كشف صوته الأجش، المليء بالغضب المكبوت، عن استيائه من فيسينتي بوضوح لا يقبل الشك.
حاولت ديلارايلا استرجاع ذاكرتها عما إذا كانت علاقة آرون وفيسينتي سيئة إلى هذا الحد؛ فما تتذكره هو أنهما لم يكونا على خلاف دائم، وتساءلت منذ متى فسدت الأمور بينهما هكذا، أو ربما وقع بينهما أمر لا علم لها به.
لو لم تكن تعرف فيسينتي الحالي، لضحكت واعتبرت كلام آرون مجرد مبالغة، لكنها الآن تشعر بطباع فيسينتي بكل حواسها يوميًا، لذا لم تستطع الاعتراض.
فبالفعل، جعل فيسينتي كل شيء يدور حوله، وكان يتلاعب بديلارايلا كما يشاء بأسلوبه الملتوي في الحديث الذي يسلب المرء تركيزه.
“لا تثقي بذلك الوغد.”
ارتسمت على وجه آرون تعابير جادة للغاية. شعرت ديلارايلا بصعوبة في الرد على كلماته، وبينما كان آرون يرقب شفتيها المطبقتين بهدوء، وقبل أن يكمل حديثه، ضج المكان خارج غرفة الاستقبال بالصخب.
“الآنسة ديلارايلا!”
“الآنسة ريف! قلت لكِ إنه لا يمكنكِ الدخول!”
اتجهت أنظار الاثنين نحو امرأة ذات شعر بني دخلت الغرفة دون تردد، وهي تجر خلفها خادمة تحاول منعها.
ومع أن ديلارايلا لم ترها منذ زمن، إلا أنها لاحظت أن شخصية ريف تشيسوينتر القوية لم تتغير، فلان ملامح وجهها قليلًا وتلاشى بعض التوتر الذي كان يخيم على المكان.
“آن، لا بأس، اتركي ىيف واخرجي.”
“أمرك، سيدي.”
بناءً على كلمات آرون، تركت الخادمة ذراع ريف وانسحبت بإحراج. بدأت ريف ترتب هندامها وهي تتذمر: “كيف تأتي الآنسة ديلارايلا ولا يعطيني أخي أي إشارة؟”
“لأنني كنت موقنًا بأنكِ ستفعلين هذا. ألا تخيبين توقعاتي أبدًا؟”
“أنت وأمي متشابهان تمامًا. لماذا تمنعانني من رؤية ديلارايلا!”
“اهدئي قليلًا، هلا فعلتِ؟”
تشاجرا ريف وآرون بينهما. لم تستطع ديلارايلا منع نفسها من الضحك قليلًا أمام مشهدهما الذي لم يتغير رغم مرور السنين.
وبناءً على شخصية ريف، كان من المؤكد أنها كانت لتزور قصر الكونت يوميًا لولا منع آرون والدوقة لها طوال تلك السنوات.
وبطبيعة الحال، لم يكن بإمكان ريف البقاء هادئة عند سماع خبر وجود ديلارايلا في قصر الدوق.
“ديلارايلا، كيف حالكِ؟ لقد أردت زيارتكِ مرات عديدة، لكن أمي وأخي منماني، بدعوى أن زيارتي ستكون محرجة لكِ. حقًا، ظننت أنني سأنهار من الحزن.”
“مر وقت طويل يا ريف. أنا آسفة لأنني … لم أستطع التواصل معكِ طوال تلك الفترة.”
“لا داعي للاعتذار! أنا من يجب أن يعتذر لأنني لم أزركِ.”
سرعان ما احتلت ريف المكان بجانب ديلارايلا.
كانت تميل بجسدها نحوها بينما تنشغل عيناها برمق أخيها بنظرات حادة. كانت ريف، التي بلغت العشرين لتوها، آنسة مشرقة لا تشوبها شائبة، ولم تفارق جانب ديلارايلا التي لم تكن تمتلك مهارات اجتماعية كبيرة.
ذات مرة، وبسبب فضول ديلارايلا حول سبب تعامل ؤيف الودود معها، سألتها مباشرة—
‘أشعر بالراحة مع ديلارايلا. أنتِ لستِ متصنعة مثل باقي الآنسات، ومعكِ لا أحتاج للتظاهر بالرقي. ألا تعرفين كم هذا مريح؟’
في ذلك الوقت، لم تفهم ديلارايلا كلماتها تمامًا، لكنها شعرت بالسعادة في داخلها لأنها تمنح شخصًا ما شعورًا بالراحة.
وبعد مرور الوقت وقضاء أيام طويلة من الوحدة، بدأت تفهم معنى كلماتها أخيرًا.
إن وجود شخص يمكنك إظهار حقيقتك أمامه دون قلق هو أمر ثمين للغاية. ورغم أنها كانت تخشى لقاء ريف طوال تلك الفترة، إلا أنها شعرت الآن وكأنها حصلت على مساحة للاستراحة.
“لقد مررتِ بأوقات صعبة مؤخرًا، أليس كذلك؟ رغم أن أخي ليس الدوق الرسمي بعد، لكن استخدميه كما تشائين. قد يبدو صارمًا ولا فائدة منه، لكنه ينجز المهمات جيدًا إذا طلبتِ منه.”
عند سماع ذلك، شعرت ديلارايلا بغرابة الأمر. لقد مرت سنوات على وفاة الدوق تشيسوينتر، ومع ذلك لم يتسلم آرون لقب الدوق رسميًا.
كانت ديلارايلا تناديه بـ “الدوق الصغير” بدافع العادة، ولولا كلمات ريف لما لاحظت الأمر. ومع ذلك، لم يكن موضوعًا يمكنها السؤال عنه ببساطة: “لماذا لست الدوق حتى الآن؟”.
“إنه دوق صغير بالاسم فقط، لكنه من الناحية العملية يقوم بمهام الدوق.”
“ريف، اخرجي إن كنتِ ستتحدثين بكلام لا فائدة منه.”
“لماذا! بما أن ديلارايلا هنا بعد غياب، ألا يجب أن نتناول الطعام معًا على الأقل؟”
“انظري إلى وجه الآنسة. لنؤجل هذا حتى ندعوها رسميًا في المرة القادمة.”
رمشت ريف بعينيها وهي تتفحص وجه ديلارايلا. وبنظرة فاحصة، بدا وجهها شاحبًا وحالتها ليست على ما يرام.
وبما أنها لم تكن تفتقر للحس، نهضت ريف بعدم رضا، دون أن تخفي تعابير خيبة الأمل. ومع ذلك، سرعان ما استعادت وقارها كآنسة وابتسمت لديلارايلا بلطف.
“ديلارايلا، إذًا أراكِ حتمًا في المرة القادمة. تبدين وقد فقدتِ الكثير من وزنكِ … هل أنتِ مريضة؟”
“أنا بخير. أعتقد أن السبب هو كثرة الأمور التي تشغل بالي. سآتي لزيارتكم رسميًا في القريب العاجل.”
ابتسمت ديلارايلا بصفاء ومسحت برفق على ذراع ريف القريبة منها.
غلبتها عادتها في طمأنة لوان، فارتعبت وسحبت يدها فورًا، لكن ريف اكتفت بابتسامة خجولة وكأنها أحبت ذلك التصرف.
رمقت ليف أخاها بنظرة أخيرة وغادرت الغرفة بهدوء.
“مهما حاولت إسكاتها…”
“لا بأس. لقاؤها لم يكن بالأمر الصعب كما ظننت.”
بعد رحيل ريف، خيّم الصمت على الغرفة مجددًا.
أسند آرون رأسه للخلف بتعب، بينما ظلت ديلارايلا صامتة حتى يتحدث. كانت تخمن تقريبًا ما الذي سيقوله بعد كل هذا التردد.
“هل تودين البقاء هنا؟”
لم تستطع ديلارايلا منع نفسها من الابتسام أمام كلماته التي لم تخطئ توقعاتها أبدًا.
ربما كان السبب هو الراحة التي شعرت بها بعد لقاء ريف، لكن فكرة عابرة راودتها؛ تمنت لو كان فيسينتي بشخصية سهلة مثل آرون، رغم علمها بأن هذا مجرد خيال مستحيل.
* * *
حتى مع حلول اليوم التالي، ظلت كلمات آرون تعبث بقلب ديلارايلا وتؤرقها.
‘لا تثقي بذلك الوغد.’
هل كان يجب عليها سؤاله عن المعنى الحقيقي لكلامه؟ ندمت ديلارايلا على تفويت الفرصة وظلت تُقلب تلك الكلمات في ذهنها. ما الذي لا يجب عليها الوثوق به؟
كان آرون أحد القلائل الذين عرفوا فيسينتي منذ الطفولة مثلها، لذا لم تفارق كلماته مخيلتها. وظلت ديلارايلا تسأل نفسها باستمرار: هل كانت حقًا تثق به؟
“أقررتِ أخيرًا أن تشردي بذهنكِ علنًا؟”
أعادها ذلك الصوت، الذي يجمع بين الحنان والجفاء، إلى الواقع.
لسبب ما، احتجز فيسينتي ديلارايلا حتى المساء، ثم اصطحبها إلى الجناح الواقع خلف القصر الملحق. وضع أمامه خمرًا، وهو أمر لا يفعله عادةً، وجلس بجانبها مباشرة يراقبها طوال الوقت.
“هل يمكنني ألا أفكر في شيء؟”
لم تخفِ ديلارايلا مرارتها وهي تجرع كأسًا من الخمر دون أن يدعوها أحد.
حاولت تهدئة شعور الاضطراب بضغط ظهر يدها على وجنتها، لكن دون جدوى. لم تكن تجربة الشرب الأولى في حياتها تمنحها شعورًا جيدًا.
في وقت يزداد فيه التفكير عمقًا ومع تأثير الخمر، كان من الصعب ألا تشرد بذهنها. فعدم قدرتها على فهم ما يدور في عقل فيسينتي زاد من هواجسها. فهو يرفض تمديد المهلة، ومع ذلك تزداد تصرفاته الغامضة؛ مثل نظراته المحدقة بها الآن. لذا، استعانت ديلارايلا بالكحول وفتحت شفتيها وهي تنظر إليه.
“لا أفهم ما الذي تفكر فيه. لماذا أعطيتني مهلة إن كنت ستضيق الخناق عليّ هكذا؟”
“أهذا هو الجواب الذي فكرتِ فيه طوال الأيام الثلاثة الماضية؟”
“لا أدري حقًا في ماذا يجب أن أفكر. هل هناك حل لهذا الوضع؟ أنت تعلم بالفعل أن مكان والدي لا يزال مجهولًا!”
فرّغت ديلارايلا حزنها المكبوت لأول مرة. لقد محت الشجاعة التي منحها الخمر كل مخاوفها.
أما فيسينتي، فقد استقبل كلمات ديلارايلا بهدوء تام.
أجاب فيسينتي وهو ينظر إلى ظهر يد المرأة التي تقبض قبضتها بقوة: “أعلم.”
التعليقات لهذا الفصل " 17"