كان مجرى الأحداث كما يلي:
ظهرت ليتيسيا مع كاليُوس معًا في حفل جمع التبرعات، وتوجها مباشرة إلى كاليسيا لتحقيق هدفهما.
فهمت كاليسيا جميع أهدافهما تمامًا، وأظهرت لهما موقفًا لطيفًا ودافئًا، وبالطبع كان ذلك أمام الجميع.
لذلك ظنّ البعض لفترة أنّ الأمور تسير بسلاسة ولا مشكلة قائمة.
لكن المشكلة اندلعت فجأة مع داميان.
تصرف وكأنه لا يفهم سبب توتر كاليُوس الشديد تجاهه.
قال داميان: “إلى متى ستستمر هذه الحالة؟”
ردّ كاليُوس وهو يزمّ جبهته: “حسنًا، حتى أتأكد من الأمر.”
كان كاليُوس ينظر إليه كما لو كان ماثياس أو أي عدو آخر.
ثم مد داميان يده نحو ليتيسيا دون سبب واضح.
قال كاليُوس بحزم: “لا تفكّر في لمسها.”
رد داميان: “كاليُوس، أنا أحاول مساعدتك!
ليس أنت فقط، بل ليتيسيا أيضًا!”
لم يكن لدى كاليسيا وقت لإيقاف داميان، لكن حركة كاليُوس كانت أسرع وكأنه يريد سحب سيفه، غير أن ليتيسيا أمسكت بمعصمه.
أخذ كاليُوس نفسًا عميقًا لمحاولة تهدئة نفسه، لكنه لم ينظر إلى ليتيسيا.
قالت ليتيسيا بهدوء: “داميان؟”
التفت داميان إلى وجه كاليسيا المُندهش، ثم صمت مجبرًا.
سمعتُ صوت أحدهم يتمتم: “ها قد بدأ الصراع…”
حاولت كاليسيا إخفاء قلقها، وقالت: “داميان، اذهب لتتنفس قليلاً.
وسيدي ماكسيس، من الأفضل لك أيضًا أن تخرج قليلاً.”
كانت كلماته تحمل تلميحات ضمنية، ثم همست لها ليتيسيا: “لا أعرف ما الذي يجري بالضبط.”
قالت ليتيسيا: “هذه أول مرة أرى فيها سيدي غورست غاضبًا هكذا.”
قالت كاليسيا: “وأنا كذلك.”
يعني ذلك أنّ حتى كاليسيا نفسها لم تفهم سبب تصرف داميان الغريب.
ثم قالت كاليسيا بنبرة مستاءة: “هل تعرف من حضر اليوم؟”
عرفت ليتيسيا من تقصد منذ وصولها، فالكل كان يتحدث عنه.
كان الدوق هولداين شاحبًا، كأنه أكبر بعشرات السنين مقارنةً بآخر مرة رآه فيها.
زاد شعره الأبيض، وبدت عيناه عميقتين وحنقًا في ملامحه كشيخٍ حقود.
كان خبر اختفاء الأميرة حقيقة مؤكدة، ليست مجرد شائعات.
وكان يُعتقد أن الدوق يخفي ميلونا في مكان ما ويتصرف بتجرد ووقاحة.
تمكّن كاليسيا مع ماثياس من منع عائلة الدوق هولداين من دخول العاصمة، لكنه لم يفعل ذلك لأن ميلونا لم تختفِ، بل غادرت للأبد.
لم يكن بمقدور الدوق سوى التراجع بهدوء.
أخرجت ليتيسيا القلق الذي خبأته في قلبها، وقالت: “أشعر أنني أفتقد شيئًا ما.”
قالت كاليسيا مطمئنًا: “إنه مجرد وهم.”
رغم ذلك، لم تستطع ليتيسيا تصديق ذلك، فالأحداث السيئة التي مرت بها تنهش قلبها.
نظرت ليتيسيا إلى الأطفال الحاضرين في حفل التبرعات، فقد أُعدّوا ونُظّفوا وأُلبسوا أجمل الملابس. كانت لحظة طفولتهم كافية لتخفيف قلقها قليلاً.
فجأة، صرخ طفل صغير وقع على الأرض.
اقتربت مديرة دار الأيتام لتمسح ركبته، واحتضن الطفل المديرة بحنان.
لم تكن ليتيسيا الوحيدة التي شعرت بالدفء من هذا المشهد، وفجأة خطرت لها فكرة اسم طالما نسيته.
قالت بهدوء: “… لقد نسيته تمامًا.”
قال كاليسيا بابتسامة: “ماذا؟”
قالت: “سيدريك.”
لم يكن سيدريك كافيًا ليكون اليد اليمنى لماثياس، وكانت العلاقة بينهم هشة، لكنه لم يكن ليسلم بسهولة.
وكذلك إيزابيلا، التي ضحت كثيرًا من أجل مستقبل ابنها.
تساءلت ليتيسيا: “لماذا تذكرتهما الآن؟”
لم تفهم سبب اختفائهما عن نظرها لفترة طويلة. منذ وقت لم تراهما، على الأقل من وجهة نظرها.
—
قبض كاليُوس على حاجبيه عند سماع اسم سيدريك.
قال: “لكن سيدريك اختفى منذ زمن بعيد. لا أظن أنه اختفى بمحض إرادته، ربما قتله ماثياس في الوقت المناسب.
لو كان حيًا، لما غاب عن الأنظار إلى الآن…”
لكنّه بدا أنّه لم يسمع قط أنّ سيدريك مات فعلاً.
أدركوا فجأة ما الذي كان غائبًا عنهم.
ماذا لو كان سيدريك حيًا؟
جلس كاليُوس وليتيسيا وغاريون معًا في غرفة الاستقبال بقصر ماكسيس، وصمت الجميع.
أزال كاليُوس جميع المشتبه بهم واحدًا تلو الآخر، حتى من كانوا قد خرجوا سابقًا، وأعاد التحقق معهم مع ليتيسيا.
ظنّ أنّه تأكد من الجميع، لكن القلق ظل مستمرًا بسبب اسم “سيدريك” الذي عاد فجأة للواجهة.
ثم قال غاريون: “ربما لأنّه لم يكن في نطري، لم أستطع رؤية مستقبله.”
رد كاليُوس ساخرًا: “ما هذه القوة الرديئة؟”
لكن غاريون بدا جادًا وقال بمرارة: “رؤية المستقبل أمر لا أتحكم فيه.”
عرفت ليتيسيا على الأقل من يجب أن تبحث عنه أولاً: “عليّ أن ألتقي بإيزابيلا.”
—
كانت إيزابيلا في كوخٍ خارج الجزيرة، ولم يكن العثور عليها صعبًا.
لكنها لم تكن تعرف مكان سيدريك، فوجهها بدا متعبًا ومليئًا بالغضب.
صرخت فور رؤية ليتيسيا: “أنتِ من قتلتهما!”
لكن كريستين وسام قيدتها بسرعة.
رغم أن ليتيسيا كانت تتمنى نهاية سيئة لإيزابيلا وسيدريك، إلا أنّ رؤيتها جعلتها تشعر بالمرارة.
قالت ليتيسيا: “هل أنتِ لا تعرفين مكان سيدريك؟”
أجابت إيزابيلا بغضب: “أتعلمين أنّكِ السبب؟ هل تعتقدين أنّي لا أعلم؟ هل ابني حي؟ أعدي أبني ليّ!”
حاولت الإفلات من قبضة كريستين، بينما كانت ميدينا معها في الكوخ، وكأنّهما الأم وابنتها.
قالت ميدينا: “لا أعرف إن كنت ستصدّقين، لكن إيزابيلا تقول الحقيقة. لم نتلق أي أخبار عن سيدريك منذ أشهر.”
سأل كاليُوس: “منذ متى بالضبط؟”
ارتجفت إيزابيلا وقالت: “منذ زمن بعيد، حين بدأ الدخول إلى نادٍ ما في الجزيرة…”
كان كاليُوس يعرف ما عاناه سيدريك للدخول إلى ذلك النادي، لكنه لم تتأثر ليتيسيا بذلك، إذ كانت مجرد إشاعات.
قال كاليُوس: “يا لها من مضيعة للوقت.”
لم يكن سيدريك موجودًا، ولم تكن إيزابيلا تعرف مكانه.
قالت إيزابيلا بنبرة أهدأ، محاولة الاقتراب من ليتيسيا: “هل أنتِ متأكدة أنّك لم تقتليه؟”
أومأت ليتيسيا: “أنا لم أقتله.”
ثم بكت إيزابيلا، وكأنها تأكدت من موته.
—
عاد كاليُوس إلى الجزيرة للبحث عن آثار سيدريك.
تتبع آخر أثر له إلى النادي، حيث كان برفقة شخص آخر، ثم غادرا معًا بعد إغلاقه.
ومنذ ذلك الحين، لم يظهر له أثر. كأنّه اختفى بعد خروجه من النادي.
مرت الأيام، وبدأ كاليُوس وليتيسيا بالاعتزال قبل ثلاثة أيام من التتويج.
لم يكن لديهما أي خيار، فلم يتمكنا من التنبؤ بما سيحدث.
لم يُجبرهما كاليسيا على الخروج.
في ليلة ما قبل التتويج بدأت الاحتفالات، وبدأ كاليسيا التحضيرات بعد غروب الشمس، فكان كل شيء جاهزًا مع بزوغ الفجر.
وبذلك بدأ حفل التتويج.
التعليقات لهذا الفصل " 98"