وعندما رأت وجه فيسينتي يتصلب تدريجيًا، أضافت ديلارايلا بسرعة: “كل الأماكن الأخرى مقبولة، لكن لا يمكنني القدوم للقصر الإمبراطوري يوميًا. إن طلبت مني المجيء لمكان آخر، فسآتي لأي مكان.”
لم يستطع فيسينتي فهم مغزى إصرار ديلارايلا حتى النهاية. لو كان في حالة مزاجية جيدة لربما استمع لرأيها، لكن ليس اليوم. فلم يعد لديه ذرة من التسامح تجاه امرأة لا تطيع أوامره ولا تتحدث معه بصدق.
“تعالي. ولا تجادليني أكثر من ذلك.”
بالنسبة لفيسينتي، كان هذا القدر من التسامح نابعًا من صبر هائل؛ فقد كتم رغبته في حبسها داخل القصر الملحق فورًا.
أما المرأة، التي لا تدرك حجم جهوده، فكانت تنظر إليه بملامح يائسة. ترك خصرها الذي كان يمسكه بقوة قبل أن يفقد أعصابه تمامًا.
خرج فيسينتي فجأة دون أن يمنح ديلارايلا المذهولة فرصة للكلام. نظرت ديلارايلا إلى الباب الذي خرج منه وأمسكت بحافة الطاولة بقوة.
لم يكن هناك شيء يسير كما خططت له؛ حتى خطة تهريب لوان لمكان آمن قد فشلت تمامًا، وذلك لأنها لم تطع أمرًا واحدًا من أوامر ولي العهد.
ومع ذلك، كان عليها القدوم بأي طريقة للاطمئنان على حالة لوان. لم تكن تدري ما الذي قد يفعله فيسينتي إن عصت أمره أكثر من ذلك؛ فقد كانت قزحيتا عينيه اللتان غطاهما الاحمرار تبدوان غريبتين.
وصلت ديلارايلا لقصر الكونت، ولم تستطع النوم طوال الليل حتى استقبلت اليوم التالي.
* * *
أطاعت ديلارايلا أمر فيسينتي هذه المرة بدقة. لكن هذا الموقف الذي واجهته بمجرد وصولها للقصر كان يثير ريبتها.
“آنسة، ماذا بخصوص الحلي؟”
كانت الخادمات اللواتي يحيطن بديلارايلا منشغلات للغاية؛ إذ كنَّ منهمكات في شد خصرها وتلبيسها طبقات من الثياب وفقًا لأحدث صيحات الموضة.
أحضرت إحدى الخادمات صندوق حلي وفتحته أمامها، لكن ديلارايلا لم تستطع الاختيار.
حتى صباح اليوم، كانت تعاني لتوفير أجرة العربة، ولكن بمجرد وصولها للقصر الملحق، بدأت الحلي الفاخرة تُوضع على جسدها وكأنها دمية للتزيين.
غرقت ديلارايلا في أفكارها وهي ترى الحلي التي تلمع بامتصاص الضوء المحيط.
‘هل سيغضب إن رفضتُ هذا أيضًا؟’ ؛ كان لكل ما يقدمه فيسينتي إجابة محددة، وكان على ديلارايلا إيجاد تلك الإجابة.
“ضعي أي شيء.”
“أمركِ.”
وضعت الخادمة الصندوق ونظرت إلى ديلارايلا التي ترتدي فستانًا يشبه زهور الربيع.
كان خصرها نحيلاً دون الحاجة لشده، وحاشية الفستان المطرزة بطبقات تتمايل مع حركتها؛ وبمجرد تصفيف شعرها الذي يشبه خيوط الفضة، بدت ديلارايلا في غاية الجمال، لدرجة أنها لم تكن بحاجة لأي حلي مبهرجة.
رفعت الخادمة سوارًا مرصعًا بالماس الصغير وأمسكت بمعصم ديلارايلا بخفة. وعندما أدارت يدها لتغلق السوار، جفلت لرؤية الندبة القبيحة التي ظهرت.
انتبهت ديلارايلا، التي كانت غارقة في أفكارها، لملامح الخادمة الجامدة، فسحبت يدها متأخرة وأخفتها خلف الفستان.
“ضعي شيئًا آخر من فضلكِ …”
“نعم، يا آنسة.”
كانت هذه المرة الأولى التي تبدي فيها ديلارايلا، التي كانت تتقبل لمساتهن بهدوء، رد فعل عنيفًا.
تبادلت الخادمات النظرات فيما بينهن بعد رؤية الجرح على معصم ابنة عائلة الكونت إيرلي وحالتها النفسية المضطربة.
سحبت الخادمة السوار واكتفت بوضع العقد التابع له.
وفي تلك الأثناء، انتهى تزيين الفستان، فجمعت الخادمات أغراضهن بسرعة وخرجن من الغرفة بخطوات متسارعة.
خرجت الخادمات دفعة واحدة، لكن ديلارايلا ظلت متسمرة في مكانها. شعرت بعدم الارتياح، وكان مذاق فمها مرًا وهي ترتدي أشياءً لا تليق بمقامها الحالي.
بدت صورتها في المرآة كأي آنسة نبيلة، لكن كان هناك مسحة من الحزن في مظهرها. وعلاوة على ذلك، لم تكن تعرف ماذا تفعل بمعصمها المكشوف.
فقد كانت تغطيه دائمًا بالأكمام الطويلة أو الشال، لكن هذا الفستان يصل طول أكمامه إلى ما تحت الكوع مباشرة.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"