كانت ليتيسيا مشوشة تمامًا من وقع الموسيقى السريعة التي تعزف، حتى بدت وكأنها لا تصدق أن طقسًا مهيبًا وجليلاً قد انتهى منذ وقت قصير.
فالطقس لم يمضِ عليه أكثر من ساعتين.
أما كاليسيا، فكانت تحتسي الخمر وتضحك بمرح أكثر من المعتاد، والنساء من حولها يبادلنها الابتسامة.
بين حين وآخر، كانت ترفع كأسها نحو ليتيسيا، مما اضطر الأخيرة أن تقلّدها وتشرب قليلًا، رغم ترددها.
تمتمت ليتيسيا في نفسها:
“لا أستطيع أن أركز إطلاقًا… ومع ذلك، الهروب من هنا ليس أمرًا يسيرًا.”
كانت قد وعدت كاليُوس بالعودة سريعًا إلى المنزل، لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة.
فالناس كانوا يتفرقون وكأنهم يستمتعون بالاحتفال، لكن ما إن تفكر ليتيسيا وكاليُوس بالمغادرة حتى يتجمع الجميع وكأنهم يمنعون ذلك.
عندها قرر كاليُوس التخلص ممن يعرقلونهم واحدًا تلو الآخر، وساقها بعيدًا عن الزحام.
إلى جوارها وقف سام هيوان وكريستين يحرسونها باهتمام، فلم تكن وحيدة رغم شعورها بالانعزال. وفي تلك اللحظة ظهر داميان، بعكس كاليسيا، إذ بدا متجهمًا قليلًا.
سألته ليتيسيا:
“هل هناك ما يضايقك؟
فابتسم ابتسامة باهتة وقال:
“هل أبدو كئيبًا هكذا؟”
ردت: “هذا ليس من طباعك.”
ضحك داميان، لكن ضحكته سرعان ما اختفت، مؤكدةً أنه حقًا مهموم.
قال مترددًا:
“لا أعرف كيف أصوغ هذا… لكنني أريد الاعتذار للسيد ماكسيس، ولست أعلم كيف أفعل ذلك.”
راقب كاليُوس المشهد من بعيد، منتبهًا لكل كلمة.
تابع داميان:
“أتذكرين يوم التقينا بالسيد ماكسيس لأول مرة؟ حينها، بينما كانت كاليسيا مشغولة بالحديث معك، طلبتُ منه أن يطلعني على القصر…
وفي تلك اللحظة، شعرت وكأنه صديق قديم جدًا.
لم أتصور أن رجلاً بمكانة ماكسيس ودهائه الاجتماعي يمكن أن ينجذب إلى صداقتي.
لكنني، في الوقت ذاته، لا أستطيع إنكار شعور الخيانة الذي ربما كان يحمله تجاهي.”
أطرق داميان قليلًا ثم قال:
“مع ذلك، لست غاضبًا…
بل أشعر أنني أستحق ما حدث.
ولذلك أود الاعتذار، ليس له فقط، بل لكِ أنتِ أيضًا يا ليتيسيا.”
لم تجد ليتيسيا ما تقوله، فاختارت الصمت.
ثم تمتم داميان:
“لكن لا يمكننا أن نظل غرباء بسبب ماضٍ لم يحدث بعد.
أخبريني… هل هناك ما يمكنني فعله؟”
نظرت إليه ليتيسيا حائرة، هي أيضًا لا تعلم.
وأثناء ذلك، إذا بخادم يسكب دون قصد كأس شمبانيا على فستانها.
ارتبكت: “آه… بارد!”
اعتذر الخادم بخوف: “أرجوك سامحيني، لم أقصد…”
لكن ظهور كاليُوس المفاجئ بث الرعب في قلبه، فازداد ارتباكًا، حتى هرع لإحضار قطعة قماش.
اقترب كاليُوس من ليتيسيا وسأل بصرامة:
“هل أصابك مكروه؟”
فأجابته بهدوء: “سأرى بنفسي، لا تقلق.”
كان صوته جافًا مع داميان، الذي اكتفى بابتسامة محرجة.
قال كاليُوس:
“يبدو أن الوقت قد حان للعودة.”
فأومأت ليتيسيا موافقة.
ودعها داميان قائلاً:
“اعتنيا بأنفسكما.”
لكن كاليُوس استدار دون أن يرد عليه.
وما إن سار ممسكًا بكتف ليتيسيا حتى دوى صراخ عالٍ في القاعة:
ثريا ضخمة سقطت من السقف، لتتحطم في المكان الذي وقفا فيه قبل لحظات.
ساد الصمت المذهول، ثم قال أحد النبلاء بابتسامة مستفزة:
“ها قد جاء وقت استبدال القديم بالجديد!”
وضجت القاعة بالضحك، بينما ارتسمت الصدمة على وجه كاليسيا.
شعرت ليتيسيا بقبضة كاليُوس تشتد على كتفها، ونظراته تحمل سؤالاً يشبه سؤالها:
هل كان القدر يسعى لقتلها في تلك الليلة؟
—
بعد أيام، بدا واضحًا أن كاليسيا قررت استغلال ما حدث كحديثٍ يتناقله الناس طويلًا.
في ذلك الحين، تسلمت ليتيسيا مرسومًا من فرسان العائلة الملكية، يعيد إليها جميع حقوقها وواجباتها بصفتها ريوربون.
ورغم أن المرسوم سُلّم رسميًا في قصر ماكسيس فقط، إلا أنه سيصل إلى أسماع الجزيرة كلها قبل الصباح.
وهكذا، أعلنت كاليسيا ضمنيًا أن ليتيسيا حليفة لها، الأمر الذي أزال الشكوك حول خلافات محتملة.
لكن في المقابل، أخذت الشائعات تنتشر حول خصومة بين كاليُوس وداميان.
وبينما كان كاليُوس يخطط للظهور العلني مع ليتيسيا عبر إقامة حفل خيري لدور الأيتام، وقع ما لم يكن في الحسبان.
ففي ختام الحفل، علا صوت داميان عاليًا، على غير عادته، قائلاً:
“لا تحاول التدخل!؟؟
إنني أحاول مساعدتك، يا كاليُوس… وليتيسيا أيضًا!”
جذب صوته أنظار الحاضرين، حتى ظن الناس أن كاليُوس تخلى عن تحالفه مع كاليسيا.
التعليقات لهذا الفصل " 97"