فوجئت ديلارايلا في تلك اللحظة بحقيقة أنها تناولت الطعام مع ولي العهد وهي ترتدي قفازاتها. فمن الناحية البروتوكولية، خلع القفازات عند تناول الطعام هو من أبسط قواعد الإتيكيت.
لقد غابت هذه الحقيقة تمامًا عن بالها بسبب استحواذ فكرة تغطية معصمها على تفكيرها. نظر فيسينتي إلى حيث تخفي يدها، ثم حدق في عينيها مباشرة؛ كانت تلك النظرة التي تحاول سبر أغوار كلماتها، النظرة ذاتها التي تجعل ديلارايلا دائمًا أول من يشيح بنظره.
“أنا آسفة.”
اعتذرت ديلارايلا على الفور بدلاً من تقديم أعذار واهية؛ فقد شعرت أن فيسينتي قادر على كشف كل شيء مهما قالت. كانت تشعر دائمًا تجاهه بخوف غامض لا تفسير له.
سواء في الماضي، أو الآن.
* * *
“غادري وأنتِ ترتدينه.”
حاولت ديلارايلا تبديل ملابسها قبل العودة، لكن فيسينتي منعها. فارتداء مثل هذه الثياب المعقدة خارج القصر يعني أنها لن تتمكن من خلعها بمفردها، فضلاً عن استحالة غسلها.
حاولت الرفض، لكنها استسلمت وعادت إلى منزلها كما هي بعد أن قال لها فيسينتي بتهكم: ‘هل تطلبين مني أنا أن أرتديه إذًا؟’.
كان خلع الفستان يتطلب مجهودًا شاقًا. وبمجرد تحررها من الثياب الضيقة، شعرت وكأن أنفاسها قد عادت إليها، وبدأ الصداع والغثيان يتلاشيان قليلاً. تركت ديلارايلا الملابس ملقاة على الأرض وارتمت بوجهها فوق السرير.
كان المنزل موحشًا للغاية في غياب لوان. كتمت شعورها بالحزن والأسى واستلقت تنظر إلى السقف. عليها أن تعتبر الأمر لحسن حظها؛ فرؤية لوان وقد استعاد عافيته خفف من وطأة الصدمة، لكن فكرة بقائه هناك لم تغادر مخيلتها.
كان عليها إيجاد وسيلة.
“كيف…؟”
تمتمت ديلارايلا وهي تغطي عينيها بيديها. ضغطت عليهما بقوة لحجب الضوء، مما هدأ من روعها قليلاً، وفي تلك اللحظة داهمها التعب الذي كانت تكتنزه.
***
طرق—! طرق—!
فتحت ديلارايلا عينيها على صوت طرق عنيف. يبدو أنها غفت بينما كانت تنوي الاستراحة قليلاً، فقد اصطبغت السماء خارج النافذة باللون الأرجواني. نهضت لتنفض عنها أثر النوم، فدوى الصوت في أرجاء القصر مرة أخرى.
طرق—! طرق—!
عندما استعادت وعيها بالكامل، أدركت أن الصوت قادم من باب المدخل. لم يكن الوقت مناسبًا لاستقبال الزوار، وشعرت أن الضجيج الذي يهز المنزل قد أعاد إليها الصداع من جديد. ترددت ديلارايلا قليلاً ثم نهضت ونزلت إلى الطابق الأول.
“لماذا استغرقتِ كل هذا الوقت لفتح الباب؟”
بمجرد فتحها للباب، اندفعت رائحة عطر نفاذة إلى الداخل.
دفعت امرأة ذات شعر أشقر فاحش التنسيق ديلارايلا، ودخلت المنزل بكل ثقة. كانت تغطي فمها بمروحة يدوية وتتفقد المكان بنظراتها يمنة ويسرة.
“هذا القصر لا يختلف عن بيوت الأشباح. أنتِ، اذهبي ونادي آنسة عائلة إيرلي.”
مسحت بمروحتها قطعة زينة معروضة في الردهة المركزية، ثم تنهدت بضيق وهي ترى الغبار يتطاير، وخاطبت ديلارايلا بدونية وكأنها مجرد خادمة. كانت تنظر إليها بعينين حادتين تستحثها على منادات سيدتها.
“يا فتاة، ألا تسمعين؟ قلتُ لكِ نادي سيدتكِ.”
تصلبت ملامح ديلارايلا أمام هذه الوقاحة المتناهية.
تلك المرأة التي دخلت المنزل بلا استئذان وتتحدث بتعالٍ ونظرات محقرة بدت غريبة تمامًا عنها. ومع ذلك، شمت ديلارايلا رائحة أعشاب طبية مألوفة تتسلل من بين ثنايا العطر القوي، مما جعلها تقطب حاجبيها.
“أنا ديلارايلا إيرلي.”
“هاه!”
رمقت المرأة ملابس ديلارايلا بنظرة مقززة، ثم فتحت مروحتها لتغطي فمها. بدا أنها لا تستطيع تمالك نفسها من الضحك؛ فأظهرت دون تحفظ استهجانها لهذا الفستان الذي يعود لموضة قديمة للغاية، بلونه وتصميمه المثيرين للشفقة.
“لقد كنتِ تبدين رثة جدًا لدرجة أنني لم أعرفكِ. يبدو أن الشائعات التي تقول إن الكونت هرب بكل شيء كانت حقيقية.”
“كلماتكِ قاسية بحق شخص تقابلينه للمرة الأولى دون حتى التعريف بنفسكِ، يا سيدة.”
“أوه، يا للإحراج، اعتذاري. يمكنكِ مناداتي بالسيدة بيلا.”
رائحة الأعشاب الباهتة، الصدر المرفوع بشدة، الفستان والحلي الفاخرة، والشعر المرفوع جزئيًا؛ لم يكن من الصعب على ديلارايلا تخمين هوية هذه المرأة.
كانت هذه المرأة بائعة هوى رفيعة المستوى تتعامل مع الطبقة الراقية فقط، ورغم ذلك، كانت نبرة حديثها سوقية للغاية. كتمت ديلارايلا ضيقها واستقبلتها.
“إن كنتِ تبحثين عن والدي، فهو ليس بالمنزل الآن …”
“يا للمصيبة حقًا. الكونت مدين لي بمبلغ كبير جدًا.”
“ماذا؟”
“هربُه بهذا الشكل يتسبب لي بضرر بالغ. وكما ترين، أنا لستُ من الطبقة الراقية مثلكِ يا آنسة، وسأكون في مأزق إن لم أسترد مالي.”
“كـ- كم المبلغ …؟”
“حوالي 300 مارك تقريبًا؟”
ابتسمت بيلا بمكر وهي ترفع ثلاثة أصابع. كانت ضحكتها غريبة بالنسبة لشخص خُدش ماله. مبلغ 300 مارك يعادل أكثر من عشرة أضعاف الراتب السنوي لخادمة رفيعة المستوى؛ وهو مبلغ لا يمكن لديلارايلا سداده مهما فعلت.
أطلقت ديلارايلا ضحكة يائسة عندما أدركت أن مارسيل لم يكتفِ بالاقتراض من معارفه، بل اقترض حتى من بائعات الهوى.
“آه! وهذا هو أصل الدين فقط، دون الفوائد.”
اصطبغ وجه ديلارايلا بالذهول أمام هذه الإضافة، ظنًا منها أن الأمور لا يمكن أن تزداد سوءًا. كانت ترتجف حتى أطراف أصابعها وهي تستوعب كلمات بيلا؛ فقيمة الفوائد تحددها بيلا كما تشاء، وقد تتجاوز أصل الدين، مما جعل ديلارايلا تغمض عينيها بمرارة.
“إنه مبلغ ضخم حقًا حتى في نظركِ، أليس كذلك؟”
رفعت بيلا ذقن ديلارايلا التي أغمضت عينيها، وابتسمت بشفتيها الحمراوين ابتسامة مائلة. كانت تؤكد على ديلارايلا الحقيقة المرة التي تظهر بوضوح في ملامحها.
“لذا، كنتُ أفكر في المكوث هنا لفترة.”
“ماذا … ماذا تقصدين بذلك؟”
“هل تستطيع الآنسة سداد هذا الدين؟ سمعتُ أن مارسيل قد بدد كل ثروته؟”
“…….”
“آه! ولم أعطِ مارسيل المال هباءً، بل أخذتُ منه ضمانًا.”
شعرت ديلارايلا بصداع شديد عند سماع كلمة ضمان. ما الذي يمكن رهنه هنا؟ لا مجوهرات، لا عربات، لا شيء إطلاقًا.
“مهما كان ما تبحثين عنه، لم يتبقَ شيء في هذا المنزل …”
“يا إلهي، من قال إنه لا يوجد شيء! الضمان موجود هنا وبحالة جيدة.”
فتشت بيلا في حقيبتها اليدوية وأخرجت وثيقة مطوية من المنتصف، ثم هزتها أمام ديلارايلا كأنها تحثها على قراءتها.
ارتجفت عينا ديلارايلا وهي تتبع حركة الوثيقة أمام وجهها.
“هذا القصر موجود، أليس كذلك؟ امم، لقد أحضرتُ وثيقة ملكية الأرض أيضًا.”
“…….”
“ماذا بكِ؟ خذيها بسرعة!”
أخذتها ديلارايلا من المرأة التي خاطبتها بحدة، وعندما فتحتها وجدت أنها وثيقة ملكية الأرض التي بحثت عنها طويلاً في مكتب والدها. لم تتضمن الوثيقة قيمة الدين، لكن حيازة بيلا لها كانت تؤكد صحة موضوع الضمان.
لم يعد في وجه ديلارايلا متسع لمزيد من الذهول، فاستحال وجهها إلى برود تام. تعجبت بيلا في سرها من رباطة جأش ديلارايلا.
‘هل أصيبت بصدمة؟’ ، كانت تعابير وجهها تتغير باستمرار عندما كان الحديث عن المال، لكنها الآن أصبحت هادئة وكأنها جردت من مشاعرها.
تذكرت بيلا عندما أخبرها صاحب حانة هورن عن آنسة عائلة الكونت، وكيف أنها ضحكت بصوت عالٍ حينها.
‘مارسيل الأخرق! انتزعتَ مني كل شيء وفي النهاية هربتَ كالمفلس! وتركتَ لي وثيقة الضمان أيضًا.’
بالطبع، كان أبناء مارسيل في المنزل لكنها لم تكن تنوي طردهم. فهل يستطيع أبناء النبلاء العيش إن طُردوا؟ قررت بيلا بمروءة واسعة أن تتغاضى عن الأمر، خاصة وأن هناك أشياء أخرى تنوي الحصول عليها.
لذا جاءت إلى القصر وهي محملة بالتوقعات، لكنها شعرت بخيبة أمل لا بأس بها أمام هذا المنظر الذي يشبه بيوت الأشباح.
وفوق ذلك، تلك الآنسة التي تشبه الشبح وتناسب هذا المنزل تمامًا؛ لدرجة أنها لا تصلح حتى كخادمة. الشيء الوحيد المقبول فيها كان وجهها وجسدها الجميلان.
“رغم كل شيء، فإن دخولكِ المفاجئ هكذا يسبب لي حرجًا …”
“لماذا؟ هل تخشين أن أسرق الأشياء الموجودة هنا وأبيعها؟”
قطبت بيلا حاجبيها بغضب وكأنها تطلب منها ألا تسيء الظن بها. عجز لسان ديلارايلا عن الرد على تصرفاتها. كان ينبغي عليها الصراخ وطلب خروجها فورًا، لكنها فضلت الصمت. فقد أدركت أن لا فائدة من الحديث مع امرأة تجوب الردهة وهي تترنم بأغنية.
“بما أنني أشفق عليكِ أيتها الآنسة، فلن أطلب منكِ الرحيل، لذا دعينا ننسجم معًا، ما رأيكِ؟”
لقد باع مارسيل لقب الكونت لخائن، وقصر الكونت لبائعة هوى.
* * *
تلك المرأة، التي كانت جادة في قولها إنها ستعيش هنا، استقرت في المنزل منذ تلك الليلة.
بدأت تتجول للبحث عن غرفة تنام فيها، وعندما رأت غرفة مارسيل الأكثر فخامة، أعلنت أنها ستكون غرفتها من الآن فصاعدًا.
لم تملك ديلارايلا، التي كان عقلها مزدحمًا بالهموم، الطاقة لقول أي شيء، فتركتها تفعل ما تشاء. لقد فقدت الرغبة والنشاط في كل شيء. وزاد الصداع لدرجة جعلت الرؤية مشوشة أمام عينيها، فضلاً عن القشعريرة التي شعرت بها، مما أكد أنها مريضة حقًا.
ولكن، بما أن أوامر فيسينتي كانت مطلقة، جرّت ديلارايلا قدميها الثقيلتين وتوجهت نحو القصر الإمبراطوري.
ومع كل اهتزاز للعربة، كان شعور الغثيان يزداد سوءًا، وبدأ وجهها الشاحب يتحول إلى اللون الأزرق.
وعندما كادت تفقد قدرتها على تحمل هذا الشعور المقزز، توقفت العربة لحسن الحظ عند القصر الملحق. كادت ترتكب خطأً داخل عربة القصر الإمبراطوري.
جرّت جسدها المنهك ودخلت كالعادة إلى نفس المكان، فوقع بصرها على السرير الواسع. كانت جفونها ثقيلة لدرجة أنها شعرت بقدرتها على الإغماء بمجرد إغماض عينيها.
جلست ديلارايلا على حافة السرير وكأنها منجذبة إليه، وأرادت فقط الاستلقاء للاستراحة قليلاً حتى يأتي فيسينتي.
فلو قابلت لوان وهي بهذه الحالة فلن تسبب له سوى القلق، وبما أنها لا تمرض كثيرًا في العادة، فقد ظنت أنها ستتحسن بمجرد نيل قسط من الراحة.
فكرت ديلارايلا في ذلك بينما كورت جسدها الصغير وأغمضت عينيها لبرهة. وفجأة، وضعت يد باردة على وجنتها وامتصت حرارتها. شعرت بالراحة من ذلك البرود فمسحت وجنتها باليد، لكن اليد ابتعدت فورًا.
فتحت عينيها بحثًا عن تلك اللمسة التي اختفت، لتجد فيسينتي جالسًا على حافة السرير ينظر إليها بضيق.
“نامي أكثر حتى يأتي الطبيب.”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 11"